صناعة السينما في السعودية لم تزل متوقفة رغم كسر حظر دام نصف قرن

صناعة السينما في السعودية لم تزل متوقفة رغم كسر حظر دام نصف قرن

تراجعت شركة Vue، إحدى أكبر سلاسل دور السينما في العالم ومقرها في بريطانيا، عن قرارها السابق تجميدها صفقة لبناء 30 داراً للسينما في السعودية، على خلفية قتل الصحفي جمال خاشقجي، مؤكدة على أنها ملتزمة بالإتفاقية التي وقعتها في فبراير الماضي مع شركة "مجموعة عبد المحسن الحكير للسياحة والتنمية" السعودية للتعاون في إنشاء 30 دار سينما في المملكة، بعد نحو ستة أشهر من رفع الحظر عن تنظيم العروض السينمائية ضمن الإصلاحات التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

غير أن مصادر لرصيف22 في وزارة الإعلام توقعت أن تلغي السعودية الصفقة، رداً على قرار الشركة البريطانية، وأكد المصدر ذاته مجموعة الحكير تتفاوض مع شركات أمريكية أخرى لتنفيذ المشروع الذييتوقع أن يرى النور في عام 2020.

يأتي ذلك في الوقت الذي كشفت فيه الهيئة في بيان أن تراخيص الإنتاج الإعلامي المرئي والمسموع استحوذت على العدد الأعلى من التراخيص الصادرة في الربع الثالث من العام الجاري بنحو81 ترخيصاً، تليها تراخيص استيراد وتوزيع وبيع بالتجزئة للمحتوى الإعلامي المرئي والمسموع عبرالوسائط المنقولة والتي بلغت 66.

وبلغ عدد التصاريح من  التراخيص التي أصدرتها الهيئة في الأشهر العشرة الماضية نحو 786.

وعلى الرغم من افتتاح دور السينما في السعودية منذ أبريل الماضي، بعد منعها طوال عقود، فإن الحركة السينمائية في المملكة لم تستفد كثيراً من ذلك، ولم يجد أي فيلم سعودي طريقه للعرض، لقلة الإنتاج منجهة، ودور العرض من جهة أخرى. فخلال الأشهر الستة الماضية، لم تزد صالات العرض على صالتين صغيرتين في الرياض، وهو ما تحاول الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع السعودية تعديله، من خلالمنحها 236 ترخيصاً إعلامياً جديداً خلال الربع الثالث من العام 2018، من بينها ثماني رخص لإنشاء دور العرض السينمائي.

محاولات للصعود

تحاول السعودية التي أنهت في أبريل الماضي حظراً على تشغيل دور السينما في البلاد استمر قرابة 50 عاماً، إنشاء صناعة السينما، غير أنه حتى بعد مرور ستة أشهر، لم تتحرك صناعة السينما في البلاد.

"شاشات العرض وحدها لا تكفي لصناعة سينما حقيقية"، هذا ما يقوله الممثل السعودي خالد سامي مشدداً على أن الصناعة السينمائية لن تقوم إلا بحراك حقيقي، ويقول لرصيف22 :"خطواتنا بطيئة، نحن بحاجة لتحركات أوسع لإيجاد سينما في السعودية، ليس مجرد دور عرض فقط، بل إنتاج سينمائي كبير، وإن كانت دور العرض هي البداية، فمتى وجدت دور العرض، ستكون هناك حركة إنتاجية، لأنه لا يمكن أن تكون هناك افلام سعودية وهي لا تعرض داخل البلاد".

مع أنه لم تكن هناك حركة سينمائية حقيقة ولا دور عرض في السعودية قبل أبريل الماضي، فإن صانعي الأفلام السعوديين شقوا طريقهم بصعوبة، لكن بشكل أفضل من الحاصل حالياً، وقد ظهر أول فيلم سعودي "كيف الحال" عام 2006 للمخرجة هيفاء المنصور، كما أنتجت بعض الجهات الخاصة فيلم "هيفا" الذي عرض في بعض المهرجانات السياحية بنجاح، وأنتج محمود الصباغ فيلم "بركة يقابل بركة"، وعادت المنصور لتخرج فيلم "وجدة"، ثم تبعتها عدة أفلام متوسطة.

البداية كانت قبل ذلك بكثير، فالحركة السينمائية السعودية، قديمة جداً انطلقت قبل نحو سبعين عاماً، من خلال فيلم "الذباب" الذي أُنتج في عام 1948، وكان من بطولة  الممثل السعودي الراحل حسن الغانم، ثم توالت المحاولات، إلا أنها كانت خجولة، قبل أن تتوقف بسبب ضغط الصحوة الدينية نحو 35 عاماً.

وعادت حركة السينما لتصحو مع مطلع عام 2003، مع عدد محدود من المخرجين السعوديين، أبرزهم  عبدالله آل عياف ومحمد بازيد ومحمد الظاهري، ومهد هؤلاء الشباب لظهور حركة فنية أكثر نشاطاً، ومع أنها لم تكن تُعرض على الجمهور المحلي حققت سلسلة من النجاحات، إذ نال فيلم "وجدة" ثلاث جوائز عالمية في مهرجان البندقية، وكان أول فيلم سعودي يدخل قائمة الأفلام المرشحة لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية، كما كان أول فيلم روائي يصور كاملاً في السعودية، وبداية مشجعة للسينما خلال السنوات الماضية، وبرز مخرجون أمثال هيفاء المنصور، ومحمود الصباغ، وسميرة عزيز، وشهد الأمين، وريم البيات، وهند الفهاد، وبدر الحمود.

كذلك نال فيلم "بركة يقابل بركة"، خمس جوائز، أهمها جائزة مهرجان برلين، وجائزة "PRIZE WINNER FORUM 2016" بمهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ66، مناصفة مع فيلم "Les Sauteurs"، ورشح لجائزة الأوسكار للأفلام المستقلة عام 2016، وحصل فيلم "فضيلة أن تكون لا أحد"، على جائزة أفضل فيلم خليجي في الدورة الأخيرة من مهرجان دبي السينمائي، ونال فيلم "شكوى" أكثر من جائزة أبرزها النخلة الذهبية في الدورة الثانية من مهرجان الأفلام السعودية في عام 2015، كما شارك في المسابقة الرسمية لـلدورة السابعة  في "مهرجان تيسه للأفلام الآسيوية والإفريقية  في المغرب عام 2014، وحصل فيلم "المغادرون" على جائزة"النخلة الذهبية" عن أفضل فيلم روائي، وهي أهم جوائز "مهرجان أفلام السعودية" في دورته الرابعة لعام 2017، كما فاز فيلم القس بجائزة أفضل ممثل، إلى جانب فوزه بجائزة أفضل ملصق فيلم، غير أن كل تلك الجوائز كانت قبل عودة العروض السينمائية، أما بعدها فلا شيء يذكر.

يعترف المخرج السينمائي ممدوح سالم بضعف النشاط السينمائي السعودي، ويقول لرصيف22 : "حتى الآن، لم ينعكس افتتاح دور عرض سينمائية في السعودية على النشاط السينمائي في البلاد، كانت الأفلام السعودية تظهر من خلال المهرجانات، وأتوقع أن يتحسن الوضع في السنوات الخمس المقبلة، من ناحية المستوى والتقنيات الفنية".

ويضيف :"لا تزال السينما السعودية في البداية، لا ترقى للمستوى المأمول منها، لكن كل التجارب التي قدمت في السابق تبقى اجتهادات فردية، لا يمكن أن تصنع مادة سينمائية في بلد لا يوجد فيها نشاط سينمائي"، ويشدد سالم على أهمية وجود تشريعات وأنظمة تهدف لنمو الصناعة السينمائية في البلاد، ويتابع :"نحن نريد أن يكون هناك حراك على مستوى المؤسسات، لا المستوى الفردي، الجهد الذاتي والدعم المحدد لا يكفيان، السينما صناعة استثمارية لا تقوم على فيلم أو أثنين".

أقوال جاهزة

شارك غردتراجعت شركة Vue، إحدى أكبر سلاسل دور السينما في العالم ومقرها في بريطانيا، عن قرارها السابق تجميدها صفقة لبناء 30 داراً للسينما في السعودية، على خلفية قتل الصحفي جمال خاشقجي، مؤكدة على أنها ملتزمة بالاتفاقية التي وقعتها.

تكاليف باهظة

على الرغم من افتتاح صالتي عرض للسينما في السعودية في أبريل الماضي، إلا أن التفاعل معهما كان أقل من المتوقع، بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، إذ تراوح أسعار التذاكر بين 13 و20 دولاراً، فيما لا تتجاوز 8 دولارات في البحرين الأكثر قرباً للسعودية.

وتعتبر تكلفة الذهاب للسينما في السعودية الأعلى في العالم، بمتوسط 34 دولاراً بعد احتساب أسعار المأكولات والمشروبات وضريبة الترفيه التي تبلغ 50% من قيمة التذكرة، في وقت تبلغ في سويسرا التي كانت الأعلى قبل أبريل، نحو 15 دولاراً فقط.

وفي دول الجوار يبدو الفرق شاسعاً، فلا تتجاوز العشرة دولارات في البحرين، و12 في دبي، ومثلها في الكويت.

إن ضعف الإقبال على دار العرض التي افتتحتها شركة AMC، أجبر الشركة على التراجع عن خططها في زيادة أسعار التذاكر لمستوى 35 دولاراً، كما ألمح رئيس الشركة آدم آرون الذي أكد لمجلة "فارايتي"الأميركية قبل عدة أشهر أن "السعوديين متعطشون للسينما وسيدفعون أي مبلغ يُطلب منهم".

يعتبر السيناريست على الشهري أن دور العرض الموجودة حالياً لا تحقق الهدف المأمول منها، متوقعاً أن تتغير الفكرة مستقبلاً، بعد نشوء تنافس أكبر بين دور العرض، ويشدد في حديثة لرصيف22 على أن المخرج السعودي ما زال يعيش في أجواء المهرجانات، وهي أجواء تهدف لصناعة سينما محتوى قد لا تعجب الجمهور، ويقول: "تختلف معايير صناعة السينما من مكان لآخر، هناك أفلام تحمل مضامين سياسية واجتماعية، وهناك أفلام تهدف للترفيه، تماماً كما هو حال كتاب الرأي، لا يمكن توحيد التجارب، الإبداع هو المعيار الأهم، دون إبداع، ليس هناك عمل يستحق المشاهدة"، معترفاً بأن بعض الأفلام تبالغ في توجيه أفكارها بشكل مباشر فج، ويضيف: "معظم الأفلام السعودية أعدت لتشارك في المهرجانات، وكما هو معروف، فإن أفلام المهرجانات تركز على المحتوى بغض النظر عن المتعة، على عكس دور العرض السينمائية، التي هدفها المتعة لأنها عرض تجاري، وبالتالي لا يمكن أن نحكم بشكل كامل على كل تلك التجارب"، ويشدد الشهري على التجارب التي يقدمها السينمائيون السعوديون، والتي لا يمكن مقارنتها بتجارب دول لها عشرات السنين، ويتابع: "الصناعة السينمائية السعودية قامت خلال الـ14 عاماً الماضية بجهود فردية بحتة، لذا لا يمكن أن نحكم عليها ونحن ليس لدينا كوادر سعودية تشربت صناعة السينما. الإطلاع والمتابعة وحضور المهرجانات وحدها لا تكفي".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

كلمات مفتاحية
السعودية السينما

التعليقات

المقال التالي