"على كَتِفَيْها": فيلم وثائقي يجسّد رحلة نادية مراد من أسيرة داعش إلى امرأة نوبل للسلام

"على كَتِفَيْها": فيلم وثائقي يجسّد رحلة نادية مراد من أسيرة داعش إلى امرأة نوبل للسلام

"إن قصتي، التي أخبرها بأمانةٍ وشفافيةٍ، هي أفضل سلاح لديّ بوجه الإرهاب"، هذه الكلمات قالتها الناشطة العراقية-الإيزيدية نادية مراد التي تعرضت في العام 2014 للاغتصاب على يد أفرادٍ من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتحولت إلى ضحيةٍ من ضحايا الرق الجنسي، قبل أن تتمكن من الهروب من هذا الكابوس وتقرر أن ترفع الصوت عالياً وتدافع عن كرامة ضحايا الإتجار بالبشر خاصة ما يتعرض له الإيزيديون من ظلمٍ وعنفٍ وتعذيبٍ على يد المتشددين الذين، على حدّ قولها، "أرادوا المساس بشرفنا، لكنهم فقدوا شرفهم".

وبفضل جهودها وشجاعتها وإصرارها على عدم السكوت بوجه الظلم والانتهاكات المجحفة التي تمارسها التنظيمات الإرهابية بحق الأقليات على وجه الخصوص، حصلت "مراد" قبل بضعة أيام على جائزة نوبل للسلام التي جاءت كنوعٍ من الانتصار على جلاديها وكنافذة أمل للنساء المضطهدات.

صوتٌ لا يمكن إسكاته

لا يمكن للعالم أن يبقى مكتوف الأيدي بوجه حكايات الاغتصاب والمذابح التي تُرتكب بحق النساء في العالم، هذا ما خرجت به نادية مراد (25 عاماً) خلال مسيرة نضالها لإنهاء العنف الجنسي في مناطق الحروب والنزاعات.

أقوال جاهزة

شارك غردحصلت نادية مراد قبل بضعة أيام على جائزة نوبل للسلام التي جاءت كنوعٍ من الانتصار على جلاديها وكنافذة أمل للنساء المضطهدات.

شارك غردلا يمكن للعالم أن يبقى مكتوف الأيدي بوجه حكايات الاغتصاب والمذابح التي تُرتكب بحق النساء في العالم.

في نوفمبر 2015، وبعد مرور عام وثلاثة أشهر على وصول داعش إلى مسقط رأسها "كوشو"، غادرت "نادية" إلمانيا وتوجهت إلى سويسرا للتحدث في منتدى الأمم المتحدة المعني بقضايا الأقليات، وكانت المرة الأولى التي تروي فيها هذه الشابة الشجاعة ما حصل لها أمام جمهورٍ كبيرٍ:" أردت التحدث عن كل شيء، عن الأطفال الذين ماتوا من الجفاف أثناء فرارهم من داعش، عن الأسر التي لا تزال عالقة في الجبل، عن آلاف النساء والأطفال المحتجزين وعما شاهده إخواني في موقع المجزرة"، مشددةً على أنه كان هناك الكثير من الأمور التي يحتاج العالم لسماعها عن كل ما يتعرض له الإيزيديون من ظلمٍ وإبادة.

مرارة سرد القصة

لم يكن من السهل على "نادية مراد" أن تقف أمام الجميع وتسرد قصتها من خلال الغوص في تفاصيل تعرضها للضرب والاغتصاب مراراً على يد أفراد من "داعش".

كانت "نادية" ترتعش خوفاً حين وقفت أمام الجميع وقرأت الكلمة التي سبق أن أعدتها، إذ مع كل جملة، كانت الذاكرة تعود بها إلى الوراء وتحديداً إلى لحظات الرعب التي عاشتها عند نقاط التفتيش أو عند تذكر سماء الموصل المظلمة حين كانت تفتش الحي بحثاً عن المساعدة.

أريد أن أكون آخر بنت في العالم لديها قصة مثل قصتي

وبالرغم من مرارة الذكريات وصعوبة البوح بالممارسات التي تعرضت لها، وجدت "مراد" أن سرد قصتها في العلن هو أفضل سلاحٍ ضد الإرهاب، وعليه قررت مواصلة رفع الصوت حتى تتم محاكمة الإرهابيين:"لا يزال هناك الكثير من الأمور التي يتعيّن القيام بها، يحتاج قادة العالم، وخاصة زعماء الدين المسلمين، إلى الوقوف وحماية المظلومين". وأعربت عن رغبتها الجامحة في أن تنظر مباشرةً بعيون الرجال الذين اغتصبوها وتراهم يخضعون للعدالة:" أريد أن أكون آخر بنت في العالم لديها قصة مثل قصتي".

وكانت لجنة نوبل قد أوضحت في بيانٍ أنها اختارت "نادية مراد" لإعطائها جائزة نوبل للسلام لجهودها بغية إنهاء استخدام العنف الجنسي كسلاحٍ في الحروب والصراعات المسلحة: "نادية مراد وقعت بنفسها ضحيةً لجرائم الحرب، ولكنها رفضت قبول القوانين الاجتماعية التي تتطلب من النساء التزام الصمت والخجل من التحدث عن الانتهاكات التي كنّ عرضةً لها"، وأضاف البيان أن "مراد" أظهرت شجاعةً غير مألوفة في سرد معاناتها والتحدث نيابةً عن ضحايا آخرين.

على كتفيها

لا شك أن "نادية جمال" حملت على كتفيها هموم الأقليات والأشخاص المضطهدين الذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب في جميع أنحاء العالم، ولعلّ هذا ما يفسّر السبب الكامن وراء تسمية فيلم "على أكتافها"، وهو وثائقي جديد، سيعرض في لوس أنجلس في 24 أكتوبر.

يقدم الفيلم صورةً مثيرةً للإعجاب عن هذه الناشطة التي فقدت عائلتها، وتعرضت للاغتصاب والتعذيب، وكانت شاهدةً على أبشع أنواع الفظائع قبل أن تصبح الصوت الصارخ بوجه الظلم، والمتحدثة باسم حوالي 400 ألف إيزيدي، رافضةً اعتبارها "ضحية".

إن فيلم On Her Shoulders هو من إخراج "الكساندريا بومباخ" ويتعقب مراد مدة 3 أشهر منذ انتقالها من برلين إلى نيويورك ومن ثم إلى كندا لتسليط الضوء على معاناة شعبها.

أما النقطة المثيرة للاهتمام في الفيلم، فهي إدراك "نادية" التدريجي أنها كفتاة قروية، وإن كانت أمل كلوني محاميتها، لن تتمكن بسهولةٍ من زحزحة البيروقراطية في العالم والخطط السياسية القاسية، وهذه النقطة تبلورت لدى إخبارها بأن الأمر يستغرق 10 سنوات قبل بناء القرى اليزيدية المدمرة وعودة اللاجئين إلى ديارهم.

أرى نفسي شخصاً بلا قيمة إلى أن يأتي اليوم الذي سيتم فيه تقديم الإرهابيين إلى العدالة

وتعليقاً على الفيلم، تقول المخرجة "بومباخ" إن هذا هو أصعب عمل قامت به على الإطلاق: "كان الأمر أشبه بفقداني بعض الإنسانية من خلال عدم وضع الكاميرا والتمكن من معانقة هذا الشخص، أي نادية مراد، التي قلما صوّرتها عدسة الكاميرات وهي تبتسم، لكونها تأخذ قضيتها على محمل الجدّ، وهي القائلة:" لم أترعرع لإلقاء الخطب أو للقاء قادة العالم... بغض النظر عمّا يعطيني العالم، أرى نفسي شخصاً بلا قيمة إلى أن يأتي اليوم الذي سيتم فيه تقديم الإرهابيين إلى العدالة".

وتلفت الصحيفة إلى أن الفيلم كان في البداية وثائقياً قصيراً. وحين أمضت المخرجة "الكساندريا بومباخ" بعض الوقت مع "مراد" قررت إعادة حساباتها: "عندما تعرفت إلى نادية، أدركت أن الأمر يحتاج إلى feature، لأننا لا نريد أن نكون مجرد شركة أخرى تروي قصتها"، كاشفةً أنها شعرت بالإحباط في بعض الأحيان لما واجهته مراد من ظلمٍ وتعذيب وإحراج على يد الصحافيين.

قررت "بومباخ" التركيز على "نادية مراد" كإنسانة وعمدت إلى تصويرها كشخصٍ يعيش حياةً طبيعية، إضافة إلى أنها فضلت استخدام التلميحات بدلاً من الغوص في تفاصيل العنف الجسدي الذي تعرضت له هذه الشابة:" نعلم أن آلاف النساء خطفهن داعش بهدف استعبادهنّ جنسياً، فلماذا نحتاج إلى سماع هذه التفاصيل الدموية؟"، مشددةً على أن الفيلم بالرغم من كونه مخصصاً لنادية وللإيزيديين، فهو يشمل الجميع "لأنه يجعلنا نفكر في خمولنا وتعاطفنا".

وتشير الصحيفة إلى أنه، بالرغم من وجود جوامع مشتركة بين "نادية مراد" و"ملالا يوسفازي"، الحائزة بدورها جائزة نوبل للسلام، بعد أن تعرضت لإطلاق النار على يد مسلحين وأصبحت ناشطة لتعليم الفتيات في باكستان، هناك نقاط اختلاف بين المناضلتين: "ملالا" تتمتع بالكاريزما التي تعشقها عدسات الكاميرا، وقوة "مراد" تكمن في تواضعها، إذ لا تهتم كثيراً بالملابس وبالماكياج كما أن صوتها قد يتحول إلى الهمس، ولكن من المؤكد أن إرادتها لن تتلاشى خاصةً بعد صرختها أمام الجمعية العامة:

"لم يُخلق هذا العالم لكم ولعائلاتكم فقط، نحن نريد أيضاً الحياة ومن حقنا أن نعيشها... إذا كان قطع الرؤوس وأخذ المرأة كعبدةٍ جنسيةٍ واغتصاب الأطفال وتشريد الملايين لن تحرككم، فمتى ستتحركون؟

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي