حكاية ستوديو بيلا: مكان أثري يحوي ذكريات السادات وسعاد حسني ورشدي أباظة

حكاية ستوديو بيلا: مكان أثري يحوي ذكريات السادات وسعاد حسني ورشدي أباظة

منذ حوالي مائة عام، اتفقت العائلة على اللقاء يوم الجمعة، واستعد الجميع، ارتدى الرجال البذلات والبيبيون، والنساء حرصن على ارتداء الفساتين الأنيقة وتنسيق حقيبة اليد مع الحذاء، وبدا الجميع وكأنهم ذاهبون لحضور حفلة في الأوبرا، لكنهم توجهوا إلي ستوديو "بيلا" لالتقاط الصورة العائلية التي تعد طقساً هاماً حرصت عليه عائلة "شلهوب" المصرية وهي إحدى العائلات المعروفة في منطقة وسط البلد.

وتكررت تلك الزيارة في أوقات معينة خلال العام قد تحمل مناسبة سعيدة كولادة طفل أو زواج أحد الأفراد، لتوثيق تلك اللحظات من خلال صورة يحتفظون بها، وتوارث أفراد العائلة هذه العادة حتى وقتنا هذا، وفي نفس الستوديو.

لم تكن عائلة شلهوب الوحيدة، حيث تردد على ستوديو بيلا الكثير من العائلات المصرية والمجرين الذين كانت تربطهم علاقات صداقة مع "بيلا" المجري الذي أتى إلى مصر عام 1890 واختار أن يفتتح ستوديو للتصوير الفوتوغرافي ليصبح أول ستوديو في مصر والوطن العربي، جذب إليه فئات المصريين والإنجليز والإيطاليين لالتقاط الصور التذكارية من خلال صندوق خشبي مثبت على حامل بأربع عجلات، هي كاميرا "لينهوف" الألمانية التي أتى بها بيلا إلى مصر، وأصبحت شاهدة على حكايات ما يزيد عن قرن من الزمن.

حدثت خلافات بين الإنجليز - الذين كانوا يحكمون مصر في تلك الفترة- وبين "بيلا" فاضطر العودة إلى بلاده بعد أن تنازل عن الستوديو لرجل لبناني تقاسم حصته مع المصري فهمي باشا علام الذي استقر الستوديو في ملكيته بعد أن رحل اللبناني، وظل محتفظاً باسم الخواجة "بيلا" الذي ارتبط اسمه بتاريخ التصوير في مصر، ومنذ ذلك الوقت لم يغلق الستوديو بابه يوماً إذ توارثته عائلة فهمي باشا إلى أن استقرت ملكيته مع الحفيد "أشرف بيلا" الذي بدأ عمله وهو طفل في الثانية عشرة بعد أن علمه والده فنون التصوير.

في شارع قصر النيل وسط القاهرة احتضنت جدران مدخل "بيلا" صوراً عديدة لفنانين وسياسيين، جعلت منه متحفاً يتجول القادم إليه بين لوحاته الشاهدة على عصور مختلفة، واتسعت مساحته البالغة 600 متر لتصوير عائلات من 30 أو 40 فردًا، بالإضافة إلى غرف التصوير والتحميض التي ما زالت موجودة بمحتوياتها وديكورها الأثري، فشهدت المرايا البلجيكية ملايين البشر وانفعالاتهم قبل أن تراهم عدسة الكاميرا.

أقوال جاهزة

شارك غرديعتبر أشرف أن كاميرته ما زالت الكاميرا الوحيدة في مصر التي تنتج أفضل صورة أبيض وأسود بجودة عالية، لكنها تحتاج فقط إلى خامات خاصة لم تعد موجودة بمصر فيقوم باستيرادها من الخارج.

شارك غرد"السادات كان بيحب يجي الستوديو بنفسه، ودة بيخلينا نحس أن معانا حصانة ومحدش يقدر يعمل معانا مشاكل".

مشهد وصول الأحصنة والحناطير ومد البساط الأحمر بطول الشارع أمام الستوديو قبل وصول الحراس معلنين قدوم حاشية قصر الملك فاروق من قصر عابدين الذي يفصله عن الستوديو شارع واحد، هي صورة أمسك بها أشرف متحدثاً عن ذكرياتها وتفاصيل اليوم الذي عايشه والده وحكى له عنه.

فهو يتذكر شكلهم في الصور الرسمية وصور الأفراح، وكيف كانت البذلات الملكية وبذلات الجيش الإنجليزي وما يعلو أكتافهم من ذهب وأوسمة، ويوضح أشرف أن زبائن الستوديو هم مصر بمواطنيها وشخصياتها العامة على مدار السنين، بالإضافة إلى خواجات وسط البلد من أرمن وإيطاليين وإنجليز، ويقول "مش بس الزي الملكي أنا شوفت الكوفية والطربوش والمنديل والعصاية الخشب والجزمة الأبيض في أسود المنقرشة، كان بيجي يتصور عندنا الغفير والوزير".

احتكر"بيلا" التصوير الفوتوغرافي في مصر فترات من الزمن، فقصده الشخصيات العامة والقائمون على السينما والدراما والدعاية، ويتذكر أشرف عندما كان يعلن المخرج يوسف شاهين حاجته لوجوه جديدة ويكتب أن عنوان اختبار الكاميرا هو ستوديو بيلا، ويقول أشرف "كانت الطوابير بتوصل لحد الشارع برا مستنيين دورهم".

يفاجئ أشرفَ أجانب يقصدونه أحياناً، كان آخرهم أمريكي حرص على التقاط صورة بنفس الملابس القديمة وتفاصيل وكادر صورة يحملها معه مختومة بختم "بيلا"، وهو الختم الذي ما زال يحتفظ به أشرف بعد ان تعدى عمره 130 عاماً، حتى أنه وجد صوراً مطبوعاً عليها ذلك الختم تباع في مزادات، فحرص على شرائها، كما أن بعض المجريين أتوا إلى مصر وذهبوا إليه لالتقاط صور مثل التي يحتفظون بها لعائلاتهم .

تتميز الصور القديمة التي يحتفظ بها أشرف بوجود نترات الفضة واضحة عليها نتيجة أسلوب التصوير والتحميض بتفاصيل واضحة وباستخدام خامات الزجاج الأولى، وما زالت كاميرته المعمرة قادرة على إخراج صور بالأبيض والأسود بجودة عالية، ويرى أنه رغم ما وصلت إليه الكاميرات الحديثة من التكنولوجيا المتطورة لم تستطع أي كاميرا إخراج صورة أبيض وأسود بتلك الجودة، وأن محاولات التطوير واختراع الكاميرات التي تتعدى الـ30 ميجا بيكسل تكلف مبالغ كبيرة، وبذلك يستطع أشرف القول أن كاميرته ما زالت الكاميرا الوحيدة في مصر التي تنتج أفضل صورة أبيض وأسود بجودة عالية، لكنها تحتاج فقط إلى خامات خاصة لم تعد موجودة بمصر فيقوم باستيرادها من الخارج.

عرض الكثير من الأجانب شراء تلك الكاميرا بمبالغ ضخمة، حتى أنه فوجئ ببعضهم سألوا عن اجراءات الجمارك وخروجها من المطار كونها ثروة بعد تخطيها مائة عام، لكن أشرف رفض لأنها تمثل تاريخ ستوديو بيلا.

وتواصل مع أشرف أحد منتجي الأفلام خارج مصر لعمل فيلم عن تاريخ ومراحل تطور شكل وأزياء وتقاليد الانسان المصري من خلال الصور، التي يراها خير وثيقة عبر الزمن، وأن ما يمتلكه أثمن مما يقرأ في الكتب.

ولم يخل الستوديو من صور رؤساء مصر، أبرزهم الرئيس السادات وعائلته، ويقول أشرف "السادات كان بيحب يجي الستوديو بنفسه، ودة بيخلينا نحس أن معانا حصانة ومحدش يقدر يعمل معانا مشاكل"، ويتذكر عندما التقط صوراً للفنان أحمد زكي أثناء تجسيده شخصية السادات، فيضيف أشرف "تقمصه بدقة لدرجة قولتله أنا حاسس إني بصور الرئيس السادات تاني".

تواجه أشرف الآن مشكلة لأن أصحاب عمارة الستوديو القديمة عادوا إلى مصر ويريدون إخراجه منها، وهو ما يجده مستحيلاً لإخراج مقتنيات ذلك الستوديو الأثري، ويرى أن عملية نقله ستكون مثلما حدث مع نقل معبد أبو سمبل لإنقاذه"، ويحترف شهاب ابن أشرف التصوير أيضاً ويرى أنه يتحمل مسئولية انتمائه لعائلة من أكبر عائلات مصر التي تحمل جينات الفن والتصوير، ويقول "الستوديو بتاعي اباً عن جد وهو ده اللي هعلمه لولادي" ويحرص ألا يأتي يوم تحكى فيه قصة الستوديو كتاريخ انتهى بل أن تظل تحكى قصة ستوديو بيلا وهو ما يزال قائماً.

التعليقات

المقال التالي