لماذا نخاف الجنون... كيف تنظر الثقافات غير الصناعية للأمراض العقلية؟

لماذا نخاف الجنون... كيف تنظر الثقافات غير الصناعية للأمراض العقلية؟

بخلاف ما اعتادت عقولنا إدراكه، لا تتأرجح حياتنا بين مفهومين: الخطأ والصواب، لأن مسألة تقييمنا للأمور تختلف وفق عدة عوامل، أهمها البيئة التي نعيش فيها والثقافة التي نكتسبها على مرّ السنين.

في الواقع تلعب الثقافة دور "الحكم" في وعينا خاصة أنها تؤثر على طريقة تفكيرنا وتملي علينا تصرفاتنا، إلا أن مقاربة الأمور تختلف من شخصٍ إلى آخر: فبالنسبة إلى صاحب العقل غير الفضولي فإن هذه الثقافة يمكن أن تقولبه في إطار أنماطٍ فارغةٍ يأخذها كواقعه اليومي وتحتم عليه كيفية تقييمه لنفسه وللعالم من حوله، وعليه فإنه ليس من المستغرب أن يكون لديها تأثير كبير على ما يعتبره البعض "تصرفاً نفسياً طبيعياً".

ولكن بالنسبة إلى أصحاب العقول المنفتحة لا يوجد في قاموسها ما يسمى بالأمراض العقلية بل تعتبر أن هذه "الحالات النفسية الخاصة" ما هي سوى تنوع وتعدد وغنى يُضاف إلى الميزات التي ترسم طريق البشرية. لذا تعتبر هذه الفئة أن علماء النفس يستغلون إملاءات المجتمع ويحاولون إسقاط نظرياتهم وإستشاراتهم لجعل الأفراد نسخ عن بعضهم البعض.

فكيف تؤثر الثقافة على مفهومنا وطريقة تعاملنا مع الأمراض العقلية؟

التأثير الإجتماعي

غالباً ما ينظر الناس إلى الصحة العقلية والنفسية على أساس أنها مسألة شخصية لها علاقة فقط بالفرد، إلا أن الصحة العقلية تتأثر بسلسلةٍ من العوامل البيولوجية والجينية والنفسية، وبالرغم من أن هذا التقاطع مهم فإنه في الغالب يتم تجاهل التأثير الكثيف للعوامل الإجتماعية، خاصة أن تنوع الثقافات في المجتمع يؤثر على التجارب الفردية المتعلقة بالصحة العقلية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي العديد من المجتمعات التقليدية، يُنظر إلى الاضطراب العقلي على أنه فترة انتقالية من حالةٍ إلى أخرى من أجل مواجهة تغيير ما حصل في حياة الشخص المعني.

شارك غردلدى الخبراء النفسيين السلطة نفسها التي كان يتمتع بها الكهنة في القرون الوسطى: كلاهما يحظيان بمكانةٍ عاليةٍ ومهمةٍ في المجتمع ويجسدان الحقيقة المطلقة، ويستغنيان عن أبراجهما العالية في سياق ما نسميه "الأدلة المستندة إلى العلم"

وبحسب تقرير Mental Health: Culture, Race, and Ethnicity: A Supplement to Mental Health General هناك العديد من الطرق التي أظهرت فيها الثقافة كيفية تأثيرها على الأفراد، وعلى وصفهم للأعراض التي يختبرونها، سواء كانت عاطفية أو جسدية: فقد أظهرت الأبحاث، على سبيل المثال، أن المرضى الآسيويين يميلون في المقام الأول إلى الإبلاغ عن الأعراض الجسدية قبل وصف الآلام العاطفية.

علاوةً على ذلك، أوضح موقع The public Health Advocate أن الثقافات تختلف من حيث المعنى والأهمية والقلق تجاه الأمراض العقلية، فلكل ثقافة طريقتها الخاصة لفهم الصحة العقلية للفرد ولإبداء رأيها حول ما إذا كان المرض العقلي حقيقياً أم وهماً؟ مرض يطال الجسم فقط أم العقل، والأهم من ذلك الوصمة التي تحيط به.

وبالتالي استناداً إلى هذه التأثيرات والمعايير الثقافية، يقرر الأشخاص كيفية تعاملهم مع المرض العقلي ومحاولة إيجاد حلٍّ له: زيارة طبيب نفسي أو أخصائي اجتماعي أو رجل دين أو اللجوء إلى طرق المعالجة التقليدية.

الاختلاف في مقاربة الأمور

في العديد من المجتمعات التقليدية، يُنظر إلى الاضطراب العقلي على أنه فترة انتقالية من حالةٍ إلى أخرى من أجل مواجهة تغيير ما حصل في حياة الشخص المعني.

وبالتالي من غير المرجح في هذه المجتمعات أن يتم النظر إلى السلوك الغريب و"المشبوه" على أنه مؤشرٌ على اضطرابٍ نفسي كامن، واللافت أن هناك العديد من الثقافات التي لا تمتلك حتى كلمات لما نسمّيه تجارب مثل الاكتئاب أو الفصام أو اضطراب ثنائي القطب.

هناك العديد من الثقافات التي لا تمتلك حتى كلمات لما نسمّيه تجارب مثل الاكتئاب أو الفصام أو اضطراب ثنائي القطب

من هنا يشير موقع Big Think إلى أن بعض الظواهر النفسية مثل "حب التملك" أو الهوس وغيرهما من التصرفات التي يعتبرها البعض "شاذة" داعياً إلى إحكام السيطرة عليها وإعادة وضعها بما يتوافق مع بقية المجتمع، تنظر إليها المجتمعات القبلية بصورة مختلفةٍ كثيراً قد تصل إلى حدّ تكريمها.

كيف يختلف تقييم المرض العقلي بين المجتمعات؟

"من المفترض أن الشامان، والمبدعين والفكرين والفنانين العظماء الذين سافروا إلى قلب روح الألوهية العالمية وعاشوا ليحكوا قصة الغموض العظيم لن يجادلوا آراء بعض العلماء في الأمراض العقلية"، ومع ذلك هناك شريحة صغيرة من العلماء في مجال الطب النفسي الذين يعترفون بأن احتمالات تشخيص وعلاج الأمراض العقلية ليست قاطعة وفجة.

في هذا الصدد، أصدرت جمعية علم النفس البريطانية، قبل عدة سنوات، تقريراً بعنوان "فهم الذهان والفصام"، جاء فيه أن سماع الأصوات الغريبة أو الشعور بالبارانويا أو فقدان الاتصال بالواقع هي تجارب شائعة يمكن أن تكون ردات فعل للصدمة أو للإساءة أو للحرمان.

لكن في الغالب ينظر إلى مثل هذه الظواهر على أنها أعراض لأمراضٍ عقليةٍ مرتبطة بالذهان أو الفصام وهي طريقة تفكير تحمل مزايا وعيوباً، بمعنى آخر فإن وصف حالة وعي مختلفة بأنها "مرض عقلي" يمكن أن يؤدي إلى عواقب غير مقصودة تجاه العلاج أو التعامل مع الشخص المعني.

أما أبرز النقاط التي جاءت في التقرير:

-لا يوجد خط فاصل بين الاضطراب العقلي وغيره من الأفكار والمشاعر والمعتقدات، إذ يمكن فهم وعلاج الاضطرابات العقلية بنفس طريقة معالجة المشاكل النفسية الأخرى مثل القلق أو الخجل.

-بعض الناس يجدون أنه من المفيد أن ينظروا إلى أنفسهم كمصابين بالمرض، في حين أن البعض الآخر يعتبر أن مشاكله هي جانب من شخصيته وبالرغم من أنها توقعه في مأزق فلا يريد العيش من دونها.

-في ثقافات عدة تكون بعض الحالات (مثل سماع أصواتٍ غريبة) ذات قيمةٍ عاليةٍ وموضع تقدير.

خلال وجود الإنسان على الأرض، لا بدّ من أن يتعرض لتجربةٍ قاسيةٍ على الأقل لمرةٍ واحدةٍ في العمر، مما يؤدي إلى إحداث تغييرٍ في مزاجه ووضعه النفسي سواء كان ذلك لفترةٍ قصيرةٍ من الزمن أو أن يستمر الوضع على هذا الحال لبقية العمر، إلا أن الإجراءات التالية التي نتخذها "كثقافة جماعية" هي التي تحدد نتيجة مستقبل هذا الفرد، وفق ما أكده موقع Big Think.

بعض المجتمعات لا تخشى من الجنون أو حتى من الذهان لا بل تعتبره ميزة ونقطة قوة

وبحسب الموقع عندما يتمكن الناس من دمج هذه التجارب في أنفسهم وخلق بعض الأعمال الفنية الكبرى، غالباً ما يتم النظر إليهم على أنهم أبطال وعباقرة ورواد، في حين أنه في حال سقطوا في حالةٍ من العوز، والكسل أو ألحقوا الأذى بأنفسهم وبالآخرين من حولهم فيتعرضون للجلد من قبل المجتمع.

وعليه من الواضح تماماً أن الثقافات هي التي تحدد ما هو صح وما هو خطأ، وما هو السلوك الطبيعي وغير الطبيعي، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن: هل تم "اختراع" الأمراض العقلية أم أنها موجودة في الأصل؟

إعتبر الفيلسوف "آلان واتس" أنه لدى الخبراء النفسيين السلطة نفسها التي كان يتمتع بها الكهنة في القرون الوسطى: كلاهما يحظيان بمكانةٍ عاليةٍ ومهمةٍ في المجتمع ويجسدان الحقيقة المطلقة، ويستغنيان عن أبراجهما العالية في سياق ما نسميه "الأدلة المستندة إلى العلم"، غير أن هذه الطريقة لا تستخدم دوماً، وبالضرورة لعلاج الأفراد، إنما بهدف ضمان بقاء المجتمع الصناعي متجانساً ثقافياً.

بين المجتمعات البدائية والصناعية

لاحظ الفيلسوف "آلان واتس" كيف أن علماء النفس لا يركزون على دمج الأفراد بل على كيفية جعلهم ملائمين للمجتمع، وهذه بالضبط الطريقة المعاكسة التي تذهب باتجاهها الثقافات البسيطة.

وعن هذه النقطة يوضح "واتس" أنه عندما يقف المعالج مع المجتمع، فسوف يفسر عمله على أنه "تعديل" للفرد و"تلطيف" للدوافع اللاوعية ضمن السياق الاجتماعي، ولكن مثل هذا العلاج النفسي يفتقر إلى النزاهة ويصبح أداة بيد البيروقراطية ورجال الدين والشركات والوكالات التي تقوم على مبدأ غسل الدماغ، وهو أمر يتناقض مع سياسة الثقافات البدائية.

فكيف تتعامل الثقافات البدائية مع ما يسميه البعض السلوك "الشاذ"؟

إن العديد من المصطلحات التي نستخدمها لتشخيص السلوكيات العقلية قد شهدت تغيراً على مرّ السنين.

لقد كان لدى المؤرخ والكاتب "تيرينس ماكينا" خبرة كبيرة مع العديد من القبائل الشامانية، وعلى مدار انكبابه لسنواتٍ في الحقائق مع القبائل الأمازونية، وجد تقليداً في دمج ما يسمى "الإضطراب الذهني" في المواقف المهمة التي كانت أساسية لرفاهية المجتمعات البدائية: "ليس لدينا تقليد للشامانية. ليس لدينا تقاليد للسفر إلى هذه العوالم العقلية. نحن مرعبون من الجنون. نخافه لأن العقل الغربي هو بيت من الورق والناس الذين بنوا بيت الورق هذا يعرفون ذلك وهم مرعوبون من الجنون".

في المقابل هناك بعض المجتمعات التي لا تخشى من الجنون أو حتى من الذهان لا بل تعتبره ميزة ونقطة قوة، وفي هذا الصدد يقول ماكينا:"في المجتمع التقليدي، إذا ظهرت عليك أعراض الفصام فسوف يتم سحبك فوراً من المجموعة ووضعك تحت رعايةٍ وتوصيةٍ خاصة من أسياد الشامان، ويُقال لك: أنت مميز، قدراتك تصبّ لصالح صحة المجتمع، سوف تشفى. سوف تتنبأ. سوف تقود المجتمع في أكثر القرارات الجوهرية".

في حين أن المجتمعات الصناعية تصب هجوماً قاسياً على الشخص المصاب بالفصام، وتنعته بأبشع الألفاظ، كأن تقول له:"أنت لا تتناسب مع المجتمع. لقد أصبحت مشكلة. لست متساوياً مع البقية منا. أنت مريض. عليك الذهاب إلى المستشفى. يجب أن يتم احتجازك. إنك على قدم المساواة مع السجناء والكلاب المفقودة في مجتمعنا. لذا فإن علاج مرض انفصام الشخصية يجعله غير قابل للشفاء".

ويختم موقع Big Think مقاله بالقول إن هذه الأساليب المختلفة للتعامل مع حالاتٍ إنسانيةٍ لا يمكن إنكارها قد تساعدنا لتمهيد الطريق لمستقبل لا "يشيطن" أو يتجاهل سمة شخصية جوهرية للكثير من الناس.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي