"اخلع نعليك. إنك بالوادي المقدس"... البهنسا، "بقيع مصر" التي يقصدها طالبو البركة

"اخلع نعليك. إنك بالوادي المقدس"... البهنسا، "بقيع مصر" التي يقصدها طالبو البركة

تحظى أضرحة آل البيت والأولياء بقدسية في أوساط المصريين. ينتظر عدد كبير منهم الموالد والمناسبات الدينية لزيارتها والتبرك بها وطلب العون من صاحب أو صاحبة المقام ليكون وسيطاً لوصول دعاويهم إلى الله. وفي صعيد مصر، تجذب قرية البهنسا عدداً كبيراً من الزائرين لاحتوائها على أضرحة يُقال إن العشرات من صحابة الرسول والتابعين والصالحين دُفنوا فيها.

يذهب محسن عبد الحميد مرتين أسبوعياً إلى جبانات وقباب البهنسا للتبرّك بالمسلمين الذين قُتلوا خلال معركة "فتح" القرية. ويقول لرصيف22: "كل جمعة استيقظ وأشد الرحال إلى هنا، القرية بما فيها تجذبني وتشدّ روحي إليها".

درويش في مسجد علي الجمام، تصوير نادر نصر الدين

يرتدي جلباباً أبيض ويلفّ حول رأسه عمامة بذات اللون. وبهدوء، يقول إنه بخلاف المقابر التي يشوب زائريها الخوف والفزع، فإن "مَن يأتي إلى هنا يزول همه وغمه ويخرج سعيداً مرضياً، وهذا ما يحدث لي ولكل مَن يأتي إلى البهنسا".

لا يرى عبد الحميد الذي يقترب عمره من الخمسين عاماً أن زيارة المقابر والتبرك بالأضرحة شيء مخالف للشريعة أو غريب، بل على عكس ذلك، يعتبر أن التقرّب إلى الله بالأولياء من أسس الدين، خاصة إنْ كانوا من الصحابة والتابعين.

مقابر البهنسا، تصوير نادر نصر الدين

ويوضح: "المؤمنون أولياء بعض كما ذكر القرآن، فما بالك بالوجود بجوار الصحابة ممّن شاهدوا النبي الكريم. البعض يُنكر علينا وعلى الزوار الصلاة هنا والتبرّك بالصالحين استناداً على أن الصلاة في مسجد يحتوي على ضريح لا تجوز، بالرغم من أنهم يصلّون في مسجد الرسول في المدينة الذي يحتوي على قبر الرسول".

"الله فاضَلَ بين أزمة وأماكن"

يرى حسن مبروك، وهو رجل في العقد السادس من عمره، أن "القدوم من أي مكان إلى هنا يُعَدّ هجرة طيّبة". المكان يُعَدّ مقدّساً بالنسبة له، ليس لوجود مقابر أو رفات أموات تحت الأرض لكن بسبب المنزلة التي رُفع إليها هؤلاء الأموات، فهم حسبما يقول "صحابة الرسول، ووجودهم في أيّ مكان يشرّفه".

ويضيف: "الله فضّل بعض الأزمنة والأماكن والرسل على بعض. كذلك البهنسا لها فضل عن أراضي عدة، وهي مكان تتنزل فيه الرحمة على العباد"، مُرجعاً ذلك بحسب اعتقاده إلى "درجات الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين استشهدوا في معركة فتح البهنسا ومصر"، ومستشهداً بحديث يُروى عن الرسول جاء فيه أن "أهل بيتي كسفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تركها غرق".

لعلّ الدعاء والبوح بالمشاكل والرغبة في تلبية الطلبات هو ما يشغل بال كل زائر سواء داخل الضريح أو أثناء الصلاة. يذكر مبروك أنه "في البهنسا، لكثرة استشهاد الصحابة والتابعين فيها، سيجد الداعي أن دعوته مستجابة لما فيها من أرواح طيبة".

مقابر البهنسا، تصوير نادر نصر الدين

طقوس الزيارة

وتختلف طقوس زيارة أضرحة البهنسا عن طقوت زيارات الأضرحة المنتشرة في القاهرة أو المحافظات الأخرى، إذ تقتصر الأخيرة في العادة على زيارة صاحب الضريح وقراءة الفاتحة والدعاء والصلاة ثم الانصراف.

أما في البهنسا، فالزائر يقضي يومه من الثامنة صباحاً حتى الثالثة عصراً، ويجلب معه المأكل والمشرب وكل ما يعينه في رحلته، إضافة إلى بذل النذور التي تتنوع بين النقود أو الطعام والتي يقدّمها الزائر إلى المتواجدين في المسجد أو الضريح أو يتركها للمسؤول عن الضريح ليوزّعها هو. الأمر أشبه بمولد أسبوعي دائم التكرار.

تبدأ الطقوس التي يؤديها زوار البهنسا بزيارة ضريح علي الجمام، وكان قاضياً للبهنسا بعد الفتح الإسلامي، وبعد ذلك ضريحي جعفر وعلي، أولاد عقيل بن أبي طالب، ثم ضريح السيدة رقية ابنة الإمام الحسين، مروراً بقباب البدريين (نسبة إلى مَن شاركوا في معركة بدر)، ثم الذهاب إلى قباب السبع بنات، وهو مقام يُعتقد أنه يحوي جثامين سبع مسلمات قُتلن أثناء الفتح بدون ذكر مَن هنّ والأرجح أن هذة الرواية أسطورة، والطواف حولها، والشرب من بئر المياه القائمة هناك.

"ليس لهم سبيل إلا أن يأتوا إلى هنا"، يقول أحمد المغربي، أحد أبناء البهنسا، والذي يرى أن غالبية زوار أضرحة الصحابة هنا من البسطاء أو مِمَن يريدون سبيلاً لقضاء حاجاتهم وإزالة همومهم.

ويضيف لرصيف22: "غالبية الزوار المحليين يأتون للتضرع وطلب استجابة الدعاء أو رغبةً في الإنجاب أو حل مشاكل نفسية لا يستطيعون علاجها طبياً".

ينكر المغربي بعض الطقوس التي يؤديها الزوار خلال وجودهم حول الأضرحة. "دي ناس غلابة، عقلها على قدها، ما صدقت وجدت في هذه الأماكن ملجأ وملاذ للهروب من حياتهم التعيسة، التي يملأها الفقر والبطالة والجهل والمرض"، يقول، إلا أنه يؤمن بما يسمّيه الزوار "كرامات" لمَن يستنجدون ويستعينون بهم.

ويوضح: "كم من مريض وعليل جاء إلى هنا وخرج صحيحاً. شاهدت حالات جاءت تستنجد بآل البيت والصحابة ولبت حاجتهم في اليوم ذاته".

الأثر المهمل

لا تدرّ السياحة الدينية في مصر دخلاً للدولة، بسبب رفع الرسوم عن الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية، ما ترتب عليه إهمال في ترميم الأماكن الدينية الأثرية، خاصة الإسلامية.

كانت البهنسا مقصداً للسياحة الدينية قبل 25 يناير 2011 على الصعيدين الدولي والمحلي إلا أن إهمال الدولة لترميم بعض القباب جعل الآثار المبنية بأساليب بدائية توشك على الانهيار.

جزء من بناء ضريح البدريين، تصوير نادر نصر

وقال مصدر مطّلع في وزارة الآثار لرصيف22 إن البهنسا، بالرغم من الركود السياحي، مفعمة بالسياحة المحلية في الوقت الحالي، وتُعَدّ من أنشط المزارات الدينية الإسلامية على مستوى مصر، إلا أنها لا تحقق عائداً مادياً للدولة لعدم وجود رسوم على دخول الآثار الدينية.

وأضاف أن حالة القباب والأضرحة لا تسعد أحداً، إلا أن الوزارة لا تمتلك إمكانيات مادية لإعادة ترميمها أو إصلاحها، موضحاً أن "الآثار الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية يتم ترميمها من ميزانية الوزارة وفي الوقت الحالي لا نملك ميزانية ونتمنى أن يشارك المجتمع المدني أو رجال الأعمال في أعمال الترميم".

شكوك حول حقيقة المكان

حدثت معركة البهنسا سنة 21 هجرية/ 642 ميلادية، وشارك فيها ما يقرب من خمسة آلاف مقاتل من المسلمين أرسلهم عمرو بن العاص لفتح الصعيد، بقيادة قيس بن الحارث، وقُتل ما يقرب من 500 جندي وصاحب راية، وظلت شواهد القبور في القرية شاهدة على معركتهم.

ومن أبرز الأضرحة هناك قبة ومقام علي الجمام، ومسجد وقبة جعفر وعلي، أولاد عقيل أبي طالب، وقبة ومقام الصحابي محمد بن سلمة الأنصاري، وقبة ومقام ابن عم الرسول زياد بن الحارث، وقبة ومقام السيدة رقية بنت الإمام الحسين، وقبة ومقام محمد بن عقبة، ابن الصحابي عقبة بن نافع، وقبة ومقام محمد بن أبي ذر الغفاري وقبة البدريين التي تحتوي على 10 أضرحة لأشخاص يُقال إنهم شهدوا معركة بدر، وقبة ومقام ينسبه أهل القرية إلى أبان بن عثمان الذي يقولون إنه ابن عثمان بن عفان.

