"أين الملك؟"... ظاهرة الاستنجاد بمحمد السادس شخصياً تتزايد في المغرب طارحة أسئلة وتوقعات

"أين الملك؟"... ظاهرة الاستنجاد بمحمد السادس شخصياً تتزايد في المغرب طارحة أسئلة وتوقعات

تتزايد حِدّة الاحتقان الشعبي التي يعيش على إيقاعها المغرب منذ اندلاع حراك الريف، أواخر أكتوبر 2016، واتّساع رُقعة الاحتجاجات لتشمل مناطق أخرى، بينها كزاكورة وجرادة، في مقابل ظهور الحكومة، بقيادة حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي، بمظهر العاجزة عن تغيير الوضع عبر تنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها سنة 2011 في عزّ موجة الربيع العربي.  

منسوب القلق المتزايد لدى المواطنين المغاربة، ظهر في التعبير عن امتعاضهم بمناسبة كل احتجاج، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، إلى أن أخذ الأمر منحى آخر فأصبحوا يُوجّهون خطابهم إلى الملك محمد السادس مباشرة؛ حتى ظهر من خطوتهم تلك وكأنهم متأكدين من أن الحكومة لا تملك أية سلطة، وبالتالي فإن الرهان على تدخل رئيسها ووزرائها لوضع حدّ للأزمة لن يغير أي شيء بقدر ما سيسهم في تأجيج الوضع.

أمام هذا المعطى الجديد، المُتمثل بتوجيه الخطاب إلى ملك البلاد مباشرة، بدأ يظهر أن المؤسسة الملكية فطنت إلى هذه المسألة، وأن الطلب المتزايد على تدخّل الملك لن يتوقف إلا إذا تفاعل الجالس على العرش إيجاباً مع مطالب الشعب.

ظهر ذلك مثلاً في جلسة العمل، التي عقدها الملك المغربي في الأول من أكتوبر بحضور اثنين من مستشاريه ورئيس الحكومة وبعض الوزراء، والتي انتهت بالإعلان عن تكليف لجنة حكومية بإعداد برنامج مشاريع وإجراءات دقيقة في مجال التكوين المهني، في أجل لا يتعدى ثلاثة أسابيع فقط.

تأتي هذه الخطوة في إطار التحركات التي يقوم بها القصر لنزع فتيل "قنبلة" الشباب الغاضب عن طريق إطلاق مبادرات تستهدف الشباب بشكل خاص، أوّلها كان الإعلان عن عودة العمل بالتجنيد الإجباري، أواخر أغسطس الماضي.

الدعوة لتدخّل الملك...محاولة للفهم

أواخر سبتمبر الماضي، وبشكل مفاجئ، ظهر سؤال "#أين_الملك" على فيسبوك وإنستغرام بعدما أطلقته صفحة تحمل اسم "بارطاجي يا مواطن"، ولوحظ من خلال عدد اللايكات والتعليقات أنه حقق تفاعلاً كبيراً.

في حديث مع المؤرخ والمحلل السياسي المغربي وأستاذ التاريخ في جامعة محمد الخامس في الرباط المعطي مُنجب، اعتبر أن "أغلبية الناس الذين يكونون في حاجة ماسة إلى تحقيق مصلحة أو رفع ظلم هم في الحقيقة براغماتيين، لأنهم يتوجهون إلى الوحيد في المغرب الذي لديه سلطة القرار وهو الملك"، مضيفاً أن هؤلاء الناس "لا يعارضون النظام في الغالب، ولكنهم يعلمون حق العلم أن المؤسسات الدستورية والسياسية من برلمان وحكومة وجماعات محلية لا حول لها ولا قوة، خصوصاً في المسائل العويصة".

المعطي منجب

ما قاله مُنجب، في حديثه مع رصيف22، ظهر بشكل واضح قبل نحو أسبوعين، عندما شرعت سلطات مدينة الدار البيضاء في هدم منازل عشوائية تجاوز عددها الـ1000 منزل، حيث بلغ غضب العائلات مداه، ووصل إلى درجة مطالبتهم بإسقاط الجنسية المغربية وطلب اللجوء لدى إسبانيا.

وما لفت الانتباه حينها أن كل من تحدّث مع وسائل الإعلام، التي حضرت إلى منطقة "دُوَّار الوَاسْطي"، طالب الملك محمد السادس بالتدخّل لأنه "الوحيد الذي بإمكانه أن يَحُلّ أزمتهم"، فيما انبرى البعض إلى توجيه انتقادات مباشرة إلى الملك، كما فعلت شابة ظهرت في فيديو انتشر بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي وهي تُوجّه انتقادات جريئة إلى ملك البلاد.

انتقاد الملك: ظاهرة جديدة؟

لشرح هذه الظاهرة، يرى الصحافي المغربي المخضرم خالد الجامعي أنه من الضروري وضعها في سياقها التاريخي حتى نتمكن من فهمها.

يقول الجامعي في حديث مطوّل مع رصيف22: "عندما وصل الملك محمد السادس إلى الحكم سنة 1999، كانت آمال وتطَلّعات الشعب المغربي مُعلّقة عليه، لدرجة أنه بات يحمل لقب (ملك الفقراء) وأُطلق على مرحلته اسم "العهد الجديد". مع مرور السنوات، اتضح أنه لم يُلبِّ انتظارات المغاربة، ودخلنا في ترسيخ مفهوم (الملكية التنفيذية) إلى أن وصلنا إلى حراك 20 فبراير 2011 إبّان موجة الربيع العربي الذي كان على الملكية أن تأخذ العبرة منه لأنه كان سابقة في تاريخ المملكة…".

خالد الجامعي

 الخلاصة، بحسب الجامعي، هي في اتضاح أن الحكومات المغربية "محكومة" ولا تملك أي قرار، لأن "الأحزاب في المغرب تصل إلى الحكومة لكنها لا تصل إلى الحكم؛ وهذا ما دفع المغاربة مرات عديدة إلى طلب مساعدة/تدخل الملك، الشيء الذي كان يُكرّس أكثر فأكثر مفهوم الملكية التنفيذية؛ لكن المغاربة اليوم انتقلوا من الاستنجاد بالملك إلى توجيه انتقادات إليه، وهذا مؤشر مهم وجديد في المغرب".

أقوال جاهزة

شارك غردمنسوب القلق المتزايد لدى المواطنين المغاربة، ظهر في التعبير عن امتعاضهم بمناسبة كل احتجاج، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، إلى أن أخذ الأمر منحى آخر فأصبحوا يُوجّهون خطابهم إلى الملك محمد السادس مباشرة

شارك غرد"أغلبية الناس الذين يكونون في حاجة ماسة إلى تحقيق مصلحة أو رفع ظلم هم في الحقيقة براغماتيين، لأنهم يتوجهون إلى الوحيد في المغرب الذي لديه سلطة القرار وهو الملك"، بحسب المؤرخ والمحلل المغربي المعطي منجب

أما المعطي مُنجب، فربط بدوره هذه الظاهرة بثلاثة أسباب رئيسية. الأول، يرتبط بتراجع الخوف منذ تظاهرات "الربيع المغربي" سنة 2011، والثاني بانتشار الوسائط الإعلامية الجديدة شبه المجانية كفيسبوك ويوتيوب، أما الثالث فيرتبط بتراجع القمع السياسي للمواطنين العاديين المنتقدين للسلطة وذلك بالنظر لعددهم الكبير وللحماية التي توفرها لهم شهرتهم وشهرة قضيتهم بفضل الشبكة العنكبوتية وبفضل التطبيقات سهلة الاستعمال.

من هنا، "تركز الدولة في قمعها على المبادرين إلى التعريف بهذه التطبيقات السهلة أو نشرها؛ فهناك اليوم خمسة مغاربة - وأنا من بينهم - متابَعين منذ 2015 بتهمة تهديد السلامة الداخلية للدولة لمساهمتهم في تدريب صحفيين مواطنين على تطبيق (Story Maker)"، يضيف المؤرخ المغربي.

الصحافة الدولية: اهتمام متزايد بالشأن الداخلي

في الآونة الأخيرة، كَثُر حديث الصحافة الدولية - خاصة الفرنسية- عما يحدث في المغرب، وخاصة حول ما يدور في مربع الحكم.

موقع "Africaintelligence" نشر الأسبوع الماضي مقالة مثيرة تحدثت عن تفاصيل تتعلق بالشأن الداخلي للديوان الملكي، وعلاقة عاهل البلاد بمستشاريه، وعن تداعيات بعض الشؤون المرتبطة بالمحيط الملكي على مستقبل البلاد في ظل الاحتقان الاجتماعي الحالي.

مجلة "لونوفيل أوبسيرفاتور" الفرنسية نشرت هي الأخرى، ضمن عددها الصادر هذا الأسبوع، تقريراً بعنوان "الملك محمد السادس يتسلّى، وهذا يظهر على إنستغرام"، ناقش الوضع السياسي والاجتماعي للمملكة انطلاقاً من زاوية معالجة تطرّقت إلى الحياة الخاصة لعاهل البلاد وعلاقته مع أصدقائه ومحيطه.

باعتباره مؤرخاً، يرى المعطي مُنجب أن الصحافة والإعلام الدولي يلعبان منذ زمن طويل دوراً كبيراً في التأثير على الحالة السياسية في المغرب.

"المشكلة اليوم ليست مستقبل البلاد بل مستقبل الملكية في ظل ما يحدث، فالمؤسسة الملكية كانت في السابق تحظى بنوع من (الهيبة)، لكنها اليوم أصبحت موضع مساءلة من طرف المغاربة. السؤال هو إلى أين سيقودنا هذا الوضع؟"

يقول في هذا الصدد: "لنتذكر أن من أولى قضايا حقوق الإنسان التي أضعفت المغرب وسوّدت على المستوى العالمي وجه السلطنة المغربية آنذاك هي قضية السيدة البتول بنعيسى بنحمو، التي كان قد أشرف شخصياً على تعذيبها السلطان عبد الحفيظ سنة 1910 وذلك لأن زوجها كان من مؤيدي السلطان عبد العزيز، ولأن المَخْزَنْ كان يعتقد أنها تتوفر على كنز وافر من الذهب لأن زوجها، باشا مدينة فاس، كان معروفاً بغناه".

تفجرت هذه القضية وأصبحت فضيحة دبلوماسية كبرى بسبب حديث  جريدة "تايمز" البريطانية ثم صحيفة "لوتون" الفرنسية عنها.

يضيف منجب شارحاً أن هذه الحملة الإعلامية أضعفت من الناحية الدبلوماسية وضعية السلطان عبد الحفيظ -المتضعضعة أصلاً- ليضطر إلى إطلاق سراح ضحيته؛ فـ"استغلت باريس هذه القضية لتبدأ في شحذ خناجر جيشها الاستعماري وفي تحضير حملتها العسكرية النهائية التي مرت إلى الفعل، أي إلى الاحتلال الترابي أشهراً بعد انفجار قضية البتول".

ويعلّق "استحضرتُ هذه القصة لأقول إن المقالات والصور والأخبار في وسائل الإعلام الدولية والتي تتناول وضع الملكية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة لها تأثير كبير على الوضع في المغرب؛ فالعالم كما غالبية المغاربة، يثقون في الإعلام الدولي المُوجَّه لمنطقتنا أكثر مما يثقون في الإعلام الرسمي أو الأمني". 

أي مستقبل للملكية؟

السؤال أعلاه طرحه خالد الجامعي بقوة في حديثه مع رصيف22، بحيث اعتبر أن الأهم هو التساؤل حول مستقبل الملكية في ظل هذا الوضع بالنظر إلى مدى أهمية المؤسسة الملكية بالنسبة للمغرب.

"المشكلة اليوم ليست مستقبل البلاد بل مستقبل الملكية في ظل ما يحدث، فالمؤسسة الملكية كانت في السابق تحظى بنوع من (الهيبة)، لكنها اليوم أصبحت موضع مساءلة من طرف المغاربة. السؤال هو إلى أين سيقودنا هذا الوضع؟"

في هذا الصدد، شدّد الجامعي على أهمية المؤسسة الملكية بالنسبة لمستقبل المغرب: "لا بد من بقاء الملكية في المغرب، لأنه يستحيل أن نعيش في ظل نظام جمهوري لأن المغرب ليس دولة قومية بقدر ما هو دولة قَبَليّة، بالتالي فإن الملكية يجب أن تعود إلى صوابها لأنه إذا استمرت الأمور على هذا الشكل فإن كل الاحتمالات تبقى واردة... لذلك فإن الملك يجب أن يتدخل بحزم".

كما اعتبر الجامعي أن جزءاً أساسياً من الاحتقان الاجتماعي سببه هو الملكية التنفيذية "لأنه عندما يصبح الملك هو من يملك كل السلطة فإنه يصبح هو المسؤول في نظر الشعب، وهو ما أدى إلى حالة المواجهة اليوم بين الشارع والملك؛ وهذا في الحقيقة أخطر شيء".

أمّا مُنجب، فقد أبدى رأياً نوعاً ما متشائماً بقوله: "إذا تزايد الزّخم السياسي والاجتماعي ذو النفس المعارض، وأعني به الحركات الاحتجاجية المحلية والوطنية، وواكبته ضغوطات وانتقادات الإعلام المستقل بشقَّيْه المِهني والمُواطن؛ فإن الملكية قد تبادر إلى إطلاق برنامج إصلاحي جديد... قد يعطي فقط مهلة للنظام لأخذ أنفاسه قبل أن ترجع حليمة إلى عادتها القديمة".

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي