"فُتحت أبواب جهنّم"... عن المحاذير الأخلاقيّة والطبيّة للعبث بجيناتنا بعد تجربة الصين الصادمة

"فُتحت أبواب جهنّم"... عن المحاذير الأخلاقيّة والطبيّة للعبث بجيناتنا بعد تجربة الصين الصادمة

"فُتحت أبواب جهنم"، بهذه العبارة وصّف أكثر من 100 عالم وراثة "الإنجاز" الذي أعلن عنه زميل لهم وهو عالم الوراثة خه جيان كوي، في مقاطع مصوّرة منشورة على الإنترنت احتفت بإجراء تعديل جيني لتوأمتين مولودتين هذا الشهر، هدفه حمايتهما من الإصابة بفيروس "إتش آي في" (HIV) المسبّب لمرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز" (AIDS).

تباهي العالم الصيني بما فعله بأول رضيعتين معدّلتين جينياً، لم يستدع التساؤلات فقط لكونه لم يقدّم أية أدلة تثبت إجراءه للعملية أو لعدم وجود جهة مستقلة تثبت صحة ما قام به ولعدم نشره في دورية علميّة محكّمة، بل لكونه صبّ في صلب النقاش الذي بدأ منذ فترة حول صحة التعديل الجيني وأخلاقيّته من عدمهما.  

العلماء الصينيّون المعترضون على الإجراء رأوا أنه "ربما ما زال هناك بصيص أمل لإغلاقها (التجربة) قبل فوات الأوان"، لكنهم في المقابل أكدوا على "جنونها" و"لا أخلاقيتها"، وهو ما وافقهم عليه علماء كثيرون حول العالم، استعادوا نقاشات حساسّة حول الهندسة الجينيّة ومخاطرها على مستقبل البشريّة.

"النموذج والمثال"... تقنيّة كريسبر وهندسة الأطفال

في العام 2015، قام علماء صينيون بتعديل جينات الجنين البشري لأول مرّة. حينها، احتجّ العلماء حول العالم بينما ووجهت المحاولة بحملة إدانات واسعة. لاحقاً، وفي عام 2017، نجح علماء أمريكيون عبر تجربة فريدة في تعديل الحمض النووي "DNA" الخاص بالأجنة البشرية بالاعتماد على تقنية جديدة تُسمى "المقص الجيني "كريسبر/ كاس 9".

تقوم التقنيّة على قصّ بعض الأجزاء غير المرغوب فيها من الجينوم، واستبدالها بأجزاء جديدة من الحمض النووي، بهدف تصحيح بعض الجينات التي تحمل الأمراض بطريقة آمنة أو حذفها تماماً... ونظراً إلى كلفة تلك التقنيّة المنخفضة وسهولة تطبيقها، برزت إمكانيّة ولادة بشر معدّلين جينياً في مراكز التلقيح الاصطناعي.

ومع إعلان العالم الصيني الحديث، ازدادت المخاوف من أن الأمر قد بدأت ترجمته بالفعل. خه جيان كوي هو من فريق "جامعة ساوثرن للعلوم والتكنولوجيا" في مدينة شنشن الصينيّة، وقد استخدم تقنية "كريسبر" لتعديل الأجنة قبل نقلها إلى أرحام النساء. وأوضح العالم الصيني أنه قام بإجراء تعديلات جينية لأجنة 7 نساء أثناء علاجهن بالتخصيب، وأنجبت إحداهن حتى الآن وهي حالة التوأم التي كشف عنها.

العام الماضي، أمل خه جيان كوي وفريقه، في بيان وصفوه بالأخلاقي، بأن تجربتهم ستكون بارزة في إطار السعي العالمي الأكثر تنافسيّة لابتكار تطبيقات في عالم التعديل الجيني، وصولاً إلى اعتبار أنها ستتفوّق على تجربة التلقيح الاصطناعي التي حاز مبتكرها جائزة نوبل عام 2010.

وبعد الإعلان عن "نجاح" تجربته، دافع العالم الصيني ومعه أستاذ الهندسة البيولوجية والطبيب مايكل ديم، الذي شارك في هذا التعديل الجيني بصورة جزئية، عن التجربة "النموذج والمثال"، معتبرين أنها خدمة للبشريّة، ومتنصّلين في الآن نفسه من آثارها اللاحقة بالقول إن "المجتمع هو من سيقرّر الخطوة التالية... أي أن يسمح باستمرار هذا العلم أو منعه".

اللافت هنا أن دراسة صينيّة أُجريت مؤخراً، وأظهرت أن الثُلثين من بين 4771 شخصاً في الصين يدعمون فكرة التعديل الجيني لصالح حماية البشر من الأمراض التي قد تهددهم.

سريعاً، أمرت هيئة الصحة الوطنية في الصين بإجراء "تحقيق فوري" في هذه العملية، خاصة وأن العالِم المسؤول لم يقدِم أية أدلة تثبت إجراءه العملية، في وقت أكدت "جامعة ساوثرن للعلوم والتكنولوجيا" أن العالم كان في إجازة غير مدفوعة منذ فبراير الماضي، لافتة إلى أنه لم يجر أبحاثه المتعلقة بالهندسة الوراثية داخل حرم الجامعة.

الموقف نفسه اتخذته جامعة "رايس" في الولايات المتحدة، إذ أعلنت أنها ستجري تحقيقاً بخصوص مشاركة العالم الأمريكي ديم في هذه الاختبارات.

والجدير ذكره، في هذا الإطار، أنه وبينما تباطأت دول أخرى في مجال التجارب المتعلقة بالتعديل الجيني وسجّلت ملاحظات عديدة عليها أرفقتها بقيود مختلفة، كانت الصين تدفع سريعاً باتجاه تطوير تجاربها في هذا الإطار وساعدها في ذلك عدم وجود قانون صارم يقيّدها.

النقاش الأخلاقي

ثمة مساحة واسعة للاطلاع على تفاصيل التجربة ومراحلها من الناحية العلميّة، لكن النقاش يبدو أكثر أهميّة لذوي الاختصاص، في مقابل النقاش الأخلاقي الذي يمسّ شرائح أوسع معنيّة بالشكل الذي يتم التعامل به مع الجنس البشري، وبالحدود التي يمكن أن يلامسها التطوّر التكنولوجي في عالم الطب والذي يهدّد بهندسة المستقبل على هواه.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد الإعلان عن "نجاح" تجربته، دافع العالم الصيني ومعه أستاذ الهندسة البيولوجية والطبيب مايكل ديم، الذي شارك في هذا التعديل الجيني بصورة جزئية، عن التجربة "النموذج والمثال"، معتبرين أنها خدمة للبشريّة

شارك غردثمة نوعين من المحاذير التي تحكم رأي المعارضين لتجارب التعديل الجيني: الأول، انعدام أمانها الطبي أو أقلّه عدم إثباته لغاية الآن، والثاني يتمثل بانتقال التعديلات بالوراثة للأجيال المقبلة، في إطار ما يُعرف بتعديلات النسل، فضلاً عن التحكّم بمصير أشخاص لا يزالون في عمر لا يمكنّهم من اتخاذ قرارات تتعلّق بحياتهم

يأتي الإعلان عن نجاح التجربة الصينيّة في وقت يتوجّه فيه كبار الخبراء في المجال إلى هونغ كونغ، هناك حيث تنعقد القمة الدوليّة الثانية المختصة بتعديل الجينوم البشري، يوم غد الأربعاء.  

وتشكّل الأسئلة بخصوص ما إذا كان ينبغي على البشر البدء في تعديل أنفسهم جينياً، وبالتالي تحديد الطريقة الأكثر ملاءمة لذلك، صلب النقاش الذي يدور في القمة.

ثمة العديد من الحجج العلميّة التي تُساق للتصويب على الأهميّة الكبرى التي تكتنزها هذه التجارب في تحسين الخريطة الصحيّة للبشر وحمايتهم من الأمراض المميتة بشكل أساسي. لكن حجم المخاوف من انعدام أمانها ولا أخلاقيتها ما زال طاغياً في مقاربتها، وهي مخاوف تُطرَح في إطار علمي بعيداً عن الشق الديني الذي يحسم الأمر حُكماً بلا شرعيتها.

محاذير طبيّة وأخلاقيّة

ثمة نوعين من المحاذير التي تحكم رأي المعارضين لهذا النوع من التجارب: الأول، انعدام أمانها الطبي أو أقلّه عدم إثباته لغاية الآن، والثاني يتمثل بانتقال التعديلات بالوراثة للأجيال المقبلة، في إطار ما يُعرف بتعديلات النسل، فضلاً عن التحكّم بمصير أشخاص لا يزالون في عمر لا يمكنّهم من اتخاذ قرارات تتعلّق بحياتهم.

في الجانب الطبي للمسألة، وبينما مدح أحد العلماء مسألة إلغاء الجينات في الحماية من أمراض معيّنة، حذّر من أن الجينات الملغاة لا تنحصر وظيفتها بالحماية من مرض "الإيدز" مثلاً بشكل حصري، بل تتعداه لتقوم بوظائف أخرى حيوية لجسم الإنسان، ما يعني أن غيابها يهدّد تلك الوظائف.

ولفت عالم آخر إلى مسألة أن الجين لا يعمل بشكل منعزل عن الجينات الأخرى، وغيابه يسبّب بالتالي خللاً في عمل الجينات الأخرى، أكثر من ذلك فهو لا يغيّر فقط طريقة عمل الجينات الأخرى بل يؤثر كذلك على الشكل الخارجي للكائن الحيّ.

في عالم يلهث بشكل متزايد وراء الشكل المثالي والقدرات الخارقة، يبدو متوقعاً كيف لتطوّر تجارب من هذا النوع، حتى تصبح أمراً واقعاً، أن "يفتح أبواب جهنّم"

ويشير العلماء إلى أن هذه المحاذير تحضر في حال سلّمنا جدلاً أن عملية إلغاء جينات أو التحكم بشكلها حققت النجاح التام، ولكن حتى مسألة النجاح ليست محسومة بعد.

وساق هؤلاء دراسات عديدة تثبت خطر هذه التجارب في زيادة الأمراض السرطانية وفي تلف الحمض النووي.

ومن تلك الدراسات، ما وجده فريق باحثين في "كامبريدج" مفاده أن تقنية "كريسبر-كاس9" تدمّر الآلية المصمّمة لحماية الخلايا من تلف الحمض النووي، ما يعني غياب آلية الحماية في الخلايا وهذا يجعلها أكثر عرضة لأن تكون خلايا سرطانية.

في الجانب الآخر، تحضر مسألة توريث التعديلات الجينيّة للأجيال اللاحقة وجانبها الأخلاقي.

استحضر بعض العلماء دراسة نشرها "مركز العلوم الجينيّة والمجتمع"، قبل ثلاثة أعوام، سلّطت الضوء على 7 أسباب تثبت خطر تعديل البشر جينياً.

عدا عن المخاطر الصحية العميقة على أطفال المستقبل، فإن تعديل الجينات الخاصة بالنسل الحالي، ولو حتى جين واحد متعلق مثلاً بلون العيون، لن يؤثر فقط على الجيل الأول بل على الأجيال التالية.

هذا التأثير، وفق العلماء، نهائي، إذ بمجرّد إجراء التعديل لا يمكن العودة إلى الوراء بتاتاً. وهذه "ظروف وراثية رئيسية لا تعبر عن نفسها إلا في وقت لاحق من الحياة"، ما يعني  أن تبعاتها غير واضحة تماماً حتى اللحظة بالنسبة لأكثر العلماء تخصصاً.

يشير العلماء كذلك إلى جانب أخلاقي في التجربة، وهو أن خه جيان كوي لم يبلغ عن الأخيرة سوى بعدما قطع مرحلة متقدمة فيها، وبالتالي لا يستطيع هؤلاء (العلماء) التأكد ما إذا كانت العائلات التي خضعت لها أو وُعدت بالخضوع لها تدرك تماماً مخاطرها وأبعادها الأخلاقيّة، في وقت هناك أساليب وقاية عديدة طوّرها العلم من دون أن تستدعي العبث بالجينات البشرية.

وفي وقت يُحاجج العلماء في لا أخلاقية اعتماد أمر منافعه أقل بكثير من أضراره، ينتظر العالم هذا النوع من التطوّر كشكل طبيعي للتدخلات الطبية التي بدت في وقت ما أقرب للسريالية ثم أضحت السياق الطبيعي للأمور.

في إطار متصل، انتقلت دراسات لتبحث في مستقبل انتقال العمل على التعديل الجيني من المعامل البحثية إلى المستشفيات حول العالم، وكيف سيزداد الطلب على المهندسين الوراثيين المهرة لتطويره.

وعلى سبيل المثال، تتوقع الحكومة البريطانية أن يخلق العلاج الجيني والخلوي 18 ألف فرصة عمل في بريطانيا وحدها بحلول عام 2030، بينما تشير تقديرات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن وظائف مهندسي الطب الحيوي ستزداد بنسبة 7 في المئة، وأن وظائف الباحثين الطبيين ستزداد بنسبة 13 في المئة…

فضلاً عما سبق، يتوقع الباحثون طفرة في شركات الدواء الخاصة بذلك، والاستثمار فيها. وفي هذا الشق ثمة جوانب أخلاقية عديدة مطروحة تبني مخاوفها على حوادث تلاعب عديدة حصلت على يد تلك الشركات، وأثرت سلباً على صحة البشر، فكيف إذا كنت نتحدث عن هندستهم كلياً.

وفي عالم يلهث بشكل متزايد وراء الشكل المثالي والقدرات الخارقة، يبدو متوقعاً كيف لتطوّر تجارب من هذا النوع، حتى تصبح أمراً واقعاً، أن "يفتح أبواب جهنّم".   

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي