العلم والمساكين: هل يفقد الزعماء عقولهم ويتلف دماغهم لدى وصولهم إلى السلطة؟

العلم والمساكين: هل يفقد الزعماء عقولهم ويتلف دماغهم لدى وصولهم إلى السلطة؟

"إن قوتنا متجذرة في اتصالنا بالأشخاص الآخرين وبما نقدمه لهم... القوة هي امتياز وهي مسؤولية لإحداث فرقٍ في العالم".

يستخدم علم الأحياء مصطلح "تأثير الفائز" لوصف كيف من المحتمل أن يتمكن الحيوان الذي فاز بجولات عدة من القتال ضد خصومه الضعفاء بأن يفوز في فتراتٍ لاحقةٍ ضد المنافسين الأقوياء، وهذا الأمر يندرج في مفهوم "التسلسل الهرمي" الذي ينطبق على الحيوانات كما ينطبق على الجنس البشري.

فعندما تكون السلطة غير مقيّدة بالضوابط الديمقراطية أو بأنظمةٍ جيدةٍ، فإن أصحاب السلطة قد ينحرفون عن مسارهم في الحكم، حتى أن البعض يعتبر أنه بمجرد أن يصل المرء إلى السلطة فإن ذلك من شأنه أن يحدث ضرراً في دماغه.

فهل القوة تسبب فعلاً تلفاً للدماغ؟ وهل يفقد صاحب السلطة "عقله"؟

الآثار الجانبية للقوة

لو كانت القوة عبارة عن وصفةٍ طبيةٍ، لجاءت مع قائمةٍ طويلةٍ من الآثار الجانبية، إذ يمكن أن تُسمم، تُفسد، حتى كان بامكانها أن تجعل هنري كيسينجر يعتقد أنه جذاب جنسياً، ولكن هل يمكن لهذه القوة أن تلحق فعلاً أضراراً بالدماغ؟

حاول المؤرخ هنري آدامز أن يعطي للسلطة معنى مجازياً، واصفاً إياها بأنها "نوع من الورم الذي ينتهي بقتل تعاطف الضحية"، واللافت أن هذا الوصف لم يكن بعيداً عن الاستنتاج الذي توصل إليه "داشير كيلتنر"، أستاذ علم النفس في جامعة بيركلي، بعد سنواتٍ من التجارب والاختبارات.

أقوال جاهزة

شارك غردتحت "تأثير السلطة"، تصرفوا كما لو كانوا يعانون من إصاباتٍ دماغيةٍ جراء الصدمة، إذ أصبحوا أكثر تهوراً، وأقل وعياً بالمخاطر وبصورةٍ حاسمةٍ أقل مهارة في رؤية الأمور من وجهة نظر الآخرين

شارك غردالاشخاص الأقوياء يتوقفون عن "تقليد" الآخرين: رسم إبتسامة على الوجه عند رؤية الآخر يبتسم، الإصابة بالتوتر عندما يصاب الطرف الآخر بالحالة نفسها

فقد وجد "داشير" أن الأشخاص الذين كانوا تحت "تأثير السلطة"، تصرفوا كما لو كانوا يعانون من إصاباتٍ دماغيةٍ جراء الصدمة، إذ أصبحوا أكثر تهوراً، وأقل وعياً بالمخاطر وبصورةٍ حاسمةٍ أقل مهارة في رؤية الأمور من وجهة نظر الآخرين.

via GIPHY

السلطة والوحش

غالباً ما يُنظر إلى الأشخاص الذين هم في السلطة على أنهم "فقدوا عقولهم" وخسروا الكثير من قدراتهم العقلية بعد توليهم منصباً معيّناً، فهل هناك حقيقة علمية لهذه النظرية؟

على عكس "كيلتنير" الذي ركز في أبحاثه على سلوكيات الأشخاص في السلطة، فإن عالم الأعصاب "سوخفيندر أوبهي" من جامعة ماكماستر في أونتاريو عمل على دراسة ما يدور داخل دماغ الناس.

السلطة، نوع من الورم الذي ينتهي بقتل تعاطف الضحية

فقد أخضع "أوبهي" الرؤوس التابعة للأشخاص "الأقوياء" و"غير الأقوياء" لاختبارٍ تحت آلة التحفيز المغناطيسي، ووجد أن القوة تتلف عمليةٍ عصبيةٍ محددةٍ: الانعكاس الذي يعد حجر زاوية في التعاطف ومعرفة الغير.

مما يؤكد نظرية كيلتنر "القوة المتناقضة": عندما نمتلك القوة، نخسر بعض القدرات التي كنا قد احتجنا إليها لكسبها في المقام الأول"... علماً أن الناس يكتسبون في العادة السلطة من خلال السمات والأفعال التي تصب في مصلحة الآخرين، مثل التعاطف، التعاون، الانفتاح، العدل والمشاركة، ويشعرون بالقوة أو بالامتياز، فإن تلك الصفات تبدأ بالتلاشي.

وبهدف شرح كيف يزداد سلوك الناس سوءًا كلما تقدموا في السلم الاجتماعي، قام "كيلتنر" بتجربةٍ أطلق عليها إسم "وحش الكوكيز"، فقد أحضر الناس إلى مختبره وقسّمهم إلى مجموعاتٍ مؤلفةٍ من 3 أشخاص، وبعد تعيين البعض منهم عشوائياً في مناصب قيادية، أوكل "أوبهي" إليهم مهمة الكتابة الجماعية.

وبعد مرور نصف ساعة على العمل، وضع الباحث أطباقاً من "الكوكيز" أمام كل عضو في الفريق بالإضافة إلى طبقٍ إضافي واحد أمام كل مجموعة.

واللافت أنه في جميع المجموعات، قام الفرد بأخذ الكوكيز من الصحن الموضوع أمامه، دون المساس بالطبق الإضافي، ولكن من هو الشخص الذي حصل على الحلوى الإضافية رغم علمه بأنه بذلك سيحرم الآخرين من نفس الشيء؟

الجواب: صاحب القيادة، بالإضافة إلى ذلك فقد أظهر الاختبار أن الأشخاص القياديين كانوا أكثر عرضةً لتناول الطعام مع أفواهٍ مفتوحةٍ، غير آبهين بالفتات التي تتساقط على ملابسهم.

وبهدف إثبات فقدان التعاطف مع غيرهم، أظهرت تجارب أخرى أن الاشخاص الأقوياء يتوقفون عن "تقليد" الآخرين: رسم إبتسامة على الوجه عند رؤية الآخر يبتسم، الإصابة بالتوتر عندما يصاب الطرف الآخر بالحالة نفسها... وغيرها من التصرفات التي تحرك في العادة نفس المشاعر التي تحدث مع الآخرين، إلا أن الأشخاص الأقوياء يتوقفون عن "محاكاة تجربة الآخرين" مما يؤدي إلى "عجز في التعاطف".

واللافت أن حالة الشخص الذي هو في السلطة يمكن أن تتفاقم وتؤدي إلى ما يسمى "متلازمة هوبريس"، التي تتجلى في عددٍ من السمات الشخصية غير المرغوب بها: فقدان الاتصال بالواقع، زيادة الثقة بالنفس والإزدراء على الآخرين.

السلطة تفاقم التحرش الجنسي؟

"ما قد يكون ممتعاً ورومانسياً في دماغ أحدٍ ما قد يكون مزعجاً ومنفراً في دماغٍ آخر".

via GIPHY

عندما نمتلك القوة، نخسر بعض القدرات التي كنا قد احتجنا إليها لكسبها في المقام الأول

في خضم موجة "Me Too" التي هزّت العالم بعد انتشار فضائح الاعتداءات الجنسية التي قام بها بعض الرجال النافذين بحق بعض النساء، زاعمين أن الجنس حصل بينهما بالتراضي، ارتأى موقع nbcnews التطرق إلى العلاقة بين السلطة والتحرش الجنسي، متسائلاً:"هل فعلاً لم يفهم هؤلاء الرجال تأثير سلوكهم على النساء؟ هل فاتتهم بعض الإشارات الاجتماعية الحيوية؟

الجواب قد يكون "نعم" وفق الأبحاث التي أجريت حديثاً.

فقد أظهرت الدراسات أنه عندما يستحوذ الناس على السلطة، يمكن أن تحدث تغييرات قابلة للقياس في قدراتهم العقلية، خاصة لناحية انخفاض القدرة على تفسير مشاعر الآخرين، والتكيّف والتعاطف معهم.

في هذا الصدد، بحث "جون مانر" في ظاهرة تُعرف باسم "الإدراك الجنسي المفرط" وهي تطال الأقوياء الذين يتوقعون الحصول على اهتمام جنسي، فيسيئون قراءة الإشارات الاجتماعية ويتوددون بطريقةٍ غير مرغوب بها مع المرؤوسين، مع العلم أن بعض الباحثين أكدوا أن السلطة لا تؤثر على الرجال والنساء بنفس الطريقة، إذ تطال الرجال على نحوٍ أكثر وتجعلهم يفكرون على هذا النحو:

إذا كنت رجلاً قوياً وأتفاعل مع إمرأةٍ أقل قوة مني، فهذا سيجعلني أشعر أكثر بالإثارة الجنسية... وسأتصرف وفق تلك الدوافع. سأقترب من مساحتها الشخصية وأقول لها أشياء فيها إيحاءات.

وهنا تكمن المشكلة، إذ يسيء الرجل الظن ويعتقد أن المرأة، أو الرجل، منجذبة إليه في حين أن الحقيقة أنها تشعر بالخيبة والقلق.

واللافت أن سوء الفهم هذا لا يتعلق فقط بالتستوستيرون بل بالميول الافتراضية التي تقولب الرجال والنساء في ثقافاتنا، كوصف الرجال بأنهم أكثر تحملاً للمخاطر وأكثر عدوانية وأكثر ميلاً لإضفاء طابع جنسي على بعض المواقف، وعليه فإن السلطة يمكن أن "تعزز" هذه الميول الافتراضية.

كلمات مفتاحية
السلطة جنون العظمة

التعليقات

المقال التالي