سعودة التعليم الخاص قد تطيح آلاف المدرّسين الأجانب

سعودة التعليم الخاص قد تطيح آلاف المدرّسين الأجانب

بشكل عاجل وخلال شهرين فقط، سيكون على المدراس الخاصة في السعودية أن تغير طواقمها التعليمية والإدارية بل حتى المشرفين بأخرى سعودية، بعد أن أصدر وزير التعليم السعودي أحمد العيسى قراراً يلزم المدراس بتوطين الوظائف الإدارية والإشرافية والتعليمية بشكل سريع، مؤكداً في تعميم أرسله للمدراس الخاصة والعالمية، أن الوزارة "رصدت قيام بعض المدارس الأهلية بتنظيم نشاطات تتعارض مع التوجهات الوطنية" نتيجة تأثير بعض المعلمين غير السعوديين. هذا القرار يجسد رغبة الوزير بدعم توطين الوظائف التعليمية والإدارية في قطاع التعليم الأهلي على نحو يسهم في جودة التعليم والتربية واستقرارهما.

وتزامن قرار وزير التعليم مع قرار متوقع لمجلس الشورى السعودي يوصي بمطالبة وزارة الخدمة المدنية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بسوق العمل للمساهمة في مكافحة البطالة، وبالأخص وظائف أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والوظائف الصحية. ومن المتوقع أن يناقش مجلس الشورى التوصيف الاثنين المقبل، وسط توقعات بأن تمر التوصية بالموافقة.

ومن شأن هذا القرار أن يساهم في توظيف أكثر من 20 ألف سعودي، فبحسب إحصاءات الهيئة العامة للإحصاء، يمثل الوافدون العاملون في التعليم الخاص أكثر من 44٪ من طاقم التدريس، من أصل نحو 19 ألف موظف يعلمون في نحو 10 آلاف مدرسة خاصة وعالمية، معظمهم من الذكور، غير أن مصادر لرصيف 22 في وزارة التعليم، أكدت أن العدد يصل لأكثر من 50 ألفاً، بعد احتساب الإطار الإداري والإشرافي.

القرار الصادر اليوم لم يكن مفاجئاً تماماً، فأكثر من مرة، ألمح وزير التعليم إلى أن هناك من يحاول أن يمرر أجندات خارجية للطلاب، متهماً معلمين "بتبني منهج الإخوان المسلمين، والمنهج السروري" اللذين تتهمهما السعودية بالمسؤولية عن ظهور التطرف وما يُعرف بالصحوة التي نشطت في الثمانينيات من القرن الماضي.

قبل ستة أشهر، شدد الوزير على أهمية مراجعة إجراءات تأييد التأشيرات الممنوحة للمدارس الأهلية والعالمية، والتأكد من عدم وجود من يتبنى الفكر الإخواني فيها.

وقبل نحو عامين، اتفقت وزارة التعليم مع وزارة العمل على فرض سعودة إجبارية على المدارس الأهلية بمختلف المراحل، ولكن هذا الاتفاق لم يتحول لقرار ملزم حتى اليوم، واكتفت وزارة التعليم بوضع تسعة ضوابط للتعاقد مع الوافدين في المدراس الخاصة، أهمها مطابقة التخصص مع المواد المراد تدريسها، وألا يقل مؤهل المدرس عن بكالوريوس تربوي، ولا يزيد العمر عن 65 عاماً، ومرور ثلاث سنوات على نهاية عقد عمل سابق في السعودية، ومنع التعاقد في التخصصات المتوافرة مثل اللغة العربية والتربية الإسلامية، والاجتماعيات، مع أهمية أن يجتاز المعلم الوافد اختباراً للقياس.

أكبر من توطين

يؤكد خبراء في التعليم لرصيف 22 أن للخطوة السعودية أهدافاً أبعد من التوطين، تكمن في محاربة الأفكار المتطرفة، التي يروج لها المتشددون.

ولا يخفي وزير التعليم ذلك، فسبق أن أكد في سبتمبر الماضي في مؤتمر صحفي أن وزارته تحاصر فئة قليلة من المعلمين الذين يحاولون تحويل الأنشطة الطلابية إلى منصة لتسويق أفكار تنظيم الإخوان، مشدداً على خلو المناهج الدراسية السعودية من أي إشكالات فكرية، وأن المشكلة تكمن في "النشاطات اللاصفية” (أي نشاطات خارج المنهج مثل المحاضرات والندوات الدينية والنشاط الاجتماعي) التي تقام في بعض المدارس.

وقد استبق الوزير السعودي قراره بإعادة صياغة المناهج الدراسية وتطوير الكتب المدرسية، وضمان خلوها من منهج جماعة الإخوان المحظورة، ومنع الكتب المحسوبة على هذه الجماعة وغيرها من حملة الأفكار المتشددة من جميع المدارس والجامعات، وإبعاد كل من يتعاطف مع الجماعة أو فكرها أو رموزها من أي منصب إشرافي أو من التدريس.

ويؤكد المختص في التعليم وليد المزيد أن الخطوات التي تقوم بها الوزارة "تهدف لنشر الإسلام الوسطي، بعيداً عن التشدد". يقول لرصيف 22 :"قد تكون هناك صعوبات في توفير المعلمين السعوديين بسرعة، خاصة في ظل المشاكل التي يعانيها المعلمون في المدراس الخاصة، والتي ترتبط بضآلة الرواتب التي لا تتجاوز 25٪ من الرواتب التي يحصل عليها المعلمون في القطاع الحكومي". ويضيف :"لكن رغم كل هذه الصعوبات، هي خطوة ضرورية، وحاسمة، فما زال الفكر الإخواني يستحوذ على التعليم الخاص، لوجود عدد كبير من المعلمين الوافدين الذيي يمررون أفكارهم للطلاب. لا يهم تنقية المناهج فقط، لا بد من تنقية من يدرسها أيضاً".

تنفيذ صعب

تعترف وزارة التعليم بأن تنفيذ القرار لن يكون سهلاً، إذ سبق أن أكد مدير التعليم الأهلي في المنطقة الشرقية عوض المالكي أن نسبة الأجانب في المدارس الأهلية لا تتجاوز 75٪، خاصة في مدراس الذكور، لأن هناك الكثير من المعوقات التي تقف أمام ذلك.

هذا ما يؤكده أيضاً مدير المدرسة السابق ماجد الجبر، الذي يشدد على أهمية أن يكون هناك ترغيب أكبر للسعوديين للعمل في هذا المجال، ويقول لرصيف 22 :"قرار وزير التعليم، وإن كان سيفيد في مجال التوطين، سيواجه بالكثير من المشاكل، فهناك عزوف عن العمل في هذه المدراس لضعف الرواتب وزيادة الضغوط فيها بشكل لا يناسب الجهد المبذول، ولا يزيد راتب المعلم عن 800 دولار فقط، وفي بعضها أقل من ذلك بكثير". ويضيف :"إذا كانت الوزارة حريصة على تنقية التعليم من الأفكار المتطرفة، عليها أن تساهم في دعم رواتب المعلمين، ومراقبة المدراس كي لا تكون بيئة طاردة للمعلمين. هناك استغلال كبير فيها ولا بد أن تقوم الوزارة بدورها في هذا الجانب. لا يكفي تعميم واحد لحلها".

في اتجاه معاكس، يتخوف المعلم المتقاعد فهد الرويشد من أن يؤدي قرار الوزارة بإضعاف التعليم السعودي، لأنه سيكون في اتجاه واحد فقط، ويقول لرصيف22:"محاربة الأفكار غير الجيدة لا تكمن في المنع فقط، لأن هذا سيقود الطلاب للبحث عنها ولو من باب الفضول، كما أن التعليم لا بد أن يكون مفتوحاً لكل الأفكار". ويضيف :"الأولى كان التحذير من الأفكار المتطرفة، وبيان خطرها على الطلاب، لا محاربة أرزاق المعلمين، فالقرار لم يمهلهم حتى لترتيب أمورهم سوى  شهرين للإحلال، وهذا فيه صعوبة كبيرة على المعلم الذي ترك بلاده وجاء للعمل بناء على عقد رسمي، وعلى المدارس التي يجب أن تغير طواقمها التعلمية خلال فترة قصيرة جداً، كل هذه الأمور ستهز العملية التعليمية في أكثر من 10 آلاف مدرسة تضم نحو نصف مليون طالب، كان من الأولى أن يسير القرار على نحو تدريجي".

أقوال جاهزة

شارك غردبشكل عاجل وخلال شهرين فقط، سيكون على المدراس الخاصة في السعودية أن تغير طواقمها التعليمية والإدارية بل حتى المشرفين بأخرى سعودية

شارك غرديؤكد خبراء في التعليم لرصيف 22 أن للخطوة السعودية أهدافاً أبعد من التوطين، تكمن في محاربة الأفكار المتطرفة، التي يروج لها المتشددون.

جدل واسع

على موقع التدوين المصغر تويتر، تفاعل السعوديون مع القرار الوزاري، وسارت معظم التغريدات بين مؤيدة ومشككة في قدرة المدراس على تنفيذه. أكد عبدالله البلوي أن ضعف الرواتب سيكون عائقاً كبيراً، وكتب :"الراتب الآن فقط 2500 ريال ومع الاجازات يتوقف تماماً، كيف سيُعيل أسرته؟، سابقاً كانت الموارد البرية تدعم 3000 فيصبح صافي الراتب 5000 لكن الآن سحبت دعمها، داخل كل المدراس الأهلية عصابات عنصرية قذرة وتعامل سيىء ضد السعودي".

في الإطار نفسه، تخوف سعيد آل عائض من أن يؤدي القرار لزيادة الرسوم التي تضاعفت أخيراً بشكل كبير، وكتب :"احدى مميزات #المدارس_الأهلية هي عدم سعودتها حتى الآن وأي قرار بذلك سيؤدي إلى ارتفاع للرسوم مع انخفاض جودة التعليم".

وهو ما ذهب له معرف كزوز الذي اعتبر أن سعودة المعلمين لن تكون أمراً سهلاً، وكتب :"الوظائف الإدارية فقط، مدير، وكيل، مرشد، رائد نشاط أما المعلمون فمستحيل في الوقت الحالي".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

كلمات مفتاحية
التعليم السعودية

التعليقات

المقال التالي