بينما تتصدر تونس الدول العربية في حرية الإنترنت… فهي تشهد فصلاً آخراً من القمع في الواقع

بينما تتصدر تونس الدول العربية في حرية الإنترنت… فهي تشهد فصلاً آخراً من القمع في الواقع

تُعتبرُ تونس منذ الإطاحةِ بزين العابدين بن علي عام 2011، واحدةً من أكثر الدول العربية التي يتمتّع مواطنوها بحريّة التعبير في الحياة الواقعية... فما بالك بالافتراضية منها؟

بعد أن كانت تُصنّف عالميّاً كإحدى الدول الأكثر قمعاً لحريّة التعبير والتي تمارس فيها سياسة الحجب بصفة عشوائية، ويتمّ فيها إيقاف المدوّنين بصفة مستمرّة، أصبحت تونس اليوم تعتلي مراتب مُتقدّمة نسبياً فيما يتعلّق بحريّة التعبير وحريّة "الإبحار" على الشبكة في تصنيفات المنظّمات العالميّة المعنية بهذا الموضوع.

إذ صنفت منظّمة "فريدم هاوس" تونس كبلد حرّ جزئيّاً فيما يتعلّق الأمر بحُريّة الانترنت، إذ تحتلّ المرتبة 38 من بين 100 دولةٍ، في تصنيف مؤشّر حريّة الانترنت لسنة 2017، بينما احتلت المركز الـ81 في المؤشر عام 2011.

بعد الإطاحة ببن علي، وضعت الحكومة المؤقتة وقتها حدّاً لكلّ أنواع الرقابة على الشبكة، فتمّ التخلّي عن البرامج والأنظمة المتطوّرة لمراقبة الشبكة العنكبوتية والتحكّم في مختلف محتوياتها التي كانت بالأساس تعتمد على 3 طرقٍ أساسية للقيام بذلك وهي الفلترة التقنية وحذف الموادّ المنشورة التي من شأنها التأثير على الرأي العام، واحتكاره على الانترنت.

لكن هل يعتبر هذا التوجّه كافياً لحماية حريّة الانترنت في تونس وضمانها بصفة مستمرّة؟ وهل واكبت التشريعات والقوانين هذا التحوّل العملي الجذري؟

تواصل العمل بالتشريعات والقوانين القمعيّة القديمة

رغم التحوّلات السالف ذكرها والتقدّم الملحوظ بحُريّة الانترنت في تونس إلّا أنّ العديد من المُنظّمات المعنية بالموضوع داخل تونس وخارجها تتخوّف من إمكانية تراجع حقوق الانترنت في البلاد، بسبب تواصل العمل بالتشريعات والقوانين التعسفيّة والقمعية التي كانت تُعْتَمَدْ لربط ألسنة الناس في ظلّ حكم بن علي، وهو ما يُمثّل خطراً حقيقيّاً وتقييداً لحريّة التعبير على الانترنت.

فعلى سبيل المثال، تلك القوانين المتعلّقة بمواصفات شروط بناء وتشغيل خدمات الاتّصالات، تحمّل مقدّمي خدمة الانترنت المسؤولية القانونيّة لأيّة موادّ تنشر على الانترنت من قبل طرف ثالث دون استثناء، في خرق صريح للقانون الدولي، كما أنّها تفرض عليهم مراقبة وحذف أيّة محتويات تعتبر مسيئة إلى الأمن العامّ بالإضافة إلى القوانين التي تفرض عليهم تقديم قوائم بأسماء المشتركين في الخدمة وبشكل شهري.

في هذا أيضاً خرقٌ للدستور التونسي الجديد المصادق عليه سنة 2014 والذي نصّ على حماية أكبر لخصوصيّة بيانات الاتّصالات ومنع حجب المحتوى الإعلامي قبل نشره، بالإضافة إلى خرق المعايير الدولية لحريّة الانترنت.

أقوال جاهزة

شارك غردتعدّدت محاولات الحكومات المختلفة التي تولّت زمامَ الحكم بعد رحيل بن علي للحدّ من حريّة التعبير على الشبكة وتقييدها، نذكر منها قراراً أصدرته محكمة الاستئناف، أغسطسَ 2011، تحجب بموجبه المواقع الجنسية في تونس.

شارك غردتخوّف من إمكانية تراجع حقوق الانترنت في تونس، بسبب تواصل العمل بالتشريعات والقوانين التعسفيّة والقمعية التي كانت تُعْتَمَدْ لربط ألسنة الناس في ظلّ حكم بن علي

شارك غردالحكومات المختلفة التي تولّت زمامَ الحكم بعد رحيل بن علي حاولت الحدّ من حريّة التعبير على الشبكة وتقييدها، من خلال سنّ تشريعات جديدة من شأنها العودة بالتونسيين إلى مرحلة ما قبل الثورة بما تمثّله من تكميم للأفواه واعتداء على حريّة التعبير

تُشكّل بعض القوانين الأخرى كقانون الإعلام الخاص بقواعد السلوك الصحفي والمجلّة الجزائية التي تطبّق على حريّة التعبير على الانترنت وتجرّم التشهير، خطراً محدقاً على حريّة التعبير على الانترنت، كونها تخالف المعاييرَ الدولية.

فالمبعوث الخاصّ للأمم المتحدّة لحقوق التعبير عن الرأي في الأمم المتحدّة السيد فرانك لاروي أشار في تقريره الصادر في 10 أغسطس 2011 إلى أنّ بعض أنماط التعبير كالتعليقات المسيئة، يجب ألّا تُجرّم، لكن على الدول أن تشجّع استخدام حريّة التعبير لمواجهة الخطابات المسيئة.

محاولات لسنّ تشريعاتٍ جديدة قامعة لحريّة الانترنت

لم تقف الأمور عند هذا الحدّ، فلقد تعدّدت محاولات الحكومات المختلفة التي تولّت زمامَ الحكم بعد رحيل بن علي للحدّ من حريّة التعبير على الشبكة وتقييدها، من خلال محاولة سنّ تشريعات جديدة من شأنها العودة بالتونسيين إلى مرحلة ما قبل الثورة بما تمثّله من تكميم للأفواه واعتداء على حريّة التعبير.

نذكر منها آخر مبادرة تشريعية قدّمها بعض نوّاب حزب "نداء تونس" بالبرلمان لتنظيم النشر في المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. تميّزت هذه المبادرة بطابعها الزجري الذي أثار غضب الناشطين الإلكترونيين والصحافيين التونسيين إذ جاء في النصّ: "يعتبر قذفاً إلكترونياً كلّ إنتاج أو إعداد أو دعوى أو نسبة أمر من شأنه المسّ بالنظام العامّ وبالأخلاق الحميدة أو بحرمة الحياة الخاصّة أو بهتك شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسميّة عبر الشبكة العنكبوتيّة".

كما ورد بمشروع القانون ما يلي "يعاقب بالسجن مدّة عامين وبخطيّة قدرها ثلاثة آلاف دينارٍ كلّ من أعدّ أو ادّعى أو نسب أمراً من شأنه المساس بالنظام العام وبالأخلاق الحميدة أو بحرمة الحياة الخاصّة أو بهتك شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسمية عبر الشبكة المعلوماتية عن طريق الحاسوب والتطبيقات".

وقد سبقت هذه المبادرة التشريعيّة محاولاتٌ أخرى للحدّ من حريّة الانترنت، نذكر منها قراراً أصدرته محكمة الاستئناف، أغسطسَ 2011، تحجب بموجبه المواقع الجنسية، حيث أمرت المحكمة من خلاله الوكالة التونسية للانترنت بتشغيل نظام فلترة وحجب المواد الجنسية عن المستخدمين، ما حرّك الناشطين الإلكترونيين، الذين اعتبروا أنّ ذلك عودةٌ للممارسات الرقابية للوكالة التونسية للانترنت.

نقضت محكمة التعقيب القرار لاحقاً بعد استئناف الوكالة التونسية للانترنت لهذا الحكم.

مشروعُ قانون مكافحة الإرهاب بنسخته الصادرة في 25 يوليو 2015 والذي اقتُرحَ في ظلّ تنامي مشكلة الإرهاب في تونس، حمل في ظاهره العديد من الإجراءات لمكافحة الجرائم الإرهابية المتصلة بتكنولوجيات الاتصال، إلاّ أنّه في الحقيقة يتضمّن العديد من الثغرات التي تتمثّل خاصّة في اعتماد تعريفاتٍ فضفاضة وتوفيرِ حصانة مطلقة للمحقّقين وانتهاكاتٍ تشمل الحقوق الأساسية للإنسان كالحقّ في النفاذ للمعلومة والخصوصية .

اعتبر الناشطون الإلكترونيون أيضاً في تونس إنشاءَ الوكالة الفنيّة للاتصالات سنة 2014 تهديداً جديّاً لحريّة الانترنت، حيث رأوا أنّ هذا الجهاز الذي تتمثّل مهمتّه الأساسيّة في تأمين الدعم الفنّي للسلطة القضائية في معالجتها جرائمَ أنظمة المعلومات والاتصال والبحث فيها، يمثّل تهديداً لخصوصية المواطنين التونسيين ويفتح البابَ لعودة سياسة تكميم الأفواه.

فالقانون الداخلي المنظّم لعمل هذه الوكالة يحدّد مهامَها الإدارية وطرقَ العقاب فقط دون تحديد مفاهيم "الجرائم الإلكترونية" بمختلف أنواعها والعقوبات المسلّطة على كلّ نوع منها، ما أثار مخاوف الرأي العامّ والناشطين الإلكترونيين والمنظمات الحقوقية، من إمكانية عودة الرقابة والتضييق على مستعملي الانترنت من جديد، حتّى أنّ حزب القراصنة اعتبر أنّ هذه الوكالة تهدف للتجسّس وتخزين المعلومات الشخصية للمواطنين وعائلاتهم وعلاقاتهم.

محاكمات وإيقافات للمدوّنين ومستعملي الشبكة

انعكس تواصل استعمال القوانين الردعية والزجرية العائدة إلى فترة ما قبل الثورة على مستعملي الانترنت.  فلقد عاشت البلاد العديد من الإيقافات والأحكام القاضية بالسجن في قضايا متعلّقة باستعمال الشبكة العنكبوتية والتدوين، ذلك مع مختلف الحكومات التي تعاقبت على الحكم بعد رحيل زين العابدين بن علي.

فمؤخّرا تمّت محاكمة المدوّن والنائب المستقل بالبرلمان ياسين العياري بسبب تدوينةٍ نشرها عبر فيسبوك، اتُّهم بسببها بـ"قيام فعل موحش في حقّ رئيس الجمهورية" حسب الفصل 67 من المجلة الجزائية بالإضافة إلى "المشاركة في عمل يرمي إلى تحطيم معنويات الجيش" و"المسّ من كرامة الجيش الوطني بواسطة الكتابة" حسب الفصل 91 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.

كذلك  قضت المحكمة عام 2017 بسجن المدوّن نبيل الرابحي مدّة 6 أشهرٍ نافذةً وتغريمه بـ 1200 دينارٍ تونسي على خلفية نشره تدوينة تعرّض فيها بالثلب لرئيس الجمهورية وعائلته.

أيضاً، تم التحقيق مع مؤسس موقع "نواة" سامي بن غربية على خلفية نشر الموقع وثيقةً مسرّبة لخطّة رئاسة الجمهورية لتمرير قانون المصالحة، الذي أعاد الى السطح موضوعَ تمكين المدوّنين أو الصحافيين المواطنين من الحقّ في حماية مصادرهم.

من الحوادث الأخرى التي مرّت مرور الكرام، قرارُ لجنة قضاء عسكرية حذف أربعة حساباتٍ "فيسبوكية" اتّهم أصحابها بالإساءة إلى المؤسسة العسكرية في مايو 2011، ما يؤكّد أنّ القانون التونسي بصفة عامّة والقوانين المتعلّقة في الإعلام والاتّصال وحرية التعبير بصفة خاصّة مازالت غيرَ ملتزمةٍ بالمعايير الدولية الخاصّة بحريّة التعبير.

رغم تصدر تونس قائمة الدول العربية من حيث مؤشرات حرية الانترنت، إلاّ أنّ تواصل العمل بقوانين قمعيّة بالية لا تواكب دستور تونس الجديد، الذي نصّ بصريح العبارة على الحقّ في حريّة التعبير في فصليه الـ31 والـ32، بات يشكّل خطراً حقيقيّاً على حقّ التونسيين والتونسيات في حريّة التعبير وحرية الإبحار على الإنترنت.

يقول الفصل الـ31 إن "حريّة الفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونةٌ ولا يجوز ممارسة رقابةٍ مسبّقة على هذه الحريات" ويقول الفصل الـ32 "تضمن الدولة الحقَّ في الإعلام والحقّ في النفاذ إلى المعلومة. تسعى الدولة إلى ضمان الحقّ في النفاذ الى شبكات الاتّصال".

لينا بن مهني

صحافية وناشطة تونسية، مُدافعة حقوقية، مؤلفة المدوّنة التونسية الشهيرة "بنيّة تونسية"، ومساعدة مُدرس لغويات سابقة في جامعة تونس.

التعليقات

المقال التالي