الاستثمار في مجال الطقوس الدينيّة... عن منظمات تُقدّم لـ"المؤمنين" من يصلّي عنهم بأسعار مُغرية

الاستثمار في مجال الطقوس الدينيّة... عن منظمات تُقدّم لـ"المؤمنين" من يصلّي عنهم بأسعار مُغرية

"...نحن ملتزمون بالتعامل مع صلاة كل واحد منكم بالاحترام الذي تستحقّه. لا يهمّ إن كانت الصلاة طويلة أو مُقتضبة، سنتعامل معها باهتمام واحترام. إليكم ما سيحصل عندما تقومون بطلب صلاة…".

هكذا يبدأ موقع "Holy Land Prayer" أو "صلاة الأرض المقدّسة" بالتعريف عن خدمات الصلاة التي يُقدّمها في بيت لحم، والمدفوعة طبعاً عبر خدمة "باي بال" (PayPal)، مفنّداً ما يمكن أن يحصل عليه المؤمنون حول العالم من فرص لممارسة الطقوس الإيمانية في بيت لحم من دون أن يضطروا للحضور شخصياً.

بحسب الموقع، هناك وسيط يقوم بذلك بدلاً عن المؤمنين مقابل مبلغ يتراوح بين 15 و 40دولاراً، حسب "رغبات المؤمن".

الموقع المذكور أعلاه ليس وحده في هذا المجال، فثمة مواقع لمنظّمات عديدة تتيح مثل تلك الخدمة للمسيحيين واليهود حول العالم، بينما تبدو العروض المقدّمة عليها أشبه بأي عملية تسوّق أخرى، فيها العروض المغرية، الحسومات المشجّعة وخدمات النقل والتوصيل.

كيف يعمل الموقع؟

ثمة لائحة من الخيارات تطلّ أمام الراغب بالاستفادة من خدمات المنظمة. بـ15 دولاراً فقط (14.90 تحديداً)، يمكن لـ"الزبون" أن يحصل على التالي: كاهن يصلي الصلاة التي يطلبها (ويمكن أن تكون من تلك الجاهزة أو أن يكون قد كتبها بنفسه) في كنيسة القيامة، كما سيكون هناك صورة للصلاة التي طلبها الشخص موضوعة على حجر المغتسل (الحجر الذي قيل إن جسد المسيح بعد الصلب وُضع عليه وتمّ غسله بالطيب والحنوط)، وبعد ذلك تُؤخذ صورة للصلاة مع الحجر وتُبعث بالبريد الإلكتروني للشخص المعني.

بـ20 أو 25 دولاراً، يُضاف لما سبق خدمات مثل إضاءة شمعة على نيّة الشخص بجانب قبر المسيح ثم إرسال صورة للشمعة والقبر عبر الإيميل للشخص، في حين أن من يدفع 5 دولارات إضافية يحصل فوق ذلك على فيديو مصوّر خصيصاً له من المكان.

أما المؤمن "الإكسترا" فيحصل إلى جانب الخدمات المذكورة كلها، على صورة شخصيّة له توضع إلى جانب القبر والشمعة داخل الكنيسة، ومن ثم تُرسل صورة صورته إلى جانب الشمعة والقبر إليه عبر البريد الإلكتروني… وكل ذلك بـ40 دولاراً.  

يمكن للمؤمن أن يختار الخدمة لنفسه أو لأحد أفراد عائلته أو أصدقائه، وبمجرّد الاختيار يُرسله الموقع إلى "باي بال"، وبعد دفع التعرفة المحدّدة وإدراج البريد الإلكتروني للتواصل، يُطلب منه اختيار الصلاة التي يرغب بها بعدما يُطلب منه "إغلاق عينيه والكتابة بنيّة صافية… فالنية أهم من الكلمات".

بمجرّد الإرسال، يتوجه أحدهم من المركز الرئيسي للمنظمة "الذي يقع على بعد خطوات قليلة من كنيسة القيامة"، ويقوم بالمطلوب. بعدها يستلم الشخص عبر البريد ما طلبه، وشهادة موثقة تضمن له أن الخدمات تحققت و"الرسالة إلى الخالق" قد وصلت.

مواقع صاعدة و"حج افتراضي"

كتب أوليفر هولمز من القدس أن هناك حركة متنامية من المنظمات التي تقدّم للمسيحيين واليهود صلاة بالوكالة في الأراضي المقدّسة، وهؤلاء هم المسيحيين واليهود المستعدين - بطبيعة الحال - لدفع بدل مادي لذلك. فتلك المنظمات قد دخلت السوق العالمية للاستثمار في مجال ممارسة الطقوس الدينية بالوكالة.

من ضمن تلك المنظمات، واحدة صاعدة اسمها "Salvation Garden" أي "حديقة الخلاص" ولديها موقع غنيّ بالخدمات، يعرّف عنها بأربع لغات هي الإنكليزية، الفرنسية، الإسبانية والإيطالية.

أقوال جاهزة

شارك غردالمؤمن "الإكسترا" يحصل على صورة شخصيّة له توضع إلى جانب قبر المسيح مع شمعة، ثم تُرسل إليه صورة صورته عبر البريد الإلكتروني… وكل ذلك بـ40 دولاراً. عن عمل منظمات الصلاة بالوكالة وأشكاله...

شارك غردثمة مواقع لمنظّمات عديدة تتيح خدمة الصلاة بالوكالة للمسيحيين واليهود حول العالم، بينما تبدو العروض المقدّمة عليها أشبه بأي عملية تسوّق أخرى، فيها العروض المغرية، الحسومات المشجّعة وخدمات النقل والتوصيل

جزء من الخدمات يشبه ما يقدمه موقع "صلاة الأرض المقدّسة"، حيث يمكن للمستخدم اختيار صلاة جاهزة مثل "أبانا"، أو أن يكتب صلاته هو ويختار الكاهن الذي سيؤديها بدلاً عنه مع خيارات أن يكون كاثوليكياً، أورثوذوكسياً أو بروتستانتياً.  

وبينما تُقدّم "حديقة الخلاص" خدمة الصلاة العادية مجاناً، إلا أن طلب تصوير الصلاة فيديو عند القيام بها والحصول على شهادة موثّقة بذلك يتم مقابل تعرفة مادية. وبحسب هولمز، فإن الموقع قال إن الأرض المقدّسة يجب أن تكون مفتوحة أمام الجميع وبمن فيهم من لا يمكنه الوصول إلى القدس، وعليه تتلقى المنظمة عبر فيسبوك الكثير من الطلبات للصلاة هناك، وهي تستعدّ لإطلاق تطبيق للهواتف الذكية.  

وكما يُخبر موقع "الحديقة المقدّسة"، فإن تجربة المؤسِّس انطلقت حين قام أحد أصدقائه بالحج للأراضي المقدّسة، لكنه شعر بالأسى لأن والدته المريضة لم تستطع مرافقته إلى هناك. عندها حاول تعويضها بذلك من خلال المحادثات المصوّرة التي جعلتها تشعر أنها هناك بينما كان الاثنان يتلوان الصلاة معاً.

والدة الصديق سمّت ذلك "الحج الافتراضي"، في حين أن مؤسس الموقع رأى أنها فكرة جيدة تستحق أن ينقلها لمن "لا يستطيع الوصول إلى القدس لأسباب صحية، أو مالية، أو أسباب أخرى"، ويقول "نحن هنا من أجلك".

وعن الحديقة، يقول الموقع إنها واقعة في قلب القدس وتمثل صلة الوصل بين المسيحيين حول العالم والأراضي المقدسة، وهي تجمع بين التاريخ المسيحي القديم والعناصر الحديثة، وهي مفتوحة للأعضاء الذي يمكنهم تقديم طلب انضمام ويُتاح لهم أن يحفروا خمس أسماء يريدونها على الحائط، كما تُقام فيها القداديس التي تُبث "أونلاين" للجميع.   

صلوات لليهود أيضاً… حسومات وخدمات "إكسبرس"

في شقوق الحائط الغربي، الذي يسميه اليهود "حائط المبكى" أو "حائط البراق"، يضع المصلون عادة صلوات مكتوبة. لمن لا يستطيع الوصول إلى هناك، ثمة من يقوم بذلك بدلاً عنه أيضاً.

إحدى المنظمات اسمها "Western Wall prayer delivery service" وتقدّم "خدمة الصلاة على الحائط الغربي" بـ29 دولاراً لنقل الصلاة خلال شهر أو 79 دولاراً (بعد الحسم من 99 دولاراً) لنقل الصلاة "إكسبرس" خلال 24 ساعة.

وهناك "Western Wall Prayers" أي "صلوات الحائط الغربي". معظم الصلوات تتعلق بالزواج أو بالصحة، بينما تعمل المنظمة منذ 13 عاماً وتستعين بخدمات 40 حاخاماً كما بخدمات طلاب يدرسون التوراة. وهؤلاء يقدّمون كذلك خدمة الصلاة 40 يوماً عند الحائط والمتعارف عليها لدى اليهود السفارديم، أو تلك التي تستمر لنحو أسبوعين المتعارف عليها لدى اليهود الأشكناز.

تستمرّ النزعات الروحانيّة في تقديم نفسها بمنطق ديني صرف، رافضة الاعتراف بشقها المادي التجاري مهما كان شكله أو حجم انغماسها به

يُطلب من "الزبائن" أن يقوموا بالصلاة نفسها وللمدة نفسها تزامناً في منازلهم. وتتراوح عروض الصلاة لمدة 40 يوماً، بين 95 دولاراً لـ"الصلوات الكلاسيكية"، 365 دولاراً لـ"الصلوات الحصرية"، 720 دولاراً لـ"الصلوات الحصرية الشخصية"، 1800 دولاراً لـ"الصلوات المميّزة" و3600 دولاراً لـ"الصلوات على الطلب مع خيارات".

وفي موقع "فريق صلاة القدس" الذي يقدّم نفسه كفريق "أصدقاء صهيون" فهو يقيم الصلاة لحماية بني صهيون، كما لمساعدة العائلات المهاجرة حيث يعمل الكثير من الأثيوبيين اليهود مع الموقع. وهناك قسم للمجوهرات التي تتراوح أسعارها بين 100 دولار و2600 دولار والتي تُباع "أونلاين".

التكنولوجيا والدين… عالم متغيّر

في حديثها عن الصلاة، أشارت المسؤولة عن أحد المواقع المذكورة أعلاه إلى الإيمان بأن ثمة قوة أكبر وتأثير أوسع إذا قام بالصلاة شخص آخر على نيّتك، وتحديداً في حال كان الشخص مختصاً، لافتة إلى أن رغم تواجدها في الأراضي المقدسة إلا أنها تُكلّف أشخاصاً بالصلاة عنها سبع أو ثماني مرات في السنة.

رغم تقديم الصلاة العابرة للأشخاص والقارات بشكلها الروحانيّ، ورغم أن هذا الشكل تعرفه الأديان السماوية التي تتيح إمكانيّة الصلاة بدل آخرين وتحميل الأدعية لفلان يزور مركزاً دينياً على نيّة فلان، إلا أن التسويق لها وإرفاقها بتعرفة مادية مختلفة، يُلصق بتلك الروحانيّة بُعداً مادياً لا سيّما في عالم غارق بـ"التسوّق الإلكتروني" والهوس بتطويره وجعله أكثر إغراء لجهة تقديمه كبديل أفضل عن "التسوّق التقليدي" المباشر.

 

إلى ما سبق يُضاف عامل آخر في التعامل مع تلك المنظمات، هو حجم التأثير الذي تركته التكنولوجيا والتطورات الحديثة على علاقة المتدينين بالمؤسسات والمقامات الدينيّة، وعلى تعاليم الدين نفسه.

كان النقاش قد دار منذ مدة حول دخول الهواتف والتطبيقات الإلكترونيّة إلى عالم الكتب الدينيّة، من خلال استحداث نسخ إلكترونيّة للقرآن والإنجيل والتوراة، وكيف غيّرت تلك النسخ في علاقة المتديّن بالكتب المقدسة لجهة قراءتها بشكل انتقائي، أو ملامستها في ظروف معيّنة لا تتيح له دينياً اللمس المادي (كما في حالة القرآن والحيض)، فضلاً عن إمكانية تظليل(Highlighting) جمل بعينها أو مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي…

واختلف المتجادلون بين جانب "رومانسي" يفضّل الورق على الإلكتروني والعكس، وبين جانب فقهي يُحاجج في انتقاد الجانب الإلكتروني لما يتيحه من إمكانية التزوير أو افتقاد الروحانية، وبين من يدعمه لجهة تسهيله أمور المؤمن ومساعدته على التقرّب من دينه وكتابه أينما كان…

وفيما يتباين مدى تجاوب المؤسسات الدينية مع الوضع الجديد من دين إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، تستمر النزعات الروحانيّة في تقديم نفسها بمنطق ديني صرف رافضة الاعتراف بشقها المادي التجاري مهما كان شكله أو حجم انغماسها به. وهي بذلك تعكس معضلة يعيشها الدين بشكل أعم مع المجتمع الحديث، حيث يُمعن كثر من رجال الدين في استحضار الماضي وتكريسه، في مقابل اعتماد متزايد على مظاهر الحداثة مع الإصرار على رفضها في الآن نفسه.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي