ما هي حكاية دكان عبد الرسول العرادي في سوق المنامة؟

ما هي حكاية دكان عبد الرسول العرادي في سوق المنامة؟

عندما قرّرنا التجول داخل أزقة سوق المنامة القديم التي نسميها بالدارجة البحرينية "دواعيس"، كنا بصدد البحث عن بعض ما تبقى من دكاكين السوق القديمة، التي لا يزال أصحابها البحرينيون يديرونها جيلاً بعد جيل دون توقف، ودون كلل.

هذه الدكاكين، التي تحافظ على جانب كبير من طابعها المحلي القديم، تقاوم زحف التغيير وتجاعيد الزمن، كما تقاوم التغيّر القادم من الجموع الآسيوية التي غزت السوق في كل شبر منها بعدما كانت محلات الآسيويين تُعدّ بالأصابع في عشرينات القرن الماضي، قبل أن تنتشر بكثافة على يد ثلاثة مجموعات آسيوية قادمة من الهند وباكستان وبنغلاديش.

الجولة التي قمنا بها في السوق، كانت تحديداً في الشارع الذي عُرف سابقاً بـ"شارع اليهود" داخل سوق المنامة، حيث كانت محلات الأقمشة تكتظ بأصحابها من تجار البحرين، اليهود والمسلمين.

أصحاب هذه الدكانين، لا سيما اليهود منهم، هجروها بعد نكبة فلسطين في العام 1948. وأصبح الشارع اليوم معروفاً بـ"شارع المتنبي"، وهو متنوّع بأصحابه وملاكه بين مسلمين عرب وهندوس وبهرة.

أما ما تبقى من قاطني أهل المنامة ومحلاتهم فهو قليل بعدما هجر هؤلاء سوقهم ،الذي يبلغ عمره أكثر من خمسمائة عام، واتجهوا للسكن في المدن الجديدة والعمل في مهن أخرى أو فتح محلات في المجمعات التجارية الصغرى والكبرى منها.

تغيّرت ملامح السوق لتصبح أكثر آسيوية، بينما غلبت البضائع الأجنبية الصنع على البضائع التقليدية التي اشتهرت البحرين بها عبر التاريخ. وحده سوق الذهب والصرافة بقي على أسلوبه التقليدي رغم تشييد المجمعات التجارية وسط السوق، مثل مجمع "يتيم سنتر" ومجمع "سوق الذهب" وغيرهما.

دكان العرادي

في شارع المتنبي، وقفنا نراقب صاحب دكان تقليدي وهو يفتح الأبواب الخشبية ذات الطراز البحريني. كان هذا عقيل عبد الرسول العرادي (46 عاماً)، وقد بدأ بفرد الأقمشة الجديدة الواحدة تلو الأخرى وتعليقها في مكان مرتفع من المحل، قبل أن يدخل ليجلس في زاوية صغيرة على كرسي خشبي وبجانبه دفاتر الدكان القديمة المرصوفة بشكل واحد في تلك الزاوية الضيقة.

هذا هو الدكان الوحيد الذي يبلغ عمره أكثر من 70 عاماً وبقي محافظاً على شكله القديم وسط سوق المنامة. الدكان مفتوح من الجانبين، تزيّنه لافتة خشبية، مكتوب عليها بخط اليد "متجر عبد الرسول العرادي للأقمشة".

"البحرينيون الذين تواجدوا في السوق عبر مراحل تاريخية عديدة قدِموا من مختلف مناطق البحرين واستقروا فيها بسبب ميناء باب البحرين الذي منه كانت تُنقل البضائع عبر السفن القادمة من الهند وبلاد فارس محملة بالمواد الغذائية والأقمشة وغيرها"، حسب ما يروي العرادي لرصيف 22.

يتابع العرادي "السوق كبر شيئاً فشيئاً حتى بدأ ينتعش مع تجارة اللؤلؤ والذهب وصياغته، وهو مجال ما زالت البحرين تتميّز به حتى الوقت الحالي، رغم المتغيرات التي طرأت مع اكتشاف النفط عام 1932 وظهور اللؤلؤ الياباني المزروع. ظلّ سوق المنامة القلب النابض لأهلها بمختلف أطيافهم وخلفياتهم الدينية والثقافية والاجتماعية".

محمد طيّب خنجي

تابع العرادي الحديث عن قصة الدكان قائلاً "خلقت الألفة في السوق مناخاً أسرياً واحداً. الجميع كان يساعد بعضه البعض، ولهذا فإن قصة الدكان ترجع إلى التاجر والوجيه آنذاك محمد طيب خنجي (تاجر أقمشة ومواد غذائية تعرف بـ"الميرة")، وهو الذي ساعد وشجّع جدي حاجي محسن بن علي بن عباس بن ابراهيم بن محمد العرادي على أخذ الدكان... كي يصبح رجلاً صاحب تجارة، بدلاً من بيع "السكسبال" (الفستق المحمص في صحن كبير) على حدّ قوله. أعطاه خنجي آنذاك للبدء بالتجارة روبية، وهي العملة التي كانت تستخدم في البحرين".

وترجع أصول التاجر وأسرة خنجي إلى مدينة خنج في جنوب بلاد فارس (إحدى مقاطعات محافظة فارس في جنوب إيران)، علماً أن هناك عدد ليس بقليل من تجار جنوب فارس قد عمل في البحرين واستقر بها عبر الزمن بسبب التجارة ولكونها كانت مركز ربط تجاري بين الهند وفارس والعراق.

أقوال جاهزة

شارك غردهو الدكان الوحيد الذي يبلغ عمره أكثر من 70 عاماً وبقي محافظاً على شكله القديم وسط سوق المنامة. الدكان مفتوح من الجانبين، تزيّنه لافتة خشبية، مكتوب عليها بخط اليد "متجر عبد الرسول العرادي للأقمشة"

شارك غرد"إرث عائلتي يفرض علي الحفاظ على هذا الدكان في ظل المتغيرات الحاصلة"... دكان العرادي تروي صفحات من تاريخ سوق المنامة وعلاقات التسامح والتعاون التي جمعت بين التجار على اختلاف دياناتهم

"اشترى جدي بالروبية سجادة لأرضيّة المحل وكميات كبيرة من البرتقال وأخذ ما باعه ليردّ المال إلى خنجي، إلا أن الأخير رفض قائلاً نبي (نريد) نسوي منك ريال (رجل) في السوق، خذ فلوسك واشتري طاقات القماش وبعها بأقل سعر".

خلال أسبوع واحد، حسب ما يروي صاحب الدكان الحالي، بدأ اسم محسن العرادي يلمع في السوق وبدأ التجار اليهود يسألونه عن سبب تهافت الناس عليه بهذا الشكل، في الوقت الذي "رفض خنجي استرداد أي مبلغ من جدي الذي كانت قد أصابته حمى شديدة وأراد الزواج لكنه لم يكن يملك المال قبل لقاء هذا التاجر الكريم".

تسمية العرادي

عن التسمية، أخبر العرادي "سبب تسمية عائلتي العرادي ليس نسبة إلى قرية عراد في جزيرة المحرق (شمالي شرقي البحرين)، ولكن جدي كان يأخذ الأقمشة على مركب ليبحر بها إلى جزيرة المحرق. وكان الناس يرددون (تعرّد العرادي وجاء)، في إشارة إلى أنه ذهب إلى عراد ليبيع الأقمشة".

تاجر يهودي وتاجر هندوسي

يتابع العرادي الحديث عن جده، وهو يحمل ألبوم صور لأفراد من أسرته، ويقول "أتذكر في أواخر السبعينات، وأنا طفل صغير، مدى التسامح بين الناس داخل السوق، حيث كان التاجر الهندوسي كيلورام يعمل بالقرب من دكان جدي الذي يحمل اسم والدي عبد الرسول. ومحل الصرافة لنونو اليهودي ليس ببعيد عن الدكان، وكلاهما لم يبخلا يوماً في دعم التجار البحرينيين خاصة في أوساط يهود البحرين، كما فعل التاجر اليهودي داوود نونو الذي وافته المنية في سبتمبر 2018".

يتابع "عندما كان يفلس تاجر ما أو تتعثر تجارته يجلس في البيت ويقال إنه مريض، فيزوره التجار من مسلمين ويهود وكل واحد في يده كيس (صرة) من المال يضعه تحت اللحاف (غطاء الفراش) الذي ينام عليه التاجر المنكسر مالياً". 

موظف وحافظ لإرث أسرته

قبل وداع العرادي قال "من الصعب الجمع بين وظيفتي الأساسية في الصباح وعملي في فترة المساء بشكل يومي... إلا أن إرث عائلتي يفرض علي الحفاظ على هذا الدكان في ظل المتغيرات الحاصلة على شكل السوق. لم تعد هويته بحرينية خالصة كما كانت في سابق عهدها".

ودعناه وهو يغلق أبواب دكانه الصغير من طرفيه بينما تحجز نسوة بعضاً من أقمشة "المشمر" الملونة، التي يتم ارتداؤها عادة في المنزل كجزء من الزي التقليدي البحريني، وهن يتحدثن معه بلهجة نساء المنامة ذات النبرة المميزة.

ريم خليفة

كاتبة صحافية بحرينية من مواليد دولة الكويت، درست في مدارس الكويت والبحرين وتلقت تعليمها الجامعي في بريطانيا. شاركت مع مجموعة في تأليف كتاب نشر باللغة الاسبانية تحت عنوان "ماذا تبقى من الربيع العربي؟" (2015)

التعليقات

المقال التالي