أن نفهم أطفالنا قبل النطق ونعلّمهم أن البكاء ليس وسيلة لتحقيق الغاية

أن نفهم أطفالنا قبل النطق ونعلّمهم أن البكاء ليس وسيلة لتحقيق الغاية

عيني رأت مولود على كتف أمه

يصرخ تهنن فيه.. يصرخ تضمه

يصرخ تقول: يا بني ما تنطق كلام

دا إللي ما يتكلمش يا كتر همه.

لعل ما يشير إليه الشاعر الكبير صلاح جاهين في رباعياته يعبر بصدق عن معاناة كل طفل يعجز عن بث شكواه، وهو ما يصيب أولياء الأمور بالحيرة والوجع أيضاً، فالأم لا تعرف ما يرغب الرضيع في قوله، والرضيع غير قادر على الشرح والتوضيح... فهل هناك طرق صحيحة للتواصل مع أطفالنا قبل مرحلة الكلام؟ ومتى نفهم أطفالنا وكيف يفهموننا في مراحلهم العمرية المبكرة؟

البكاء لغتنا الأولي

تقول هالة محمد، أخصائية طب أطفال حديثي الولادة لرصيف 22 "إذا كان البكاء يُعرف علمياً بأنه حالة فسيولوجية نتيجة التأثر بعامل خارجي فإنني أضيف على هذا التعريف بكونه الوسيلة الأولى للتعبير".

via GIPHY

تستشهد محمد على ذلك بأن أول ما يخرج من فم الإنسان عقب ولادته صرخة ثم بكاء يعلن به عن قدومه للحياة.

وتضيف: "يستمر البكاء مع الطفل كلغة يعبر بها عن رغباته وحاجاته".

فكيف نفهم هذه اللغة؟

تجيب محمد موضحةً أن الطفل في الأشهر الأولى ينصب بكاءه على الحاجات الفسيولوجية كحاجته للطعام أو النوم، وأحياناً أخري ليبلغنا بألم ما.

وتضيف: "لكي نفهم هذه اللغة بصورة فعالة علينا بـ (الانصات والملاحظة)، فبكاء الطفل - نحن نتحدث هنا عن الشهور الأولى- يختلف تبعاً لحاجته.

وتضرب لنا مثلاً يفرق بين بكاء الجوع، وفيه يمص الطفل إصبعه ويبكي بصوت يشبه الأنين، وبكاء الفزع كأن تقرصه بعوضة، وقتذاك ستكون صرخة حادة هو في حاجة لاحتضان ليس أكثر.

أقوال جاهزة

شارك غرديلجأ الطفل بطريقة لا إرادية إلى البكاء لتحقيق ما يريد، لا تزال ذاكرته محملة بهذا الارتباط الشرطي: البكاء لتلبية الحاجة.

شارك غردالطفل حين يبكي يترقب ردة فعلك فإن رضخت سيرسخ بداخله أن البكاء وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف.

وتكمل: "كما أن الطفل في السنة الأولى بإمكانه أن يحدد موضع الألم أيضاً بجذب أذنه أثناء البكاء، وهي إشارة على وجع بالأذن، أما عند الانتفاخ أو وجع البطن فكثيراً ما سيقوم بالرفس المصاحب للصراخ".

تؤكد محمد أن معرفتنا بلغة البكاء والجسد سترفع العناء عن أطفالنا، وكذلك عنا كآباء وأمهات، وهي بداية للتواصل الحقيقي.

من السنة الثانية: واجهوا بكاء أطفالكم بابتسامة

يفرق محمد مصطفى، أخصائي التخاطب بمعهد الهدى، بين بكاء السنة الأولى الذي دافعه الأساسي تلبية الحاجات الجسدية للطفل وبكاء السنة الثانية الذي يكون مبعثه في الغالب عناد الطفل أو تمسكه بشيء ربما يكون ضاراً.

يقول مصطفى لرصيف22: "بعض أولياء الأمور يشكون: طفلي عنيد ويتشبث بالخطأ ويلجأ إلى البكاء الشديد من أجل تحقيق غايته وهو في عامه الثاني.... فكيف أوقفه؟".

ويجيب: "هنا يلجأ الطفل بطريقة لا إرادية إلى البكاء لتحقيق ما يريد، لا تزال ذاكرته محملة بهذا الارتباط الشرطي: البكاء لتلبية الحاجة".

via GIPHY

 

يلوم مصطفى بعض أولياء الأمور الذين يبالغون في ردة أفعالهم تجاه بكاء الأطفال بالصراخ أو تهديدهم بصوت مرتفع. ويؤكد أن الطفل هنا لم يستمع للصوت الغاضب بقدر اهتمامه بنبرة الصوت الصاخبة وتحركات الجسد العنيفة، وهي الطريقة التي سيتبعها فيما بعد عند مواجهة الآخر بخطأ ما.

يقول: "الاختبار الأول الذي سيحدد علاقتكما ربما إلى الأبد، فالطفل حين يبكي يترقب ردة فعلك فإن رضخت سيرسخ بداخله أن البكاء وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف". ويرى أن الحل الأمثل لبكاء الطفل في عامه الثاني يكمن في الابتسامة.

ويشرح: "إذا كان اللا وعي يدفع الطفل للبكاء للحصول على ما يريد، فإن رؤية الابتسامة على وجوهكم تربكه وتدفعه للصمت وربما للابتسام أيضاً". ويرجع سبب ذلك، كما يوضح محمد، إلى الارتباط الشرطي الذي يربط بين البسمة والسعادة والرضا، بعدها يمكننا أن نتفاهم معه ونتفاوض بشأن ما يريد.

ويوضح مصطفى: "تأثير الصورة والحركة أسرع وأعمق من تأثير اللغة والكلمات، ربما لأن الصورة تسبق الصوت إلى العقل، وربما لأنها أكثر صدقاً". لذلك يؤكد على أهمية استخدام اليدين وتعبيرات الوجه مع محاولة إفهامه بالخطأ.

ويضيف: "التواصل ليس قاصراً على اللغة المنطوقة فحسب بل الوصف بالتمثيل أو بما يسمى بـ "التواصل الفعلي" يجب أن يوازي التواصل اللغوي ويتسق معه". فالطفل يتعلم بالمحاكاة قبل أن يتعلم باللغة، لذلك يجب أن تتسق أقوالنا مع أفعالنا، فلا يمكن أن نلوم الطفل لكونه عصبياً بينما ولي أمره يعاني من العصبية. وهذا الاتساق بين القول والفعل هو حجر أساس الثقة التي هي بداية التفاهم، والتفاهم أعلى مراتب التواصل.

via GIPHY

ويشير مصطفى أن التفاهم يبدأ من السنة الثانية حين نزيل الحواجز التي نصنعها من الغضب أو اللا مبالاة أو حتى الانصياع وهي العوامل التي تقطع حبل التواصل من البداية.

ويقول: "عوضاً عن ذلك لا بد أولاً أن ندرك أن أطفالنا ليسوا مزعجين إطلاقاً. غير أن لديهم ما يؤرقهم، وعلينا أن نعي ذلك بهدوء ومستخدمين كامل طاقتنا للشرح والتوضيح".

كما ينصح أولياء الأمور بأن يكونوا قدوة لأبنائهم حتى في سن الرضاعة، مشيراً إلى أن الطفل وإن كان رضيعاً مراقب جيد وغداً سيكون قادراً على إصدار الأحكام.

من سنتين لثلاث سنوات: ابنِ جسراً

يعلق مصطفى على الأطفال من سنتين إلى ثلاث قائلاً: "يكتسب الطفل في هذه السن المئات من المفردات كما أنه أكثر قدرة على معرفة المحيط، أشخاصاً وحاجات".

رغم ذلك فإنه لا يستطيع أن يلفظ أكثر من خمس كلمات. هنا يقع الطفل في مأزق – بحسب ما يوضح الأخصائي- إذ هناك الكثير من الجُمل في عقله غير أنه ليس قادراً على نطقها، لذلك فإن فطرته تدفعه لاستخدام اليدين وكذلك تعبيرات الوجه من أجل توضيح أكثر لحادثة ما.

via GIPHY

يقول: "الطفل في تلك المرحلة المبكرة بدأ في تكوين وجهة نظر عن المحيط، غير أن لغته لم تسعفه. لذلك فهو يلجأ لاتخاذ وسائل جديدة للتعبير".

ويوضح أن من ضمن هذه الوسائل ميوله للفنون كالرسم والغناء والرقص وربما تقليد أحد الأشخاص كوسيلة للتعبير عما يدور في لا وعيه. وفي المقابل قد يتخذ وسائل سيئة كضرب الآخر أو تحطيم الأشياء.

ويفرق مصطفى بين الحالتين بكون الأولى صحية فمن خلالها نستطيع اكتشاف مكنون الطفل بالإضافة إلى أن عادة ما تظهر المواهب وتحتاج لمن يرعاها.

أما عن الحالة الثانية فيقول: "هنا الطفل في حاجة للاحتواء والتفاهم، ويمكن حدوث ذلك عن طريق الآتي:

لا تنشغلوا عن صغيركم: في هذه السن تحديداً يتقلب مزاج الطفل بشدة فهو يعاني من الفطام مما يصيبه بالضيق وربما بالسخط، لذلك علينا أن نقضي معه الوقت الكافي ومشاركته اللعب والاهتمامات.

تكليفه بالمهمات المناسبة لقدراته: اتركوا له مساحة للمشاركة، فالطفل يمكنه في عمر الثلاث سنوات الاعتماد على نفسه للقيام بمهمات بسيطة، كما يمكنه الاعتماد على نفسه في الطعام وتنظيف نفسه، تلك الطريقة تربي فيه الثقة بالنفس بالإضافة إلى أن التعاون وروح الفريق الأسري أرقى صور التفاهم.

العقاب والمكافأة: يستجيب الطفل بعد عامه الثاني للأوامر والنواهي، لذلك يجوز عقابه، فالعقاب وكذلك المكافأة من أهم وسائل التواصل... ولكن العقاب يأتي بعد تكرار الخطأ، بعده نشرح له نتيجة فعلته ونسحبه إلى كرسي العقاب، ينتهي العقاب حين يدرك الطفل الخطأ في حالة عدم قدرته على الكلام سيهز رأسه متفهماً.

بعض أولياء الأمور يشكون من تأخر الكلام والنطق عند طفلهم. فمتى نشعر بالخطر؟ وهل يمكن مساعدته بشكل علمي؟

يجيب مصطفى موضحاً: "أولاً لا ينبغي للأسرة أن تقلق من تأخر نطق الطفل، في العادة يجيد الطفل الحديث بعد نحو السنتين ونصف".

ويوصي بأنه في حالة ملاحظتنا لمشكلة بسمع الطفل أو عدم قدرته على الاستيعاب المناسب لسنه بأن نستشير فوراً أخصائياً في التخاطب.

ويضيف: "غير ذلك يمكننا أن نتقبل تأخره، فمن الأخطاء الشائعة بين الأهالي تعجل نطق الطفل وهو ما يأتي بنتيجة عكسية".

كذلك من الأخطاء التي نقترفها هو نطق الكلمات بطريقة غير صحيحة بهدف تبسيطها للطفل.

يعلق مصطفى: "البعض يتعمد نطق الكلمات على نحو ما يعتقد أن الطفل سيستوعبه، فمثلاً بأن ينطق السكر أوكر.. إلخ. بهذه الطريقة ترسخ كلمة خاطئة في عقل طفله".

وينصح أولياء الأمور بأن ينطقوا الكلمات وكذلك الجُمل بطريقة سليمة ولا سيما إن كانت مخارج الألفاظ واضحة، هذا ما يساعد الطفل فعلياً على التحدث الجيد وتأهله لتقبل اللغات فيما بعد.

"التواصل مع أطفالنا قبل النطق ليس فقط لرفع المعاناة عن الابنـ/ة وولي الأمر، ولكنه أيضاً جسر من التفاهم يؤدي بالضرورة لبناء شخصية سوية تقدر الحوار وتعرف أن البكاء ليس وسيلة لتحقيق غايتها وأن عليها أن تدفع ثمن الخطأ وتحصل على مكافأة عند الصواب، فالإعداد الجيد للحياة يبدأ مع الميلاد"، بحسب رأي محمد مصطفى.

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

كلمات مفتاحية
الأولاد التربية

التعليقات

المقال التالي