اكتشاف لقاح ضد فيروس العصر الفتاك: الأخبار الكاذبة

اكتشاف لقاح ضد فيروس العصر الفتاك: الأخبار الكاذبة

على مدى عقود، لعبت اللقاحات دوراً فاعلاً في القضاء على أخطر أنواع الأمراض التي كانت تفتك بالبشرية بما في ذلك الحصبة وشلل الأطفال، واليوم تسلك هذه الحقن طريقها لمساعدتنا على الوقاية من بعض الأمراض عن طريق تعريض أجسامنا لنسخٍ ضعيفةٍ من الفيروس، مما يقوي الجسد ويجعله يكتسب مناعةً تساعدة على الوقوف بوجه المرض.

ولكن هل يمكن لهذه اللقاحات أن تتجاوز مجال الطب بمفهومه الضيّق وتحارب أحد أكثر الأمراض انتشاراً اليوم: الأخبار الزائفة؟

انتشار الأخبار الكاذبة

"إذا كانت الأخبار المزيّفة فيروساً في المجتمع الحديث، فإن العلماء في جامعة كامبريدج يؤمنون بأنهم وجدوا اللقاح المناسب لها ويسمّى: Pre-bunking.

via GIPHY

وقد عمل بعض الباحثين على غرار "ساندر فان دير ليندين" على دراسة نوعٍ جديدٍ من التكتيكات التي يحبون تسميتها بـ"اللقاحات" على اعتبار أنها قادرة على محاربة آفة القرن: الأخبار الكاذبة والإشاعات التي تفتقر إلى المصداقية.

فما هي أوجه الشبه بين الأخبار الكاذبة والفيروسات؟

إن المعلومات الخاطئة تعمل مثل الفيروسات، وفق ما يؤكده موقع "بي بي سي"، شارحاً ذلك بالقول أن الأخبار الكاذبة تنتشر بشكلٍ أسرع وأعمق وأبعد حتى من القصص الحقيقية، وتتسرب عبر تويتر، ومجموعات "واتساب" وفيسبوك، وما يزيد الأمر سوءًا أن مثل هذه القصص الملفقة تترسخ في أذهان الناس بحيث أنها تبقى عالقة لفترةٍ طويلةٍ.

وتعليقاً على هذا الموضوع، قال الباحث "ساندر فان دير ليندين" الذي يقود مختبر صنع القرار الإجتماعي في جامعة كامبريدج:" إذا حاولت فضحها، فإن المعلومات الخاطئة تلتصق بالناس"، موضحاً أنه "بمجرد دمجها في ذاكرة طويلة المدى، يصبح من الصعب جداً تصحيحها".

أقوال جاهزة

شارك غردالأخبار الكاذبة تنتشر بشكلٍ أسرع وأعمق وأبعد حتى من القصص الحقيقية، وتتسرب عبر تويتر، ومجموعات "واتساب" وفيسبوك، وما يزيد الأمر سوءًا أن مثل هذه القصص الملفقة تترسخ في أذهان الناس بحيث أنها تبقى عالقة لفترةٍ طويلةٍ.

شارك غرد"من الأسهل أن نخدع الإنسان أكثر من إقناعه بأنه قد خُدع. هذه واحدة من اللعنات العظيمة للبشرية".

ضربة وقائية

بدلاً من انتظار أن تنتشر المعلومات الخاطئة ومن ثم القيام بعملية فحص الحقائق وتحليلها، يدرس الباحثون حالياً إمكانية توجيه "ضربةٍ وقائيةٍ" من شأنها أن تحمي الدماغ من الوقوع في فخ التضليل.

واللافت أن الأبحاث التي أجريت على مدى عقود تشير إلى أن نهج " pre-bunking" ناجح وقابل للتحقيق.

ففي العام 1960، اقترح علماء النفس لأول مرة التلقيح، الذي جاء مدفوعاً بالمخاوف من الدعاية وغسل الدماغ خلال الحرب الباردة، ولكن في القرن الواحد والعشرين يطغى مشهد التضليل على مجريات الأحداث لا سيما في ظل الانقسامات السياسية والحروب الثقافية.

ويعطي الموقع مثالاً عن التضليل الحاصل بين الناس، مسألة تغيّر المناخ، ففي حين أن 97% من علماء المناخ يشددون على أن للبشر دوراً في الاحتباس الحراري، فإن هناك مجموعة واسعة من المجتمع ترفض تصديق ذلك خاصة في ظل الحملات التي تهدف إلى زرع الشك بين العامة:"بمجرد أن يستقر الشك يصعب تبديده".

التعامل مع المعلومات

"من الأسهل أن نخدع الإنسان أكثر من إقناعه بأنه قد خُدع. هذه واحدة من اللعنات العظيمة للبشرية".

إن العالم ملآن بالمعلومات والدماغ البشري لديه قدرة ووقت محدودين على معالجة هذه الكمية من الأخبار:" فإذا رأيتم مثلاً رجلاً مجعداً، لديه شعر رمادي ويقول لكم أحدهم إنه مواطن مهم، فإن دماغكم سيقبل بذلك ويسلم جدلاً بهذه الفرضية".

واللافت أن الأشخاص الذين يعلمون في سياسة التضليل يستخدمون هذه المعطيات لمصلحتهم.

وفي هذا الصدد، يقول نيومان الذي شارك في كتابة مراجعة حول كيفية التعامل مع المعلومات الخاطئة: "عندما تكون المعلومات سهلة المعالجة، فإن الاشخاص يميلون إلى الموافقة عليها".

وقد وجد العلماء أنه قبل تصديق أي معلومة، فإن معظم الناس "يفحصونها" من خلال 5 طرق على الأقل: نرغب عادة في معرفة ما إذا كان هناك أشخاص آخرون يصدقون ذلك، إذا كان هناك دليل يدعم هذه المعطيات الجديدة، إذا كانت هذه المعلومة تتناسب مع معرفتنا السابقة حول الأمر، إذا كانت الحجة الداخلية منطقية وأخيراً إذا كان المصدر موثوقاً به.

وبالرغم من ذلك، فإن البشر غالباً ما يعتمدون على الطرق المختصرة للإجابة عن هذه الأسئلة الخمسة، ويكون التقييم غير شامل وغير دقيق.

هذه الطريقة التلقائية في التفكير يطلق عليها علماء النفس إسم "النظام 1"، كاشفين أنها مفيدة جداً في الحياة اليومية ولكنها تعرض المرء للخداع، فمع اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي ينتقل الدماغ من "بوست" على فاسبوك إلى آخر معتمداً على قواعد الإبهام لتقييم العناوين والتعليقات من دون التفكير في كل مطلب.

هذه الأرضية تعتبر خصبةً للأخبار الكاذبة والمزيفة، ومع ذلك يعتبر الفريق الذي يعمل على "اللقاح" أن أعماله تسمح بالتفكير الأعمق:" التلقيح يثبط عقولنا... يصبح هناك عنصر تحذير"، وفق ما أكده "فان دير ليندين"، مشيراً إلى أنه عند إطلاق اللقاح فإن الدماغ يتحول من النظام 1 إلى النظام 2 وهو أسلوب قد يكون أبطأ في التفكير إنما اكثر قوةً.

نقاط الضعف وطرق التغلب عليها

"إذا كنتم تريدون التغلب على الأخبار الزائفة، يجب أن تكتبوا هذه الأخبار بأنفسكم".

يكشف موقع "بي بي سي" عن نقاط الضعف الكامنة في هذا المنهج: يتطلب الكثير من الوقت والجهد لبحث كل حالة على حدة لتلقيح الناس: "إذا تلقينا الحجج المضادة حول موضوع معين فإننا نبقى عرضة لأنباء وهمية حول مواضيع أخرى"، هذه النقطة يشرحها "جون روزينبيك"، الذي إنضم في العام 2016 إلى فريق "فان دير ليندين"، بالقول: "هناك الملايين من الموضوعات التي يمكنك خداع الناس من خلالها".

via GIPHY

أما العائق الثاني فهو أن الناس لا تحب إخبارها بما هو صحيح وما هو خطأ، خاصة أن كل فرد منا يعتقد عادة أنه يعرف أفضل من غيره.

وعليه، قال "فان دير ليندين:" ماذا لو علمنا الناس التكتيكات المستخدمة في صناعة الأخبار المزورة؟ "ما هي أفضل طريقة لتحضيرهم؟".

في الواقع يأمل الباحثون في "تجنيد" مئات الآلاف من المراهقين والبالغين للعب لعبة على الإنترنت تتحداهم لنشر الفوضى والتضليل ونشر الأكاذيب عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، فاللاعبون في نهاية المطاف مدعوون لأن يصبحوا "أباطرة أخبار مزيّفة"، وفق ما ذكرته صحيفة "ذو تايمز"، مشيرةً إلى أن هذا المفهوم يعود إلى ما بعد الحرب الكورية، عندما اكتشف الجيش الأميركي أن بعض جنوده الذين تم أسرهم من قبل الكوريين الشماليين قد تعرضوا لعملية "غسل دماغ" للبقاء طوعاً مع آسريهم.

وعليه تم التوصل إلى إصدار لعبة تمكن المشتركين من لعب شخصية من الشخصيات الأربع: من الشخصية المتنبهة إلى الأخطار وصولاً إلى انتحال شخصية clickbait tycoon، مع العلم أن اللعبة تركز على إستراتيجيات الأخبار المزيفة بدلاً من المواضيع.

وعندما أثبتت هذه اللعبة التي تستند على الأخبار المزيّفة فعاليتها مع طلاب المدارس في هولندا، انتقلت إلى الشبكة العنكبوتية تحت إسم Bad News.

واللافت أن التنقل في اللعبة يستغرق أقل من 15 دقيقة، إلا أن التجربة كلها "سريالية": تطلق موقعاً إخبارياً مزيّفاً وتصبح رئيس تحريره، تشتري جيشاً من برامج تويتر وتوجه متابعينك ضد مدقق حقائق جيد، ومن خلال اللعبة تتعلم 6 تقنيات مختلفة يستخدمها أباطرة الأخبار المزيّفة: انتحال الشخصية، الاستغلال العاطفي، الاستقطاب، التآمر، التشكيك والتصيّد.

والفكرة أنه في المرة القادمة التي يحاول أحد ما استخدام مثل هذه التكتيكات ضدكم، تكونون على بيّنة منها وقادرين على التعرف إليها، أو أن دماغكم سيطلق إنذاراً معيّناً، الأمر الذي يجعل "النظام 1" يتراجع لمصلحة "النظام 2" الذي سيتولى مهمة إجراء تدقيق موثوق.

قد يبدو من غير المنطقي أن نكافح المعلومات المزورة من خلال تعلم كيفية تلفيق الأخبار ، إلا أن "جون روزينبيك" يثق بهذه التجربة:" إذا تلقيتم اللقاح  فستشعرون بالغثيان في وقت لاحق من ذلك اليوم، إلا أنه قد يساعدكم على المدى البعيد".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي