لماذا تفضل الطبقة الفقيرة التلفاز وفواتير الإنترنت على الطعام والشراب؟

لماذا تفضل الطبقة الفقيرة التلفاز وفواتير الإنترنت على الطعام والشراب؟

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، أراد «سنجاي» ابن رئيسة الوزراء وقتذاك «انديرا غاندي» تقليل الكثافة للسكانية للهند، فرفع شعار «أسرة قليلة أسرة سعيدة»، وبدأ في حث المواطنين على تحديد النسل من خلال قوانين تقوم على حوافز مالية كبيرة، ولكنه مع بطء الاستجابة أراد تفعيل ذلك بالقوة فما كانت النتيجة في نهاية عام 1976 سوى استجابة 21% من المواطنين، وحين تركت والدته الحكم تسارعت معدلات الإنجاب مرة أخرى.

هذا ما رصده الباحثان «بهيجت بانرجي» و«إستر دوفلو» لكنهما لم يتوقفا عند  فكرة النسل، بل كانت الفكرة أكبر وهي لماذا يرفض الفقراء الاستجابة للكثير من الأمور، باختصار لماذا ينجبون كثيرًا ويأكلون كثيرًا ويشترون الكماليات ولا يطيعون أوامر الحكام، والأهم كيف يمكن إقناعهم بالاستجابة، الأجوبة عن تلك الأسئلة استغرقت 15 عاماً من البحث في 5 قارات في الدول النامية والمتوسطة وكانت النتيجة في بحث معمق صدر في كتاب بعنوان «اقتصاد الفقراء... إعادة نظر في أساليب محاربة الفقراء».

نلقي اولًا الضوء على نسب الفقر في بعض الدول النامية، ورغم أن البنك الدولي تفاءل في عام 2015 بشأن انخفاض نسبة الفقراء بسبب النشاط الاقتصادي في دول شرق آسيا، إذ أوضح أن عدد من يعيشون في فقر مدقع في أنحاء العالم سينخفض على الأرجح دون الـ10 في المئة من سكان العالم.

لكن ذلك لم يحدث، فبنظرة بسيطة إلى الأرقام والإحصاءات الرسمية نجد أنه في عام 2017 تضاعف عدد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر ثلاث مرات لتصل لنسبة 83% مقابل 28% في عام 2010 بحسب تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة «الإسكوا».

أما في دولة مثل مصر الأكثر سكانًا في الوطن العربي، فبحسب جهاز التعبئة والإحصاء الرسمي فإن نسبة الفقر وصلت إلى 27.8% مقارنة ب26.3% عام 2012، وفي المجمل فقد قدر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن عدد الفقراء الذين يعانون فقراً مدقعاً في 10 بلدان عربية بلغ 38.2 مليون نسمة، بما يمثل 13.4 في المئة من السكان.

أقوال جاهزة

شارك غردالأثرياء يعتمدون على أموالهم ونظم التأمين التي يشتركون فيها ما يوفر لهم حماية في وقت الكبر، أما الفقير فليس له إلا الإنجاب لكي يجد ولدًا يستند إليه حين يكبر وبالتالي يرعاه.

شارك غردإذا تم وضع برامج ضمان اجتماعي جيد وعدم التفرقة بين الرجل والمرأة من ناحية العمل والحقوق المالية، فلن يضطر الفقراء إلى الانجاب كثيرًا لانهم مطمئنون أن هناك دولة ترعاهم عند الكبر.

كان المنطقي أنه مع ارتفاع نسب الفقر تقل نسب استخدام المواطنين لخدمات يعدها الكثيرون مجرد كماليات، وأبرز مثال على ذلك استخدام الانترنت والهواتف المحمولة، إذ كيف لمن يلاقي صعوبة في توفير الحاجات الأساسية من طعام وشراب أن ينفق على فواتير انترنت واتصالات، لكن الأرقام ايضًا تقول عكس ذلك، فالفقراء لم يمتنعوا عن الكماليات وظلوا يتمتعون بالحياة قدر المستطاع.

ففي العام الذي ارتفعت فيه نسبة الفقر في مصر 2017، بلغ عدد خطوط الهاتف المحمولة 96 مليونًا بزيادة قدرها مليون خط عن العام الذي سبقه بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أما مستخدمو الأنترنت فقد ارتفع عددهم لـ7 ملايين في عام واحد هو نفس العام 2017، ليكون العدد الكلي 33.19 مليون بحسب وزارة الاتصالات المصرية.

ووفق التقرير السنوي لمؤشرات المحمول لشركة «جوميا أيجبت» أوضحت أن هناك أكثر من مليار شخص في افريقيا اشتركوا في خدمات المحمول بنهاية عام 2015 من دول «كينيا - أثيوبيا- موزامبيق - غانا» وهي دول في مجملها نامية.

تلك الأرقام التي تبدو غير منطقية يفسرها مواطن يعيش في المغرب وردت قصته في كتاب ««اقتصاد الفقراء..إعادة نظر في اساليب محاربة الفقراء» حين سأله الباحثان لماذا تمتلك تلفازًا وأنت لا تستطيع توفير قوت يومك، فرد الرجل «التلفزيون أهم عندي من الأكل، الحياة في القرية تبعث على الملل ولذلك اقترضت من أجل شراء تلفاز ودش رغم أني أحلم ايضًا بحياة أفضل لأسرتي».

تلك الإجابة التي تكررت من أكثر من مواطن في أكثر من دولة ، دفعت الباحثين «بهيجت بانرجي» و«إستر دوفلو» لوضع أول أسباب رفض الفقراء للبعد عن كماليات الحياة والتي تتلخص في مقولة «كل الأشياء التي تجعل الحياة أقل مللًا تكتسب أولوية لدى الفقراء» ودللا على ذلك بإحدى قرى الهند التي لم يصل إليها أي إرسال تلفزيوني حتى منتصف الثمانينيات، فما كان من فقراء تلك القرية إلا اختراع الأعياد، بعضها ديني وآخر دنيوي وأنفقوا 14% من ميزانيتهم على تلك الأعياد، عكس دولة أخرى مثل نكارجوا، فكان 56% من المواطنين فيها يملكون تلفازًا، وبالتالي كان انفاقهم على الأعياد لا يتخطى 6%، الفقراء ليسوا جهلة لكنهم فقط يبحثون عن المتعة في الحياة.

للأغنياء أموالهم وللفقراء أولادهم

لا يتعلق الأمر بالكماليات فحسب، ففي أوائل التسعينيات وفي إحدى ضواحي الصين كانت هناك أزمة في الأرز الذي ارتفعت أسعاره، وما كان من مسؤول الضاحية إلا نصح المواطنين بتقليل كميات الأرز من أجل تحسين صحتهم والقدرة على العيش، وقتذاك خرج كل أهالي الضاحية وطاردوه بإلقاء الخضار عليه، تلك الواقعة تم ربطها في الكتاب بحوادث أخرى تحت عنوان لماذا يرفض الفقراء السياسات الغذائية الحديثة، والتي في الغالب تكون صحيحة من الناحية العلمية، لكن معظم الفقراء لا يتبعون أي نظام صحي.

الأمر له أسبابه، فمثلًا في تلك الضاحية وبحسب شهادات بعض سكانها، فإن الأرز يعد متعة لديهم في الطعام، فكيف يستغنون عنه، لا يهم أن يكون صحيحًا أو غير صحيح ولكن الأهم أن يكون مذاقه طيبًا، لكن في بلد مثل المغرب فإن الطعام له مفهوم آخر، فمعظم الفقراء يمتهنون مهنًا تعتمد في الأساس على صحتهم الجسمانية لا العقلية، وبالتالي هم يحتاجون للطعام الدسم أو على الأقل تناول الطعام ثلاث مرات بحد أدنى، كي يقدروا على القيام بأعمالهم، هذا مصدر رزقهم فلا يمكن إقناع العامل بتناول نصف ثمرة في الصباح ليخرج يحطم جدران أو يحمل بضائع، القاعدة الثانية لفهم الفقراء «نأكل لنقدر على العمل».

الفقراء لا يحتاجون من يقول لهم قراراتكم خاطئة بل يريدون من يتخذ قرارات تصب في مصلحتهم مباشرة

بنفس تلك النظرة فإنه من المستحيل أن تقنع الفقراء أن لا ينجبوا كثيرًا، فإن كان الأمر يتعلق بنظام حياة صحيح فإن للفقراء نظرية أخرى يكشفها الباحثان «بهيجت بانرجي» و«إستر دوفلو» من خلال أحاديثهما مع مواطنين في دول مثل تونس والجزائر، وهي أن للأغنياء أموالهم وللفقراء أولادهم، بمعنى أدق أن الأثرياء يعتمدون على أموالهم ونظم التأمين التي يشتركون فيها ما يوفر لهم حماية في وقت الكبر، أما الفقير فليس له إلا الإنجاب لكي يجد ولدًا يستند إليه حين يكبر وبالتالي يرعاه.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فإن تلك النظرية ذاتها هي من تجعل الكثيرين يصرون على إنجاب ذكور لا إناث، فالفقراء يرون أن الرجل فرصته أكبر في العمل وبالتالي يعود ذلك على والديه بالخير، بجانب قدرته على رعايتهما حين يكبران ولذلك سيظلان ينجبان.

الحلول لن تكون معقدة، يضع كتاب «إقتصاد الفقراء: إعادة نظر في أساليب محاربة الفقر» طرقًا محددة من خلال فهم كيف يفكر الفقراء، ففي البداية ليس هناك شيء اسمه جهل، فمثلًا إذا تم وضع برامج ضمان اجتماعي جيد وعدم التفرقة بين الرجل والمرأة في المجتمع من ناحية العمل والحقوق المالية، فلن يضطر الفقراء إلى الانجاب كثيرًا لانهم مطمئنون أن هناك دولة ترعاهم عند الكبر، هكذا ببساطة يمكن حل مشكلة كبيرة مثل الزيادة السكانية .

الفقراء ايضًا لا يحتاجون من يقول لهم قراراتكم خاطئة بل يريدون من يتخذ قرارات تصب في مصلحتهم مباشرة، وقتذاك، بحسب الباحثان «بهيجت بانرجي» و«إستر دوفلو» سيكون هناك اولًا ثقة بين الفقراء وحكوماتهم وهي ثقة ستؤدي إلى التعاون. وقد خلص الكتاب إلى أن الفقراء حاليًا يرون في كل ما تقوله دولهم مجرد تعليمات لن تنفعهم في شيء.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي