ابنتا جمال خاشقجي: البعض يرحل ليبقى… أبونا لم يكن مُعارضاً 

ابنتا جمال خاشقجي: البعض يرحل ليبقى… أبونا لم يكن مُعارضاً 

غاب الصحافي جمال خاشقجي عن عموده في واشنطن بوست، فحضرت بنتاه… مكانه.

فقد طلّ اسما بنتيْ الصحافي المُغتال، نهى ورزان، على أعمدة  الصحيفة الأمريكية بعد مضي 53 يوماً علي غيابه، ككاتبتين لمقال رأي عن الغائب الحاضر بقوة: جمال خاشقجي. عن لوعة الفقدان، كتبت نهى ورزان خاشقجي في "واشنطن بوست" مؤكدتين أن والدهما "لم يكن معُارضاً سياسياً"، وأنه رغم مُغادرته بلاده لم يفقد الأمل فيها يوماً. 

"كان رجلاً مُعقداً، ولكنه بالنسبة لنا، نحن بناته، كان بباسطة ‘أبونا'"، هكذا قالتا في مُقدمة المقال.

قيل إن "كُل فتاة بأبيها مُعجبة"، وهذا ما أكّدته نُهى ورزان، بفيض من المحبة، قائلتين إن عائلته كانت ولم تزل فخورة بما قدّمه، وإنها تتفهم "العظمة" التي كان ينظر فيها البعض إليه، "لكنه كان لنا مُجرد 'بابا'، ورجلاً مُحبّاً، وذا قلب كبير"، على حد قولهما.

ابنتا خاشقجي ذكرتا أن حياته كانت سلسلة من التحوّلات غير المتوقعة، وكذلك حياتهما، موضحتين "لا يستطيع الكثير من الأشخاص التحدث كيف طُردوا من الوظيفة ذاتها مرتين" (عُين خاشقجي عام 2003 رئيساً لتحرير صحيفة "الوطن"، وطُرد بعد شهرين دون الإفصاح عن الأسباب، ثم عاد إلى تولي المنصب عام 2007 وطُرد عام 2010)، مشيرتين إلى أنه "رغم ما حصل، كان شخصاً مُتفائلاً، يرى فرصة جديدة في كُل تحدٍ".

تقول نُهى ورزان إن لوالديهما بالطبع "جانباً براغماتياً (مذهب فلسفي سياسي يدعو إلى اتباع نمط سلوكي نفعي دون ربطه بنظرية عامة في الوجود والحياة)"، ولكنه كان يسعى دوماً في أحلامه وطموحاته للوصول إلى "النسخة الخيالية من الواقع". "كان مُهماً له أن يتكلم، وأن يُشارك بآرائه ويناقشها أيضاً. لم تكن الكتابة مجرد وظيفة، بل جزءاً من هويته، ظلّت معه وأحيته رغم رحيله. فكلماته تعيش بيننا، وتُحافظ على روحه وسطنا، ونحن ممتنون لذلك… تقول كلماته 'هُنا كان رجل عاش الحياة حقاً على أكمل وجه'"، حسب ما قالته البنتان.

وكشفتا أن خلال وجودهما في ولاية فرجينيا، في رمضان الماضي، أظهر لهما خاشقجي الحياة التي بناها لنفسه خلال السنة الماضية، بعد رحيله من المملكة. "قدّمنا للأصدقاء الذين رحبوا به وأطلعنا على الأماكن التي كان يزورها باستمرار، ورغم حياته الجديدة التي كان مرتاحا فيها، كان يتحدث عن شوقه لرؤية منزله، وعائلته، وأحبائه"، بحسب نهى ورزان. 

وتابعتا "حدّثنا عن اليوم الذي غادر فيه السعودية، وهو يقف خارج عتبة منزله، مُتسائلاً هل سيعود يوماً. ورغم الحياة الجديدة التي شيدها لنفسه في الولايات المُتحدة، حزن على المنزل الذي تركه، ولم يفقد الأمل ببلاده يوماً"، مُشددتين على أن والدهما "لم يكن معُارضاً سياسياً” و"إن كانت الكتابة جزءاً من هويته، فكونه "سعودياً"، فهذه هويته أيضاً". 

بعد اغتياله، في الثاني من أكتوبر في قنصلية بلاده في إسطنبول، زارت عائلته منزله في فرجينيا. تحدثت ابنتاه عن تلك الزيارة"أصعب ما في الأمر كان رؤية كُرسيه فارغاً. نتخيله جالساً هناك، مُرتدياً نظاراته، يقرأ أو يكتب"، ما دفع رزان لرسم لوحة لكرسيه الفارغ مُستخدمة ألواناً باهتة حزينة وإلى جانب الكرسي صحيفة واشنطن بوست، التي كان يكتب فيها، صورة نشرتها الصحيفة مع مقال نهى ورزان.

وتابعتا "عندما نظرنا إلى أغراضه، عرفنا أنه اختار الكتابة كي يعود يوماً ما إلى وطن يكون بحال أفضل له ولجميع السعوديين".

"كم أحببنا عندما كان يأخذنا في نهاية كُل أسبوع إلى المكتبة لشراء الكُتب، وكم أحببنا تصفح جواز سفره، ومحاولة فك رموز طوابع الخروج والدخول. وكم أحببنا كذلك تصفح تلك المجلات والجرائد المُحاطة بمكتبه لسنوات"، قالت نُهى ورزان. 

تعوّدتا سفر خاشقجي المُستمر، منذ طفولتهما، تحدثتا في المقال كيف كان يعود إليهما بهدايا بعد كُل رحلة له. "كُنا نسهر الليالي ونحن نُخمّن أين هو الآن وماذا يفعل، ولكننا كنا على ثقة من أنه بغض النظر عن مدة غيابه، سنلتقي به من جديد، فاتحاً ذراعيه ليحضننا". 

أقوال جاهزة

شارك غردغاب الصحافي جمال خاشقجي عن عموده في واشنطن بوست، فحضرت بنتاه… مكانه.

شارك غرد"كُتب المقال كوعد له بأنّ نوره لن يخفت أبداً. قالها قبل رحيله 'البعض يرحل ليبقى'، وهو ما ينطبق عليه اليوم. قد أنعم الله علينا بروحه، واحترامه للمعرفة والحقيقة، ومحبته... إلى أن نلتقي من جديد" نُهى ورزان خاشقجي

تقول نهى ورزان إن إيقاف والديهما في الشارع لمُصافحته لم يكن أمراً غريباً، ما يُذكرنا بما قاله نجلا خاشقجي، صلاح وعبدالله، في 4 نوفمبر الماضي، إن والدهما كان مثل "نجم موسيقى الروك أند رول" في شوارع السعودية، موضحين أنه كان "شخصيةً عامة، يُحبه الجميعُ".

"كبرنا وكبر معنا حُب المعرفة بسبب والدينا. فلقد اصطحبانا إلى عدد لا يُحصى من المتاحف والمواقع التاريخية. وبينما كان يقود والدنا سيارته من جدة إلى المدينة، كان يشير إلى مناطق مختلفة ويخبرنا عن أهميتها التاريخية. أحاط نفسه بالكتب وكان يحلم دائماً بالحصول على المزيد. ورغم كل ما قرأه، لم يُهاجم أي رأي، وكان مُستمعاً ومُتقبلاً كل الأفكار. حُبّه للكُتب علّمه أن يُشكل أفكاره الخاصة وحده، وهذا ما علّمنا إياه أيضاً"، أضافت ابنتاه.

"كُتب المقال كوعد له بأنّ نوره لن يخفت أبداً. قالها قبل رحيله 'البعض يرحل ليبقى'، وهو ما ينطبق عليه اليوم. قد أنعم الله علينا بروحه، واحترامه للمعرفة والحقيقة، ومحبته... إلى أن نلتقي من جديد"، هكذا ختمت نهى ورزان مقالهما.  

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي