"مقبرة العبيد" في تونس... جدل التمييز العنصري ينتقل من الأحياء إلى الأموات

"مقبرة العبيد" في تونس... جدل التمييز العنصري ينتقل من الأحياء إلى الأموات

تُعَدّ المقابر العائليّة من أبرز المعالم التي تُميّز المجتمع في جزيرة جربة التونسية، فكل عائلة تقريباً تخصص جزءاً من أراضيها لدفن موتاها، اقتداء بعادات متوارثة عن الأجداد، غير أن موضوع المقابر أثار مؤخراً جدلاً بعد تقارير إعلامية عن وجود مقبرة تُسمّى "مقبرة العبيد" مخصصة للتونسيين من أصحاب البشرة السمراء، مع ما يطرحه ذلك من نقاش حول العنصرية.

وتقع جزيرة جربة جنوب شرق تونس، في خليج قابس، وهي مُدرَجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2016، لما تتميّز به من تراث ثقافي ومعماري عريق يشهد على تلاقح الحضارات التي مرّت عليها.

"مقبرة العبيد"

توجد "مقبرة العبيد" في منطقة تسمى "صدغيان" في معتمدية حومة السوق، قلب الجزيرة النابض، على أرض بجانب مسجد "بوليمان"، وهو أحد أكبر معالم صدغيان.

ويفصل طريق ضيّق هذه المقبرة عن مقبرتين أخريين: الأولى للسكان غير الأصليين، أي الوافدين على الجزيرة منذ وقت غير طويل، ويسمّون "الجبالية" وهم مهاجرون من المنطقة الجبلية في ليبيا، والثانية لأصحاب البشرة البيضاء، وذلك بحسب شهادات بعض أبناء المنطقة.

ويقول البعض إن أرض هذه المقبرة قدّمها بعض أصحاب البشرة البيضاء قديماً إلى أصحاب البشرة السمراء، لدفن موتاهم فيها ولإبعادهم عن مقابرهم، في تعبير عن حالة العنصرية التي كانت سائدة قديماً والتي يرى كثيرون أنها لا تزال منتشرة إلى اليوم بين سكان المنطقة.

عن نشأة هذه المقبرة، بحسب اعتقاد أبناء المنطقة، يروي العامل المتقاعد العروسي بوزكري (70 سنة)، وهو من أصحاب البشرة البيضاء، لرصيف22 أن "مقبرة العبيد" موجودة منذ أكثر من 400 سنة، عندما كانت هناك تجارة رقيق في البلاد قبل إلغائها.

ويؤكد المختص في آثار ومعالم جزيرة جربة التاريخية الهادي البرجي (84 سنة)، وهو ابن صدغيان، أن معطياته تشير إلى أن الأراضي التي أقيمت عليها المقابر تبرّع بها أهالي البلدة من أصحاب البشرة البيضاء لإقامة مقابر تابعة للمساجد.

مقبرة أصحاب البشرة البيضاء

ويضيف لرصيف22 أنه "صادف أنّ أول عملية دفن كانت لميت صاحب بشرة سمراء، منذ حوالي 500 عام، وجرت في مقبرة العبيد، ومنذ ذلك الحين تُفضّل عائلات أصحاب البشرة السمراء مواصلة الدفن في تلك المقبرة".

وجدان (26 سنة) هي إحدى بنات بلدة صدغيان من أصحاب البشرة السمراء. دُفن جدّاها في مقبرة العبيد. وتقول لرصيف22 إن التقسيم الجغرافي للمقابر وفق اللون موروث من مرحلة ما قبل إلغاء الرق في تونس، وإن الأجيال الحالية تُفضّل مواصلة ما ألفته من أجدادها ودفن موتاها بجانب أقربائها.

وتضيف: "حتى وإن تقرّر في يومنا هذا أن تتم عمليّة الدفن في مقبرة واحدة تجمع الكل، فإن كل العائلات سترفض ذلك بمَن فيها عائلات أصحاب البشرة السمراء، لأنهم يحبذون الدفن في مقبرة العائلة بجانب الأقرباء".

ويشدّد الهادي العثماني (50 سنة)، وهو مدرّس وُلد في هذه المنطقة، على أن "أصحاب البشرة السمراء لم يختاروا بمحض إرادتهم تلك الأرض لدفن موتاهم فيها"، ويضيف: "أعتقد أن الأمر فُرض عليهم من ذوي البشرة البيضاء في العهد القديم، إذ كان يُنظر إليهم بنظرة دونية ويُعتبرون مواطنين من درجة ثانية".

مقبرة أصحاب البشرة السمراء

شروط الدفن

تسمية "مقبرة العبيد" تسمية شعبية وليست رسمية. هذا ما يشير إليه أمين متحف قلالة، وهي مدينة في جزيرة جربة، والمهتم بالتراث الثقافي للجزيرة، حسين الطبجي.

يلفت إلى أن كاتباً وباحثاً فرنسياً يُدعى "روني ستابلو" ألّف كتاباً بعنوان "الجربيّون" في الثلاثينيات من القرن الماضي واهتم بمسح كل تراث الجزيرة من خرائط وقوائم بالمعابد الدينية وتحدّث على كل الظواهر الثقافية الطريفة في جربة، غير أنه لم يأتِ بالمرّة على ذكر تسمية "مقبرة العبيد".

ويضيف لرصيف22 أنه عندما فرض المستعمر الفرنسي الحماية على تونس سنة 1881 تولّت مصالح الحالة المدنية للبلديات جرد ومسح كل أماكن العبادة وما يتبعها من مقابر باعتبارها تابعة لأملاك الدولة، ومن بينها بلدية حومة السوق التي تأسست عام 1929 والتي تتبعها إداريا منطقة صدغيان.

ويتابع أن عمليات التوثيق والأرشيف التي قامت بها البلديات في ذلك الوقت لم تُشر إلى وجود مقبرة أُقيمت على أساس لون البشرة تحت مسمى "مقبرة العبيد".

ولكن واقع الأمر المستمر حتى اليوم هو أن "أصحاب البشرة السمراء لا يمكنهم دفن موتاهم إلا في تلك المقبرة"، حسبما يقول لرصيف22 المدرّس الهادي العثماني مضيفاً أن تقسيم المقابر يتم أيضاً، إلى جانب لون البشرة، حسب المذهب والأصول، ومعلّقاً: "رغم مرارتها وإنما هذه هي حقيقة، لا بد من الاعتراف بالأخطاء لتلافيها وتجاوزها".

من جانب آخر، يلفت الهادي البرجي إلى أنه "توجد مقابر في مناطق أخرى فيها أموات من أصحاب البشرتين البيضاء والسمراء، على غرار مقبرة مسجد سعيد بن صالح ومقبرة أخرى حذو مسجد القايد" في منطقة صدغيان.

أما إمام مسجد "بوليمان" هشام البرجي (35 سنة)، وهو من أصحاب البشرة السمراء، فيقول إن عمليات الدفن تكون وفق ما توارثته الأجيال حسب مقابر العائلة ويضيف: "لقد دفنتُ والدتي بكل رضا في هذه المقبرة ولم يُجبرني أحد على ذلك، وحتى وإن طُلب مني تغيير المكان سأرفض، لا أتصور أنه سيتم منع دفن ميت من أصحاب البشرة السمراء في مقابر أخرى".

حجز أمكنة الدفن

"وفق القانون التونسي، تتبع المقابر العمومية لأملاك البلديات التي تمثّل سلطة الدولة في المحافظات، وما يُعرف بـ"مقبرة العبيد" هي من أملاك دولة"، يؤكد رئيس الدائرة البلدية بحومة السوق مراد الميساوي لرصيف22.

وينبّه الميساوي إلى ضرورة التمييز بين المقابر العائلية التي يقيمها الأهالي على أراضيهم وبين المقابر العمومية، ويوضح أن مقبرة العبيد غير مسجّلة رسمياً تحت هذا الاسم وأنها مقبرة عمومية.

وبالنسبة إلى إجراءات الدفن، لفت الميساوي إلى أن المواطنين من أصحاب البشرة السمراء يتوجّهون بطلب إلى البلدية والأخيرة تمنحهم الترخيص اللازم، فيذهبون ويحفرون القبر بأنفسهم.

أقوال جاهزة

شارك غردموضوع المقابر في جزيرة جربة التونسية أثار مؤخراً جدلاً بعد تقارير إعلامية عن وجود مقبرة تُسمّى "مقبرة العبيد" مخصصة للتونسيين من أصحاب البشرة السمراء، مع ما يطرحه ذلك من نقاش حول العنصرية

شارك غردتوجد "مقبرة العبيد" في معتمدية حومة السوق، في جزيرة جربة التونسية، ويفصلها طريق ضيّق عن مقبرتين أخريين: الأولى للسكان غير الأصليين، والثانية لأصحاب البشرة البيضاء

ويؤكد أن بإمكان أصحاب البشرة السمراء التقدّم بطلب لدفن موتاهم في أية مقابر عمومية أخرى، لأنها عامة وملك للجميع، والبلدية ستستجيب لطلباتهم بالقبول، ويشير إلى أن "أصحاب البشرة السمراء لم يسبق أنْ تقدّموا بمثل هذه الطلبات ربما اتّباعاً لتقليد ورثوه".

تعاني مقبرة العبيد من الإهمال. لا تتم صيانتها ولا تُزال الأعشاب والأشواك التي تغطّيها. ولكن وجدان تشرح أن مختلف المقابر تعاني من الإهمال، "حتى لو كانت مقبرة العبيد مهملة أكثر من غيرها".

بدوره، ينفي الميساوي أن يكون إهمال المقبرة بسبب لون بشرة المدفونين فيها ويؤكد: "إنها مجرد افتراءات وتجنٍّ على الحقيقة. لم تتم صيانتها كغيرها من مقابر أخرى كثيرة والسلطات المعنية ومكونات المجتمع المدني تشترك في تحمّل مسؤولية هذا التقصير".

سلوكيات عنصرية

لا تزال بعض مظاهر العنصرية منتشرة بين أبناء جربة، ومن بينها أن "البعض لا يزال يستعمل بعض الكلمات الجارحة على غرار ‘وصيف’ (أسود اللون) وظاهرة عدم الزواج بين أبيض وأسود البشرة"، حسب وجدان.

يؤكد الميساوي الأمر وينتقد "استمرار استعمال بعض المواطنين لبعض العبارات على غرار ‘عتيق’ و’وصيف’" للإشارة إلى أصحاب البشرة السمراء.

ويصف هشام برجي هذه المصطلحات العنصرية بأنها "تبعث على الاشمئزاز"، إلا أنه يعتبر أنها "تُستعمل بصورة عفوية في بعض الأحيان"، بدون قصد التجريح.

وبرأي العروسي بوزكري، فإن المواطن في صدغيان يرفض المظاهر العنصرية و"أكبر دليل على ذلك أن إمام الخمس بمسجد بوليمان هو من أصحاب البشرة السمراء وليس هناك أي إشكال في ذلك".

ويشير بوزكري إلى "أن سكان الحي الواحد مختلفون في اللون لكنهم يعيشون في سلام وتفاهم وتجمعهم علاقات صداقة وأخوة في السراء والضراء، وتجاوزوا بعض الممارسات القديمة السيئة القائمة على التمييز على أساس اللون أو المذهب.

يُذكر أن البرلمان التونسي صادق في التاسع من أكتوبر 2018 على مشروع قانون القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي يوقع عقوبة بالسجن بين شهر وسنة وغرامة مالية تصل إلى ألف دينار على مَن يدلي بكلام عنصري.

كما يعاقَب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبغرامة مالية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من يحرّض على العنف والكراهية والتفرقة والتمييز، ويمكن أن تبلغ الغرامة المالية 15 ألف دينار على الشخص المعنوي.

يُشار إلى أن تونس من الدول السباقة في العالم التي سارعت إلى إلغاء العبودية وتحديداً يوم 23 يناير 1846، بقرار أحمد باشا باي الذي حكم البلاد بين عامي 1837 و1855، في خطوة جريئة في ذلك الوقت.

ورغم نفي العديد ممَّن تحدثوا لرصيف22 استمرار مظاهر التمييز العنصري بين أهالي صدغيان التي تحتوي على المقابر، إلا أن البعض الآخر يؤكد تواصل هذه الممارسات، ومنهم الهادي العثماني الذي يندد بها ويقول: "على الأقل يجب أن نكون متساوين عند الموت".


منيرة حجلاوي

صحافية تونسية عملت مع عدة مؤسسات إعلامية تونسية محلية وجهوية.

التعليقات

المقال التالي