"بند الندرة" يحرم السعوديين من الجامعات

"بند الندرة" يحرم السعوديين من الجامعات

"لن نقبلكِ لأنك سعودية" هكذا صراحةً، كان ردّ أحد مسؤولي التوظيف في جامعة المجمعة (180 كلم شمال العاصمة الرياض) على أم حسين، وهي سعوديةٌ من أصلٍ مصري، نالت الماجستير في الخدمة الاجتماعية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.

تقدمت أم حسين التي تتحدث لهجةً مصريةً خالصة، للجامعة عبر القنصلية في القاهرة، وتم قبولها ودعوتها للمقابلة الشخصية، لكن بعد أن عرف مسؤول التوظيف أنها سعودية وليست مصرية، رفضَ طلبها، وقال لها موظف القنصلية:"العميد لم ينتبه إلى أنك سعودية"، وعند سؤالها، هل يرفضوني لأنني سعودية، كان الجواب "نعم".

تكررت القصة مع أم حسين في جامعة الملك فيصل، ورُفض توظيفها رغم ترحيب عميد الجامعة بها بدايةً، قبل أن يعلم أنها ليست أجنبية.

جامعة الملك فيصل

الأمر ذاته أيضاً حدثَ مع عبد الله الثبيتي، حامل درجة الماجستير في الثقافة الإسلامية، رفضت جامعة الجوف تعيينه، بحجة أن تخصصَه في الماجستير يختلف عن البكالوريوس، وغيرهم كثير.

تعجُّ الجامعاتُ السعودية بالأساتذة الوافدين، في وقتٍ تُوضعُ العراقيل أمام السعوديين الحاملين المؤهلَ ذاته، وغالبيتهم من جامعاتٍ تصنف أنها ضمن أفضل 100 جامعة في العالم. يؤكد خبراء تحدثوا لرصيف22  أن الجامعاتِ السعودية تتفنن في وضع الشروط المعقدة، التي لا تكون كذلك عند التعاقد مع وافدين، ما يفسرُ الكمّ الكبير من الأساتذة غير السعوديين في الجامعات السعودية، مقابل نحو 7 آلافِ سعوديٍّ من حملة الدكتوراه عاطلين عن العمل.

بحسب الإحصاء الرسمي لوزارة التعليم، هناك 43،124 عضواً بهيئات التدريس في الجامعات السعودية من الوافدين، من مجموع 83،884 عضواً، كما أن 77٪ من الأساتذة في الجامعات الأهلية غيرُ سعوديين.

معاناة طويلة

يعجُّ حساب "عاطلون بشهاداتٍ عليا" على "تويتر"، بقصصٍ مشابهة لما حدث مع أم حسين أو الثبيتي. يحاول الحساب الذي يتابعه نحوُ 16 ألفَ شخصٍ، تسليطَ الضوء على معاناة السعوديين من حملة الشهادات العليا عندَ التوظيف في الجامعات.

الأسبوعَ الماضي، كشفت اللجنةُ التعليمية بمجلس الشورى أن بعضَ الجامعات السعودية تتعاقد مع أعضاءِ هيئة تدريسٍ من جنسياتٍ لا ترتقي إمكاناتهم العلمية إلى المستوى المأمول، تحتَ ضغطِ الحاجةِ العاجلة والمتاحِ للتعاقد في الدول التي يتم البحثُ فيها، وطالبت اللجنةُ في تقريرها برفع المعاييرِ الخاصةِ بالتعاقد مع أعضاء هيئةِ التدريسِ من غير السعوديين في الجامعات.

برّرَ عضو مجلسِ الشورى عبد الله السفياني أثناء مناقشةِ التقرير السنوي لوزارة التعليم تعاقدَ الجامعات مع أعضاء هيئةِ تدريسٍ من خارج المملكة دون معاييرَ عاليةٍ بضعفِ المقابل المادي المقدَّم للمتعاقدين مقارنةً ببعض الدول، مع تسامحٍ في المعايير، بينما "نتشدّد بشروطٍ شبه تعجيزيةٍ في قبول السعوديين مثل امتداد التخصص الذي طُبق بطرق تعسفية، وشرط السنّ، وألا يكون موظفاً، ما أدى إلى التفريط في كفاءاتٍ سعوديةٍ مميزة".

نشر السفياني تغريداتٍ عبر حسابه الشخصي على "تويتر" لتعزيز موقفه من القضية، مؤكداً أن:"معظمَ المتعاقَد معهم مستواهم العلمي ضعيف، أو بسيط أما الأقوياء فتختطفهم عروضٌ أقوى"، وشددَ على أن ذلك ليس عذراً لتقبل الأمر الواقع.

أضافَ:"يبدو أنه مع التوسعِ في افتتاح الجامعاتِ والكليات لم يكن هناك ضبطٌ لمعايير التعاقدِ للارتقاء بالجودة، فتم التعاقد أحياناً مع شخصيات تحمل شهاداتٍ مزورةً أو من جامعات تجارية أو أخرى غير معترفٍ بها من دول عربية مجاورة، صاحبَ ذلك تشدّدٌ ملحوظ على الكفاءات السعودية، بعضُه قد يكون لسببٍ وجيهٍ لكن حالاتٍ كثيرةً كانت في غاية التعسف، وهذه الشروط طُبّقت على السعوديين ونفِذَ من خلالها غيرُ السعوديين".

يستغربُ الخبير في التعليم الجامعي، الدكتور فواز البشير، أن يُرفَض سعوديون بحجةِ ضعف الجامعة التي تخرجوا منها، فيما يُقبَل وافدون من الجامعات ذاتها، قائلاً لرصيف22: "سعوديون كثرٌ ممن رفضتهم الجامعات السعودية تخرجوا من الجامعة ذاتها التي تخرّج منها أحدُ المتعاقدين، ولم يُقبل لأن الجامعة تجاريةٌ أو غيرُ معترف بها. فلماذا لم يُطبَّق الشرطُ على غير السعودي".

يتابع:"الشرط الأكثرُ تعسفاً هو امتدادُ التخصص، رغم عدم وجوده في أنظمة التعليم، إلا أن الجامعاتِ تتشدّد فيه، قد يكون هذا الشرط مقبولاً في التخصصات المتباعدة، لكن في التخصصات القريبة من الدراسات الإسلامية، الثقافة الإسلامية، وما شابهها، فهذا غير مقبول".

البشير الذي كان أستاذاً جامعياً يؤكد أن من حقّ الجامعات أن تبحثَ عن الكفاءات، لرفع قيمتِها "لكن ما يحدثُ لا يمتّ للكفاءة بصلة، للأسف هناك من يرفض السعوديين للإبقاء على بند الندرة الذي يحصل عليها، والذي يشترط أن يكون عدد السعوديين في التخصص قليلاً، فهو يعرف أن رفع عدد السعوديين سيلغي الندرة، وهذا البند يمثل 26٪ من الراتب، ونتيجة ذلك حُرِمّت كفاءاتٌ عاليةٌ ومتميزة لمصالحَ شخصية".

المزيد من العراقيل

في الاتجاه ذاته، يؤكدُ الدكتور فهد المزيد، المتخصصُ في علم الاجتماع التربوي أن الجامعاتِ تبحثُ عن أعذارٍ لعدم توظيف السعوديين، قائلاً لرصيف22:"من غير المقبول أن تكون أقسامٌ كاملةٌ في بعض الجامعات بلا سعوديين، هذا يحدث في الجامعات الناشئةِ تحديداً، قد نقبل التشدد في التوظيف من الجامعات الكبيرة مثل جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد، لكن تشدُّدَ جامعاتٍ صغيرةٍ في ذلك، تعسفٌ غيرُ مقبول".

يضيف:"التخصصاتُ العلمية ليست صناديقَ مغلقة، هناك امتداداتٌ للعلوم، كثيرٌ من الجامعات تعتبر تعدّدَ التخصصات ميزةً للأستاذ، لكن لدينا تُعتبرُ عيباً قاتلاً، يسبّب رفضَه، العالم الكبير تومسون مكتشفُ (الإلكترون)، يعتبر أشهرَ علماء الفيزياء في العالم، كان خريجَ كلية الهندسة، وأكمل الدكتوراه في الفيزياء النظرية، أعتقد لو تقدم تومسون لجامعةٍ سعوديةٍ لرُفِضَ لأن تخصّصَه غيرُ متواصل".

يؤكد الدكتور المزيد، أن التمسكَ بشروطٍ غيرِ منطقية، يَضع العراقيل أمام أكثر من 130 ألفَ سعودي، تخرجوا أو سيتخرجون ضمن برنامج الابتعاث، ومع أن كثيراً من العلوم، يُشترط فيها تعدّد التخصصات لفهْمِها أكثر، في تصوري ما يحدث على أرض الواقع هو وضعُ عراقيلَ لأهداف شخصيةٍ لا أكثر".

يستنكرُ الدكتور فهد بن حميد، المتخصصُ في العلوم التطبيقية، رفضَ سعوديين تخرجوا من أعرق الجامعات العالمية، بينما يُستَقطبُ وافدون من جامعاتٍ أقل، قائلاً لرصيف22:"ليست عنصريةً أن نطالب بحقوقنا، عدد كبيرٌ من الأكاديميين السعوديين درسوا في أعرق الجامعات العالمية، وتقدموا للجامعات ورفضُوا، بينما لا تكشف السير الذاتية لأستاذة هذه الجامعات والمنشورة في مواقعها أنهم أفضلُ من السعوديين، بل العكس تماماً".

يتابع:"لا يمكن مقارنةُ خريجٍ من بيل أو سياتل أو كاليفورنيا، بآخر من جامعة عربية، ليست ضمنَ أفضل 100 جامعة في العالم، ليس انتقاصاً من أحد، لكنه واقع"، متسائلاً:"في جامعة الملك فيصل يعمل 292 أستاذاً سعودياً مقابل 751 غيرَ سعودي، وفي جامعة حائل يوجد 136 دكتوراً سعودياً مقابل 580 غيرَ سعودي، نسبة السعوديين 23٪ ، والحال مشابه في باقي الجامعات السعودية إلا ما ندر، فمن يقف خلف إعاقة سَعوَدَة هيئات التدريس في الجامعات السعودية".

تصريحات مستفزة

قبل نحو شهرٍ، وصفَ الدكتور عوض الأسمري مديرُ جامعة شقراء (260 كلم شمال العاصمة الرياض)، في مداخلةٍ مفتوحةٍ له، المطالبةَ بتوظيف سعوديين في جامعته، بالنغمةِ العنصرية، معللاً بأن السعوديين يرفضون العملَ في منطقة بعيدةٍ عن العاصمة. تبريرٌ فتح باب النقد واسعاً، وكشف العشراتِ من حملة الدكتوراه والماجستير أنهم تقدموا بطلباتٍ للتوظيف في الجامعة ورُفضت بلا سبب.

"تصريحات الدكتور الأسمري حملت انتقاصاً واضحاً للسعوديين" هكذا يراها الدكتور في العلوم الحيوية ماجد بن نصيف، أحدُ الذين تقدموا للجامعات قبل عامين، ومازال ينتظرُ الردّ، مضيفاً لرصيف22 "مثل هذه التصريحات البعيدةِ عن الواقع هي أساسُ المشكلة، هم يرفضوننا لكن يفتحون أبوابهم لغير السعوديين، كل هذا من أجل الإبقاء على مميزاتهم المالية، وفي مقدمتها بند الندرة".

يتابع:"المطالبةُ بتوظيف السعوديين الأكفاء ليست عنصريةً، المئاتُ مستعدون للعمل في أي مكان، وهم أولى بهذه المناصب التي تُوَّزعُ على غيرهم".

أقوال جاهزة

شارك غرد"لن نقبلكِ لأنك سعودية" هكذا صراحةً، كان ردّ أحد مسؤولي التوظيف في جامعة المجمعة (180 كلم شمال العاصمة الرياض) على أم حسين، وهي سعوديةٌ من أصلٍ مصري، نالت الماجستير في الخدمة الاجتماعية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.

شارك غرد"في جامعة الملك فيصل يعمل 292 أستاذاً سعودياً مقابل 751 غيرَ سعودي، وفي جامعة حائل يوجد 136 دكتوراً سعودياً مقابل 580 غيرَ سعودي. من يقف خلف إعاقة سَعوَدَة هيئات التدريس في الجامعات السعودية؟" يتساءل متخصص في العلوم التطبيقية في حديثه مع رصيف22

طوال الأيام العشرة الماضية، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع الفيديو الذي يشهر فيه الدكتور الأسمري وهو يرد على الطالب عبدالله التوم  الذي تساءل عن سبب عدم وجود سعودي واحد في قسم الطب الذي يدرس فيه، كانت التصريحات التي يعتبرها بن نصيف بالمستفزة، فتحت باب الجدل واسعا، لم يُغلق حتى اليوم. يضيف بن نصيف :"التصريحات المستفزة فتحت جرحاً كان غائراً، ولم يتم علاجه بعد، لهذا لن تتوقف حالة الجدل، لحين سد هذا الفراغ، ووضع تشريعات تكفل للسعوديين العمل في الجامعات السعودية، طالما يستحقون ذلك، هذا سيكون وفق شروط واضحة ومحددة، وعدم ترك الأمور لأمزجة مدراء الجامعات".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

كلمات مفتاحية
السعودية

التعليقات

المقال التالي