مقام جعفر وعلي أولاد عقيل بن أبي طالب، تصوير نادر نصر الدين

عمل الدكتور أحمد عبد القوي، أستاذ تاريخ الإسلامي، على توثيق قباب وأضرحة الأشخاص الوارد ذكرهم تاريخياً في البهنسا، إلا أنه لم يوثّق إلا عدداً قليلاً من الشخصيات التي دُفنت هناك، ويوضح: "المؤكد أنه سقط في معركة البهنسا مئات القتلى سواء من المسلمين أو من الرومان، لكن لا توجد أدلة تؤكد أن هؤلاء من الصحابة،" متسائلاً: "الفكرة أننا لا نستطيع التأكّد من أن هؤلاء هم أصحاب الأضرحة لعدم وجود أدلة وأسانيد تاريخية تؤكد ذلك".

أقوال جاهزة

شارك غرد"القرية بما فيها تجذبني وتشدّ روحي إليها"... عن البهنسا، في صعيد مصر، القرية التي تجذب عدداً كبيراً من الزائرين لاحتوائها على أضرحة يُقال إن العشرات من صحابة الرسول والتابعين والصالحين دُفنوا فيها

شارك غردزوّارها يعتقدون أن صحابة وتابعين وصالحين دُفنوا فيها، ما جعل المكان مقدّساً حتى أُطلق عليه لقب "بقيع مصر"... عن قرية البهنسا في صعيد مصر، مقصد الطالبين لبركات الأولياء والصالحين

ويضيف عبد القوي لرصيف22: "كانت أسوار البهنسا ضخمة جداً، واستمات الرومان في الدفاع عنها، وسقط هناك عدد كبير من الشهداء، لكن لا يمكن أن نتأكد تاريخياً من أن أسماء هؤلاء هم أصحاب الأضرحة إلا عبر التنقيب والحفر لعلنا نعثر على وثيقة أو مخطوط، خاصة في ظل وجود كتاب ‘فتوح البهنسا الغراء’ الذي يستشهد بالصحابي خالد بن الوليد في معركة الفتح على الرغم من أن قدميه لم تطآ مصر".

ضريح جعفر بن عقيل، تصوير نادر نصر الدين

وحول مشاركة خالد بن الوليد في المعركة، يوضح أستاذ التاريخ في جامعة جنوب الوادي الدكتور عمرو عبد العزيز منير أن "الحقيقة التاريخية هي أن خالد بن الوليد لم يأتِ إلى البهنسا أو حتى مصر، ومات في سوريا ودُفن في حمص سنة 60 هجرية تقريباً، وتم لاحقاً اختلاق دور له في فتح مصر، وفي البهنسا تحديداً، حتى تستدعى بطولاته لشحن مشاعر المصريين ضد الحملات الصليبية".

"قباب البدريين" والبحث عن الجسد

يرى عبد القوي أن هناك ضرورة للتنقيب، لأن الشكوك تدور حول حقيقة الأضرحة في المكان، وقال: "هناك قبة تسمى قبة البدريين، ولا نعرف مَن هم البدريون. في الماضي لم يبنوا قباباً أو أضرحة فوق قبر ميت، كما أن الخط المحفور في الحجر لا يرجع إلى عصور الإسلام المبكرة".

قباب البدريين، تصوير نادر نصر الدين

من بين عشرات القباب والأضرحة، لم توثّق البعثات العربية أو الأجنبية إلا ضريحين، هما بحسب عبد القوي، لزياد بن عبد المطلب الذي يُعتقد أنه قُتل أثناء الفتح، وعثرت عليه البعثة الكويتية، ولأبان بن عثمان بن عفان، وهو ليس ابن عثمان بن عفان بل أحد أحفاده، وجاء بعد مرحلة من الفتح ودُفن هناك.

ويكمل أن إحدى البعثات لم تجد رفات جثة تحت أحد القبور أثناء عمليات الترميم، ما أثار الريبة بشأن صناعة أهل القرية أساطير لجذب المريدين بدعوى "زيارة صحابة شاركوا في غزوة بدر".

وفي السياق ذاته، يقول إن أحد الأسباب التي أضفت القدسية على المكان هو أن بعض أبناء قبيلتي قريش وبني الزبير سكنوا البهنسا بعد الفتح الإسلامي.

ولعلّ مما يدعم شكوك الباحثين حول حقيقة الأضرحة أن كتب التاريخ والمؤرخين الأوائل لم تذكر أسماء الصحابة الذين ماتوا في معركة فتح البهنسا، ومن أبرز مَن أرّخ لفتح مصر كان ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر وأخبارها"، ولم يلمح إلى أسماء أبرز الصحابة الذين يُدَّعى أن أضرحتهم موجودة حتى الآن هناك.

مجاورة آل البيت

ويرى الدكتور عمرو عبد العزيز منير، أن الزوار اهتموا بفكرة أن البهنسا دُفن فيها صحابة وتابعون وصالحون، ما جعل المكان مقدّساً حتى أُطلق عليه لقب "بقيع مصر"، في تشبيه مع بقيع الغرقد، المقبرة الرئيسية للمسلمين في عهد الرسول والقائمة في المدينة المنورة بالسعودية، لذا تمنّت الغالبية العيش والدفن هناك لتكون من المجاورين، كالمجاورين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، والمجاورة يعني أن تكون بجانب آل بيت النبوة والصحابة والصالحين.

بدأ المكان بوجود أضرحة لبعض الصحابة وتطوّر الأمر إلى ظهور قصص عن بركة المكان التي تحل على زواره. يوضح منير لرصيف22: "هناك قصص انتقلت من جيل إلى آخر تذكر أن مذنبين ولصوصاً ذهبوا إلى البهنسا وتخلصوا من ذنوبهم وتعبدوا وماتوا هناك، حتى تحوّل المكان إلى منفذ للتخلص من الخطايا".

أحد زوار ضريح علي بن عقيل، تصوير نادر نصر الدين

في آخر كتاب "فتوح البهنسا الغراء" المنسوب إلى المؤرخ الواقدي، نجد أن كاتبه يذكر أن أحد التابعين حينما يدخل أرض البهنسا كان يخلع نعليه تقديساً للمكان ويقول لمَن يرافقه: "أخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى"، مشبهاً البهنسا بالوادي الذي تحدث فيه الله إلى النبي موسى.

"المعتقد الشعبي حول أن أرض البهنسا احتضنت جثامين صحابة الرسول أعطاها قوة النعمة، ولذا صار مّن لديه مشكلة عضوية أو نفسية يتوجه إليها لطلب الشفاء"، حسب منير.

التبرّك بالأضرحة شرك أكبر

يقول الشيخ سامح عبد الحميد إن المنهج السلفي يُنكر على الصوفية البدع والمنكرات والانحراف في العقيدة، والزيغ عن الحق، واصفاً ما يفعله بعضهم بأنه من "الشركيات" كالدعاء لغير الله، والاستغاثة بالأموات، واعتقاد النفع والضرر في مَن يسمونهم أولياء، "وكل هذه الأمور شرك أكبر يخرج من الملة".

ويضيف لرصيف22 أنه لا يجوز التبرك بالشجرة التي يزعمون أن السيدة مريم العذراء والسيد المسيح جلسا تحتها.

وتتوسط "شجرة مريم" الضخمة مقابر البهنسا، وهي ذات جذور غليظة ضاربة في الأرض وغصونها كثيفة. وبحسب الأسطورة، استظلت تحتها السيدة مريم العذراء والمسيح خلال رحلتهما في مصر.

شجرة مريم، تصوير نادر نصر الدين

ويتهافت الزوار للجلوس تحت هذه الشجرة أو قطع بعض أوراقها أو غصونها للتبرّك بها. لكن بحسب عبد القوي، فإن بعثة من وزارة البيئة في التسعينيات حللت الشجرة ووجدت أن عمرها لا يزيد عن 600 عام.

ويرى عبد الحميد أنه لا يجوز "التبرك بالمخلوق، من قبر أو شجر أو حجر أو إنسان حي أو ميت"، وأن "فاعل ذلك يعتقد بحصول البركة من ذلك المخلوق المتبرَّك به، أو أنه يقرّبه إلى الله سبحانه ويشفع له عنده، وهذا كفعل المشركين الأولين".

على هذه الخلفية، تشهد المنطقة مناوشات خفيفة خلال الاحتفالات والمناسبات الدينية، خاصة في رأس السنة الهجرية، بين السلفيين والصوفيين، حسبما قال لرصيف22 الباحث في الشأن الصوفي مصطفى زايد.

ويشير زايد إلى أنه "في المنيا عدد كبير من أتباع المذهب الوهابي، وهؤلاء يحاولون دائماً منع المناسبات الدينية في مقابر الصالحين، على اعتبار أن زيارة أضرحتهم شرك بالله"، لا بل يتهم "بعض السلفيين في مراكز قيادية في وزارات السياحة والبيئة" بعرقلة تطوير هذه المعالم"، مضيفاً: "يتمنّون أن تزول المنطقة".


التعليقات

المقال التالي