انتهت الحرب، ابتدأ الحزن.. عن الإرث النفسي للنزاعات في عالمنا العربي

انتهت الحرب، ابتدأ الحزن.. عن الإرث النفسي للنزاعات في عالمنا العربي

في أحد المعاهد التعليمية الخاصة غرب العاصمة السورية دمشق، ينتظر بوب خضر (33 عاماً) بفارغ الصبر نتيجة المشروع الذي يقدمه كجزء من دراسته لنيل شهادة الدبلوم في الشؤون الدولية والدبلوماسية، ويسعى جاهداً كذلك للتخرج من كليتي الحقوق والترجمة بجامعة دمشق، استعداداً للبحث عن حياة جديدة خارج سوريا.

"مخططي الحالي هو إكمال دراساتي والتقدم لمنحة تتيح لي متابعة مسيرتي العلمية والمهنية في بلد آخر. لماذا؟ لأنني أشعر وكأن حاجزاً ثقيلاً بات يفصلني عن الحياة هنا في دمشق، وما عدت قادراً على أن أعيش كما في السابق. خساراتنا في السنوات الماضية كانت فادحة، ولا أفق نتطلع إليه في الأيام القادمة"، يقول الشاب في حديث مع رصيف22.

يصف خضر حاله، ككثير من الشباب السوري اليوم، بأنها مثقلة بالإحباط واليأس التامّين، "فلا الحرب علمتنا، ولا الدمار والخسائر البشرية وحتى المادية غيرتنا". ويضيف: "كنا قبل الحرب نعاني من مئات القيود والعقبات كالفساد والمحسوبيات وندرة فرص العمل وتراجع مستوى التعليم.

كل ذلك ينحدر اليوم وبسرعة نحو الأسوأ دون أن نرى أي بوادر بتغيير محتمل يبثّ في نفوسنا ولو القليل من الأمل".

ويأسف الشاب لما آلت إليه حاله، وهو الذي كان يرفض بشكل قاطع مغادرة سوريا خلال سنوات الحرب، إيماناً منه بدوره ودور الشباب في بناء وإعادة تشكيل البلد كما يرغبون لها أن تكون. يذكر بأن سوريا شهدت أكبر موجات هجرة خلال العامين 2014 و2015 على الأخص، ويقدر عدد من غادروها إلى بلدان مجاورة وأخرى غربية خلال سنوات الحرب بحوالي ستة ملايين شخص.

اليوم، وبعد اقتراب الحرب من نهايتها، يفضّل خضر أن يكون مغترباً حقيقياً في بلد ما، على أن يعيش داخل بلده بإحساس مرير بالاغتراب والوحدة، خاصة بعد فقدان الكثير من أصدقائه والناس من حوله.

ليس في سوريا وحدها

في العراق، لم يمضِ كذلك وقت طويل على نهاية الحرب. رغم الاستقرار النسبي الذي تعيشه العاصمة بغداد، يشعر حيدر سعد العمر (26 عاماً) بما يسميه "أحاسيس صعبة" كما يقول في حديث مع رصيف22.

"اضطراب ما بعد الصدمة، وخوف، ومستقل مجهول مظلم كئيب. هو ما نشعر به اليوم نحن الشباب في العراق بعد نهاية الحرب، وأراه حولي بوضوح".

لم يكن العمر، الذي يعمل اليوم كإعلامي مسؤول عن عدد من المواقع الالكترونية، يتوقع هذه الأحاسيس غير المستقرة، وإنما كان يتمنى نهاية أكثر هدوءاً للحرب، على الصعيد النفسي على الأقل. "رغم ذلك، أخطط لإكمال دراستي التي لم أنهيها بعد، وأحاول التركيز على عملي والإبداع فيه".

أقوال جاهزة

شارك غرد شهدت سوريا أكبر موجات هجرة خلال العامين 2014 و2015 على الأخص، ويقدر عدد من غادروها إلى بلدان مجاورة وأخرى غربية خلال سنوات الحرب بحوالي ستة ملايين شخص

شارك غرد"أنا لم أتصالح مع الماضي لكني أحاول تجاهله. ردات فعلي على حادثة أو قصة معينة تكون أحياناً مبالغة من دون سبب. أكره الدرج المؤدي للملجأ، والأطعمة التي كنا نأكلها فيه، والمسدسات، وشكل اللحى. ربما السبب هو غضب لا زال دفيناً داخلي".

وبالعودة لتاريخ أقدم، تتحدث هويدا سعد، وهي صحفية لبنانية تعمل كمراسلة لجريدة نيويورك تايمز في بيروت، عن سنوات مراهقتها التي عاشتها في ظل الحرب اللبنانية، حيث تعتبر بأن تغطيتها اليوم للحرب السورية ساعدتها في اكتشاف ما تركته أحداث بلدها من آثار لا تمحى داخلها.

"كنا صغاراً وبسطاء عندما عايشنا الحرب، لكن كل ما هو حولي الآن يقول إن تلك الحرب لم ترحل. هي حاضرة في كل شيء، في الأماكن والأشخاص، في ذواتنا نحن. الحرب تعيش معنا حتى النهاية، تماماً كمرض السكري"، تقول في لقاء مع رصيف22.

في جلساتها القليلة الهادئة مع والدتها، تستذكر سعد التفاصيل المؤلمة التي عاشتها كطفلة ومراهقة، حين لم تستوعب تماماً معنى القصف والمجازر والضحايا والدمار، وكان كل ما يعنيها العطل المدرسية بعد جولات القصف الهمجية والاختباء في الملاجئ، "حيث الموسيقا ونشرات الأخبار والأطعمة التي كانت تخبؤها لنا والدتي في بداية كل معركة".

اليوم، تشعر الفتاة بانزعاج كبير وحتى خوف ورعب من كل ما يمت لتلك الذكريات بصلة، وتضيف: "أنا لم أتصالح مع الماضي لكني أحاول تجاهله. ردات فعلي على حادثة أو قصة معينة تكون أحياناً مبالغة من دون سبب. أكره الدرج المؤدي للملجأ، والأطعمة التي كنا نأكلها فيه، والمسدسات، وشكل اللحى. ربما السبب هو غضب لا زال دفيناً داخلي".

كآبة ما بعد الحرب ــ الإحباط الكبير

رغم صعوبة سنوات الحرب التي يمكن لأي بلد أن يمر بها، إلا أن الفترة التي تلي الحرب عادة لا تبدو بأنها أكثر راحة أو سهولة. العديد من التجارب التي شهدتها دول مختلفة وعاشها آلاف الأشخاص حول العالم تتحدث عن إحباط وكآبات قد تصل في بعض الأحيان حد الإصابة بمتلازمات أو أمراض نفسية شائكة تؤثر بدورها على الصحة الجسدية، فقط بعد انتهاء الحروب.
لنلقِ نظرة على التاريخ القريب في الأعوام المئة الأخيرة.

في أعقاب الحرب العالمية الأولى مرّ العالم، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية بفترة تعرف باسم "كساد 1920-21". شهدت هذه الفترة ركوداً اقتصادياً حاداً كان له أثر كبير على ملايين السكان، حيث لم يكن من السهل على الإطلاق التكيّف عند الانتقال من حالة الحرب لحالة السلم، خاصة في المجال الاقتصادي. 

ومن أهم العوامل التي ساهمت في الركود والكساد الاقتصاديين في تلك الأعوام عودة الملايين من المقاتلين إلى الحياة المدنية مما شكّل عبئاً إضافياً على أسواق العمل ورفع من معدلات البطالة وانخفاض الأجور عن تلك التي كانت سائدة قبل نهاية الحرب. تتحدث تقديرات في الولايات المتحدة عن ازدياد القوى العاملة المدنية بمقدار 1.6 مليون شخص عام 1920، وارتفاع معدلات البطالة من 5.2 بالمئة إلى 11.7 إثر إعلان انتهاء الحرب، وكذلك تضاعف معدل فشل الأعمال ثلاث مرات من 37 إخفاقاً لكل عشرة آلاف شركة عام 1919 إلى 120 إخفاق عام 1922، وشهدت الشركات التي تجنبت الإفلاس انخفاضاً في الأرباح وصل حتى 75 بالمئة.

شكّلت هذه الزيادة بدورها عامل إضعاف للنقابات العمالية التي كانت في أوج قوتها عام 1919، وكان بإمكانها التهديد بإضرابات العمال، والتي لم تكن في مصلحة الحكومة مع النقص الكبير في اليد العاملة. لكن ارتفاع معدلات البطالة أفقد النقابات تلك القدرة وباتت أكثر ميلاً لأن تكون مسالمة، مما أثر على نظرة العمال إليها ولقدرتها على التأثير، وبالتالي على قيمة عملهم وما يقومون به في حياتهم بشكل عام.

إضافة لذلك، انتعش الإنتاج في معظم المجالات وخاصة الزراعية، فزاد العرض على الكثير من البضائع في مقابل انخفاض الطلب، وواجه العديد من المنتجين كساداً غير متوقع وسقطوا في الديون.

الحرب العالمية الثانية أيضاً كان لها ميراثها الثقيل الذي لم تمحى آثاره حتى اليوم. في دراسة نشرتها جامعة "لودفيغ ماكسميليانز" في مدينة ميونيخ الألمانية منذ أربعة أعوام بعد استبيانات أجريت مع آلاف الأشخاص المسنين الذين عاصروا تلك الحرب ولا زالوا على قيد الحياة، تتبين تلك الآثار محسوسة وواضحة للعيان.

تركت الحرب ندوبها على الصحة الجسدية والعقلية ونوعية الحياة لكل من عاشها، فالتكيّف مع متطلبات الحياة الطبيعية بعد سنوات من القصف والجوع والنزوح ليس بالأمر اليسير، وكل من اختبر الحرب وهو صغير أو شاب يكون عادة أقل رضى عن حياته اللاحقة التي تتسم بمستوى تعليمي منخفض وصعوبة الحصول على فرص عمل جيدة، وأكثر احتمالاً للإصابة بأمراض كالسكري والاكتئاب وآفات القلب، من أولئك الذين لم يختبروا حرباً في حياتهم.

حرب فييتنام. حرب الخليج. حروب أوروبا الشرقية. حرب أفغانستان. حرب العراق. والحروب التي اندلعت بعد حراك عام 2011. وغيرها الكثير. الإرث نفسه وأعداد الضحايا في ازدياد.

رأي خبير

بعد انتهاء الحرب، التي تتسبب لكل من عاشها بأوضاع مهددة للحياة بشكل أو بآخر، لا يسلم أحد من رض نفسي تتراوح شدته بين القوي والخفيف، وذلك وفق رأي الاستشارية النفسية هناء نيازي، والتي تعمل في هذا المجال داخل سوريا منذ حوالي خمس سنوات.

تقول نيازي في حديث مع رصيف22 بأن فترة ما بعد الحرب تؤدي إلى عدم القدرة على متابعة الحياة والتأقلم مع شكلها الجديد وهو الشكل الطبيعي لها، حيث تترافق هذه الفترة مع مشاعر حزن واكتئاب وعدم القدرة على إقامة علاقات اجتماعية صحية، "الاغتراب الداخلي" كما تسميه.

بذلك يصبح الوصول للاستقرار النفسي أكثر صعوبة على الرغم من الأمان المزعوم. وبمجرد مرور أي مؤشر له علاقة بحدث مرتبط بالحرب، تعود حالات القلق ونوبات الهلع حيث تسهل استعادة الصدمة بكامل المشاعر والأحاسيس المرافقة لها.

كما يعاني كثيرون خلال هذه الفترات، وفق خبرة نيازي، من مزاج سيء ونوم مضطرب، وإرهاق في محاولة استرجاع الأدوار الطبيعية، والتكيف مع عودة الحياة لما كانت عليه في السابق. فقدان الأمل وعدم القدرة على تحقيق الذات نتيجة ظروف خارجية مثل عدم الاستقرار الاقتصادي هي أيضاً من مؤشرات الاضطرابات النفسية بعد انتهاء الحرب.

الأسوأ في كل هذا هو الوصول لحالة نهائية من خيبة الأمل تفقد الفرد مرونته النفسية وتفشل آلياته الدفاعية أمام الصدمات المتتالية، لنجد الانهيارات والأذى النفسي، وليكون الحل للهروب من الواقع في كثير من الأحيان التفكير بالسفر، أو اللجوء للمهدئات، أو الدخول في حالة من العزلة.

وهنا تعتقد نيازي بأهمية طلب النصح والمساعدة وحتى العلاج، فلا ضير من الاعتراف بالمعاناة من إحباط ما بعد الحرب وإن تطلب ذلك جرأة وشجاعة كبيرين.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي