المحتلُّ في المطبخ: كيف نهبت إسرائيل المطبخ الفلسطيني؟

المحتلُّ في المطبخ: كيف نهبت إسرائيل المطبخ الفلسطيني؟

"المطبخ الإسرائيلي الحديث يحقّقُ نجاحاً باهراً في باريس"، هكذا عنونت صحيفةُ "لوفيغارو" الفرنسية تقريرَها الصادر في 28 سبتمبر 2018، ممجدةً عبقريةَ ما سمَّته "الأطباق الإسرائيلية" واصفةً إيّاها بأنها "أطباقٌ شهيةٌ حملت معها ريحاً ساخنةً هبّت من الشرق الأوسط"، متجاهلةً قصداً أو عن جهل أن الأطباقَ الإسرائيليةَ التي ذكرتها هي أطباقٌ فلسطينيةٌ، قادمةٌ من العمق الثقافي الفلسطيني الممتدةُ جذورُه لقرون.

 

مزة، حمص، بابا غنوج، عرايس، شاورما، كباب، حلوم، مشوي منجل، شكشوكة، لحمة، طحينة، تبولة، إلخ، جميع هذه المفردات العربية (بعضها أصله تركي)، وضعتها لوفيغارو كما هي لكن بالأحرف اللاتينية محافظةً على التسمية ذاتِها، مع ذلك تصرُّ الصحيفة أنها "إسرائيليةٌ"، فتارةً تمدح "عبقريتها" وتارةً أخرى تثني على الخلطة العجيبةِ التي تقدمها المطاعمُ "الإسرائيليةُ السخيةُ" في باريس.

فبعد الاستيلاءِ على أراضي الفلسطنيين، استولت إسرائيلُ على المطبخ الفلسطيني، وعلى اللّباس الفلسطيني المطرَّز كذلك، لتنسبَهما بكلّ تعجرفٍ لنفسها. فقبل سنواتٍ قليلةٍ نهبتْ شركةُ الطيران الإسرائيلية "العال" التطريزةَ الفلسطينيةَ الشهيرة لتوشّيَ بها زيَّ مضيفاتِ الطيران العاملات على متنِ  خطوطها.

احتلالٌ عسكريٌّ وثقافيٌّ وتراثي يحدث في فلسطين منذ سبعين عاماً، لم تنتبه له "لوفيغارو" فها هي تروّجُ له على أنه "تراثٌ إسرائيليٌّ لذيذ" داعيةً سكان باريس إلى تذوق تلك الأطباق المنهوبةِ من أرففِ المطبخ الفلسطيني، مقدمةً عناوينَ أشهر المطاعم الإسرائيلية في العاصمة باريس، مع نبذةٍ عن "كارت" كل مطعمٍ، وأبرزِ أطباقه.

المقلوبة، ذلك الطبقُ الفلسطينيُّ الشهي المكونُ من طبقاتٍ متجانسة من الأرز ولحم الدجاج المتبل والمكسرات، نسبتْهُ إسرائيلُ لنفسِها، وسوَّقته على أنه من تراثها، ستجده في مطاعمَ إسرائيليةٍ في لندن أو باريس. ولأنّ يدَ إسرائيل في الإعلام الغربي طويلةٌ، فلقد شاركت عناوينُ صحفيةٍ أمريكية وبريطانية وفرنسية كذلك بالترويج لذلك الطبق على أنه "فخر الأكل الإسرائيلي".

 

أما الشكشوكة ذات الأصول شمال أفريقية (في تونس تحديداً لا تزال تحمل الاسم ذاته) فلقد حملها يهودُ تونس بعد هجرتهم الجماعية عقب نكسة 67، إلى الأراضي المحتلة وإلى المدن الأوروبية (خصوصاً فرنسا) والأمريكية.

أقوال جاهزة

شارك غردقبل سنواتٍ، ادعت إسرائيل أن "الحمصَ" طبقٌ إسرائيليٌّ بل "وطني"، وذهبت جهاتٌ إسرائيليةٌ إلى حدّ إطلاق "يوم الحمص العالمي"، الذي يوافقُ تاريخ 13 مايو (أيّار) من كل عام.. والآن "لوفيغارو" تدعو سكان باريس إلى تذوق الأطباق الإسرائيلية المنهوبةِ من أرففِ المطبخ الفلسطيني

شارك غردسندويتش الشاورما، أو طبقُ المقلوبة، أو قطعةُ الفلافل أو صحنُ الحمص، هي أطباقٌ مقاوِمةٌ في وجه محتلٍّ دلَّسَ التاريخ ونهبَ الجغرافيا واستولى على قصصِ الأنبياء وسجَّلها باسمه في اليونسكو، وتوغلَ في التراث الفلسطيني لينهبَ منه كلَّ مرةٍ قطعة، كما يليق بمجرمٍ محترفٍ، أفلتَ من العقاب مراراً

حرب الحمص

حرب المطابخ، التي تشنّها إسرائيلُ منذ احتلال فلسطين عام 1948، تشمل الحمصَ والفلافل والمسخن والمقلوبة، وهي أطباقٌ فلسطينية، حملها اليهودُ العرب معهم إلى دولٍ أخرى وروجوا لها على أنها "إسرائيليةٌ".

هذه الحربُ تسربت إلى أعمدةِ الصحف، فتارةً ينصفون الفلسطينيين فيعيدون ما لقيصر لقيصر وتارةً أخرى يساهمون بسخاءٍ في تكريس الاحتلالِ حين ينسبون أكلاتٍ عربيةً لإسرائيل.

قبل سنواتٍ، ادعت إسرائيل أن "الحمصَ" طبقٌ إسرائيليٌّ بل "وطني"، وذهبت جهاتٌ إسرائيليةٌ إلى حدّ إطلاق "يوم الحمص العالمي"، الذي يوافقُ تاريخ 13 مايو (أيّار) من كل عام، مستغلةً نفوذَها التجاري والإعلامي في العالم. كذلك فعلت مع "الشكشوكة" فخصصت لها "أسبوع الشكشوكة" الذي يُقامُ في شهر ديسمبر من كلّ عام.

حتى الكسكسي الأمازيغي صار إسرائيلياً

قبل عشرين سنةً، أطلقت بلدةُ سان فيتو لوكابو التابعةُ لمدينةِ باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، مهرجاناً يحتفي بطبقِ الكسكسي المُسمَّى في فلسطين "مفتول" وهو طبقٌ من أصلٍ أمازيغي منتشرٌ منذ القدم في دول شمال أفريقيا. فكرةُ المهرجان تقوم على تنافس طهاةٍ من مدن مختلفة من البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وآسيا بل حتى الولايات المتحدة كذلك على إعداد أفضلِ طبقِ كسكسي.

تشارك فلسطينُ كلَّ عامٍ في هذا المهرجان بأطباق من "المفتول"، لكن إسرائيلَ تشارك كذلك في المهرجان ذاته، بل فازت بأفضل طبق كسكسي عام 2000، لكن في تلك الدورة أتت بيهودَ من شمال أفريقيا لإعداد الكسكسي الذي دخلتْ به المنافسة.

نهبٌ ممنهج

لم تتردَّد وزارةُ السياحة في إسرائيل بتنظيم عمليةٍ دعائيةٍ كبيرة في بريطانيا عام 2015 وزعت خلالها كتاباً للطبخ يحمل اسمَ "المذاق الإسرائيلي"، ضم عددًا من الأكلاتِ الفلسطينيةِ والعربية قدمتها السلطاتُ الإسرائيلية على أنها "تراثٌ إسرائيلي". ليست القصةُ في أن يمدَّ الاحتلالُ يده إلى الرف ويختلس، ويأكل فقط بل في مدِّ جذورِ الاحتلال الثقافي، وطمسِ الهوية الفلسطينية العربية، وكأنه تطهيرٌ ممنهجٌ.

إسرائيل المستاءةُ من حصول فلسطينَ على عضوية اليونسكو عام 2011، مُتَّهمةً المنظمةَ بالتسييس، تعي تماماً أن الوجودَ الفلسطينيَّ في اليونسكو يفتح البابَ أمام حمايةِ التراث الفلسطيني ومن ضمنه المطبخُ الفلسطيني ومحاسبةِ من يسرقه، بعد أن بقيَ السارقُ عقوداً طليقاً.

الاستياءُ الإسرائيلي بلغَ مداه، حين صوتت اليونسكو عام 2017 لصالح قرارٍ يؤكد أن إسرائيلَ تحتلُّ مدينةَ القدس وليس لها في البلدة القديمة أيُّ حقّ، ويشمل القرار كذلك اعتبارَ المقابرَ في مدينة الخليل وفي بيت لحم  في الضفة الغربية مقابراً إسلامية.

أطباق المقاومة

تقديمُ أشهر الأطباق الفلسطينية على أنها إسرائيليةٌ، لا يمرُّ مرور الكرام على موقع التواصل تويتر، ففي كل مرةٍ ينشر فيها إسرائيليٌّ أو إسرائيليةٌ صورةً لأكلة فلسطينية مدعياً أنها إسرائيلية، تهبُّ جموعُ المغردين العرب من المحيط إلى الخليج، لشتمِ المدّعي، أو المدّعية، في ما يشبه الحربَ الافتراضية ضد المحتل.

سندويتش الشاورما، أو طبقُ المقلوبة، أو قطعةُ الفلافل أو صحنُ الحمص، هي أطباقٌ مقاوِمةٌ في وجه محتلٍّ دلَّسَ التاريخ ونهبَ الجغرافيا واستولى على قصصِ الأنبياء وسجَّلها باسمه في اليونسكو، وتوغلَ في التراث الفلسطيني لينهبَ منه كلَّ مرةٍ قطعة، كما يليق بمجرمٍ محترفٍ، أفلتَ من العقاب مراراً.

وجدان بوعبدالله

صحافية تونسية خريجة قسم الإعلام السياسي من معهد الصحافة في تونس. عملت بوكالة الأنباء التونسية والجزيرة نت وموقع 24 الإماراتي وقناة الآن.

التعليقات

المقال التالي