ماذا تقول بلومبيرغ عنّا؟ الإعلام السعودي في موقف المُتفرج

ماذا تقول بلومبيرغ عنّا؟ الإعلام السعودي في موقف المُتفرج

كشفت أزمةُ مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، مدى ضعف الإعلام السعودي وفشله في الدفاع عن بلاده، أمام الحملة الشرسة التي تشنّها كبرياتُ صحف العالم، بقيت السعودية تتلقى الضرباتِ من الـ"واشنطن بوست ونيويورك تايمز، والغارديان، وديرشبيغل" دون أن تمتلك صحفها أو قنواتها التلفزيونية القدرةَ على الردّ بنفس القوة.

اكتفت بمقالاتٍ إنشائية موجهةٍ للداخل، وعاجزةٍ عن تشكيل رأيٍّ عام قادرٍ على إقناع الأوروبيين والأمريكيين بوجهة النظر الرسمية، وتقديم وجهة نظر تستحق المتابعة، بدلاً من سيل التُّهم والتطاول على الآخرين عبر صفحاتٍ، لا تجد في الغالب من يقرؤها.

تلقّف السعوديون، ظهورَ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان عبر وكالة بلومبيرغ الإخبارية، ليتعرفوا على الردّ الرسمي الأول على القضية، وآخر المشاريع والتطورات الاقتصادية التي تطال حياتَهم، فيما اكتفت الصحف والقنوات السعودية بتكرار ما انفردت به الوكالةُ الإخبارية الأمريكية، مع عباراتِ الثناء والتبجيل، دون إضافة أيّةِ تحليلاتٍ مُعمقة، أو تدخلٍ حقيقيّ في صلب التقارير، التي يُنتَقى ما يناسبها منها، درجةَ البتر أحياناً.

لم تردّ الصحف السعودية على حرب التسريبات التركية، بأخرى رسمية مماثلة، وأخذت دورَ المتفرج على وكالة رويترز للأنباء التي نشرت تسريباتٍ رسميةً من مصادر سعودية، بدلَ الرد على الاتهامات التركية المتتالية، وكأنها غيرُ معنيةٍ بالأمر.

لم يستفد الإعلامُ السعودي من خبرةٍ تجاوزت 90 عاماً، عندما أُنشئت "أم القرى" أولُ الصحف السعودية، ولا بالمليارات التي تُنفق عليها سنوياً، ومازال غيرَ قادر على أن يكون مؤثراً في الداخل، ناهيك عن خارج الحدود، فعندما قرَّرَ وزير الخارجية كتابةَ مقالٍ يردُّ به على الإيرانيين، اختار صحيفةً أمريكية.

هذا الأمرُ دفع مجلسَ الشورى السعودي للطلب رسمياً من وزارة الخارجية تعزيزَ الحضور الإعلامي للبعثات السعودية في الخارج لإيضاح مواقف السعودية المختلفة، وعدم رهنها بصحفٍ يلفظ معظمها نفسَهُ الأخير.

في الإطار ذاته، اجتمع وزيرُ الإعلام الدكتور تركي العوّاد مع رؤساء تحرير الصحف السعودية، وناقشهم بشأن تطوير أداء صحفهم، غير أن المشكلة تكمن حسب ما يعتقده قينان الغامدي، رئيسُ التحرير السابق لصحف البلاد والوطن والشرق في أن الصحفَ السعودية فقدت قوتها، ولم تعد قادرةً على الصمود أكثر. حتى أمام الحرم المكي، خصَّص خُطبةَ الجمعة الماضية للمطالبة بإعلام قويٍّ  قادرٍ على الردّ على الأكاذيب التي تطال البلادَ، كما يراه.

يعزز ذلك ما تداولته مصادرُ داخل صحيفة الحياة، أن المؤسسة تنوي إغلاقَ النسخة الدولية منها المتوقفةِ عن الصدور حالياً، مصيرٌ بات يهدد النسخةَ المحلية أيضاً، قبل ذلك توقفت صحيفةُ الشرق الصادرة من الدمام عن الطباعة، الأمر الذي يهدد صحفَ  مكة والبلاد والمدينة.

لأشهرٍ عدة لم تُدفَع رواتبُ العاملين في صحيفة الحياة الدولية، ما دفع العاملين في مكتب بيروت للإضراب إلى حين دفع مستحقاتهم، وسط تقاريرَ عن سعي مالكها لبيعها لأطرافٍ إماراتية، الأمر الذي سيُفقِدُ السعوديةَ واحدةً من أقوى حرابها الإعلاميةِ الخارجية، فرَغم خفوتِ بريقها ماتزال الحياةُ الدولية واحدةً من أهم الصحف العربية الصادرة في لندن.

يقول الغامدي لرصيف22 : "الصحف السعودية ضعيفةٌ خارجياً ومحلياً. غياب التأثير الداخلي سيؤدي للتراجع خارجياً، لم يعد هناك إعلام محلي وخارجي، فأي حدثٍ داخلي يُعرف دولياً، بالتالي الصحف السعوديةُ ضرورةٌ، لكنها ليست مؤثرةً لأن الإعلام السعودي عموماً، لم يكن في مستوى قوة البلاد سياسياً واقتصادياً، وهو دائماً ردّة فعلٍ وليس فعلاً".

أزمة خاشقجي

كشفت أزمة خاشقجي أن الصحفَ والقنوات السعودية عديمةُ القيمة، محلياً كما هي خارجياً، بلا تأثير، تؤكد الإعلامية تهاني الجهني أن ما حدث يجعلُ تدشين شبكةٍ إعلامية قوية لمخاطبة الغرب ضرورةٌ ملحة، قائلة: "بات ضرورياً تدشين شبكة إعلامية ضخمة لمخاطبة الآخرين بلغتهم واستقطاب كوادرَ تؤمن بتوجهات السعودية".

تضيف :"يجب عدمُ إهمال السلطة الرابعة، وألّا  تُتركَ للاختراق، هناك قنوات تركية وإيرانية باللغة العربية وموجهة لشعوبنا، في المقابل أين قنواتنا الموجهة لشعوبهم".

يعترف أستاذ الإعلام الدكتور عبد الله الحجلان، أمين عام هيئة الصحافيين السعوديين بضعف الحضور والتأثير الإعلامي السعودي، وأنه ليس وليدَ اليوم، قائلاً لرصيف 22: “لكثيرٍٍ من الدول حضورُها الإعلامي لأنها أخذت بأسباب تأثير الرسالة الإعلامية، واستفادت من نماذج موجودة وطورتها أو حورتها لتخدمَ رسالتَها، ومع أن منطلقات كثيرٍ من النماذج الإعلامية فاسدةٌ، إلا أنها نجحت في التأثير، لأنها وظّفت الكفاءاتِ الخبيرةَ التي عركتها التجارب، وامتهنت الإعلامَ كحرفة".

يتابع: "أيضا سعت للبناء على وقائعَ وأحداثٍ، تعمل على تضخيمها وحشد المناصرين لخدمة رسائلها الإعلامية من كل الشرائح، لإضفاء المصداقية، والابتعاد عن المباشرة، وعن تبجيل الأشخاص بشكلٍ مكرر ومنفّر، مع تنويع البرامج الإعلامية لخدمة فكرةٍ واحدة حتى تتناصرَ جميعها للتأثير في كل الشرائح المجتمعية".

يضيف رئيسُ تحرير مجلة اليمامة السابق: "سعت تلك الجهاتِ لشراء أشخاصٍ متمكنين في تخصصاتهم الفكرية والسياسية والاقتصادية واستخدامهم في التسويق لما تستهدفه، واستخدام التصريحات أو التغريدات الفاشلة الصادرة من أضدادها وتوظيفها في مضامين بضاعتها الإعلامية، أيضاً استخدامَ أشخاص من جنسيات كلّ بلدٍ تستهدفه لانتقاد قياداته في سبيل إضفاء مصداقيةٍ على رسائلها".

"هذه البلاد الحاضرةُ إعلامياً لديها معرفةٌ دقيقة بما تريد إيصاله، وبناءُ استراتيجيةٍ لفعلها الإعلامي تتم مراجعتها وتجويدها دورياً، مع استخدام النفَس الطويل والتكثيف المتنوع للرسالة الإعلامية، ومعرفة جمهورها المستهدف" يقول الجحلان، مضيفاً: "رسائلها للداخل، تختلف عن مضامين ما توجههُ للخارج، وتوحّدُ مصدرَ الإعلام، دون تناقضٍ بين جهاتٍ وأخرى".

لا يطالِب الجحلان بتكرار تلك التجارب بحذافيرها لبناء إعلامٍ مؤثر، بل باجتناب سلبياتِ ماذكره، وأخذ الإيجابيات، قائلاً: "عندها يمكن أن يكون أحد المؤشرات لإيصال رسالتنا الإعلامية الصادقة حتى تكون مؤثرة مع الانتباه: أين تضع مالك".

إعلامٌ ضعيف وغير مؤثر

تكمن مشكلةُ الإعلام السعودي، بما فيه المموَّل سعودياً مثل  mbc والعربية وروتانا، أنه بلا هويةٍ وغيرُ محايدٍ، فقد ثقةَ المجتمع فيه منذ سنوات، وعندما أتت الحاجة له، لم يكن يملك الثقةَ المطلوبة، ليكون مؤثراً وقادراً على تشكيل الرأيّ العام، يؤكد أستاذ الإعلام الدكتور فايز السبيعي، مضيفاً لرصيف22: "هو إعلامٌ موجهٌ وضعيف، وغيرُ حيادي، وبلا هوية محددة".

يضيف: "الدفاعُ عن الوطن لا يكون بالمبالغة في المديح، ولا بالكلام الإنشائي، وهو بهذه الصورة الركيكة لا يستطيع مواجهةَ الهجمات الإعلامية من الدول الأخرى".

ويستغرب السبيعي أنه رَغم الإنفاق المهول على الإعلام، إلا أن الصحفَ السعودية تتساقطُ واحدةً تلو الأخرى، والإلكترونية منها بلا مصداقية "الإعلام السعودي يعاني من إعاقة مستديمة، سواء كان تلفزيونياً أو وورقياً أو حتى إعلامٍ جديد. ورغم الإمكانات والهدر المالي، سنواتٍ طويلةً ظلَّ الإعلام ضعيفاً ومهمشاً، لذلك لا يمكن أن يُطلب منه أن يكون قوياً اليوم".

في الاتجاه ذاته، كتب خالد دارج، رئيسُ التحرير السابق لصحيفة شمس، بحثاً مطولاً عن أسباب ضعف الإعلام السعودي، قدّمَه عبر محاضرة في نادي الطائف الأدبي، مشدداً فيه على أن الجانب السياسي والاقتصادي للسعودية أقوى من الإعلامي، ويقول: "نحن أقوى ثقافياً وأمنياً منّا إعلامياً، كل شيء يسير بشكلٍ جيد إلا الإعلام مازال متعسراً، ولا يواكب هذا التطور". مضيفاً: "الإعلام السعودي أقلُّ من قيمة السعودية إقليمياً ودولياً".

أقوال جاهزة

شارك غردكيف تصدى الإعلام السعودي للهجوم الإعلامي الدولي في قضية خاشقجي؟ رغم مليارات الدولارات التي أنفقت هل أقنع الإعلام السعودي الرأي العام المحلي والدولي؟ أم أن تغريدات "الأنصار" تكفي؟ - تقرير رصيف22

شارك غردكشفت أزمةُ مقتل خاشقجي، مدى ضعف الإعلام السعودي وفشله في الدفاع عن بلاده، أمام الحملة الشرسة التي تشنّها كبرياتُ صحف العالم، بقيت السعودية تتلقى الضرباتِ من "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" دون أن تمتلك صحفها أو قنواتها التلفزيونية القدرةَ على الردّ بنفس القوة.

شارك غردلم تردّ الصحف السعودية على حرب التسريبات التركية، بأُخرى رسمية مماثلة، وأخذت دورَ المتفرج على وكالة رويترز للأنباء التي نشرت تسريباتٍ رسميةً من مصادر سعودية، بدلَ الرد على الاتهامات التركية المتتالية، وكأنها غيرُ معنيةٍ بالأمر.

شارك غرد"الدفاعُ عن الوطن لا يكون بالمبالغة في المديح، ولا بالكلام الإنشائي، وهو بهذه الصورة الركيكة لا يستطيع مواجهةَ الهجمات الإعلامية من الدول الأخرى". أستاذ الإعلام السعودي فايز السبيعي

المغرد الوطني

اعتقدَ البعض أن المغردين "الوطنيين" نجحوا في التصدي للهجمة الغربية الشرسة ضدَّ السعودية، وأنهم كانوا خطَّ دفاعٍ قوي، لكنهم كما هو حال الإعلام، موجهون للداخل لا أكثر. يعترف المغرد منصور البلوشي بذلك، مؤكداً أن المغردين لم ينجحوا في شيء "القول إن المغردين نجحوا في التصدي للإعلام المعادي قصةٌ غير منطقية، لأنهم غير مؤثرين خارج الحدود" مطالباً بإعلامٍ قوي قادرٍ على التصدي للإعلام المنظّم والمحترف.

في الإطار ذاته، يشدد خالد المعينا رئيس تحرير عرب نيوز السابق، وأحد مؤسسي الصحافة السعودية، على أن الصحافة السعودية تحتاج دماءً جديدةً، قائلاً: "هناك شباب وشابات خارجَ المؤسسات الصحفية لديهم درايةٌ أكبر من بعض الصحافيين فيها، صحيح أن الإطار الصحافي تغيّر، لكن يجب أن يكون التغيير في القيادات كي نستطيع أن نتطور، وبعض رؤساء التحرير لم يتغيروا منذ سنوات طويلة، التطور الكبير في البلاد، لم تواكبه الصحافة. بعض رؤساء التحرير يسافرون ليجلسوا في بهو الفندق لا أكثر، ولا يقومون بشيء، مع الأسف بعضهم السببُ في وضع الصحافة".

"تأثير قنواتنا أقلُّ من حجم بلادنا" يقول أحمد الديحاني مراسلُ قناة مونت كارلو في السعودية، معتبراً أن هذا ليس سرّاً، قائلاً لرصيف22: "السرّ الذي قد لا يكون أحدٌ لاحظه سابقاً هو أن الدول القوية في الوطن العربي غالباً لم تمتلك يوماً وسائلَ إعلامٍ قويةً، أقصدُ وسائلَ إعلام لا وسائلَ دعاية، حتى لا يستدعي أحدٌ من الذاكرة التجربةَ الناصرية وقوةَ الإذاعة المصرية وقتها في التأثير على الجماهير العربية، الذي توقف حين دقت ساعة الحقيقة في الحرب مع إسرائيل ليتبين الناس لاحقاً أن ما كانوا يتابعونه دعايةٌ لا إعلام".

يضيف: "كانت المملكة رائدةً إعلامياً فترةَ التسعينيات بتأسيس رجال الأعمال السعوديين أولَ تجربة قناة فضائية منوعة في العالم العربي انطلقت من لندن، ولولا بعض الأخطاء لكانت القناةُ الإخبارية التي ورثت راديو لندن أيضاً تنطق بالصوت السعودي. تلا ذلك فترة فراغ تخللتها بعض المحاولات لملئه، لكنها تجارب نجحت في جوانب وأخفقت في أخرى وصولاً إلى الوضع الحالي الذي يشهد محاولاتِ نهوضٍ ربما الفراغ السابق ساهم في صعوبة إتمامها بالشكل المطلوب الذي يوازي مكانةَ المملكة".

ويشدّد الديحاني على أن الإعلامَ ليس نوايا طيبة إنما عملٌ علمي يقوم على قواعد ونظريات ومفاهيم إنسانية مشتركة "يفترض أن تكون الرسالة الوطنية منسجمةً مع القيم العالمية لتصبحَ خيرَ ممثلٍ لبلدٍ يقدم نفسه كوطن يؤمن برسالة السلام بين الشعوب، هكذا يجب أن يكون الإعلام المحلي".

حتى ذلك الحين، سيظلُّ السعوديون يتابعون ما يُكتب عن بلادهم من الصحف الدولية، والمسؤول السعودي يطرق أبوابَ الإعلام الخارجي، كي يوصلَ وجهةَ نظر بلاده، وفي حالات قد لا تصلُ بالشكل الذي كان يرغب به، وهنا لبُّ المشكلة.

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي