غفوات النهار ونوم الليل: لتتغلغل الراحة في نفسيتنا وصحتنا وطاقتنا الإبداعية

غفوات النهار ونوم الليل: لتتغلغل الراحة في نفسيتنا وصحتنا وطاقتنا الإبداعية

هناك اعتقادٌ سائدٌ بأنّ النوم عبارة عن خمول في الوظائف الجسديّة والعقليّة، إلّا أنّنا، إذا رجعنا إلى الأبحاث العمليّة، نوقن أنّ النوم لا يَنتج بالضرورة عن التعب، بل هو ظاهرة طبيعيّة من الاسترخاء تهدف إلى إعادة تنظيم نشاط الدماغ والجسد.

إنّ النائم يمرّ خلال نومه بمراحل مختلفة لكلّ منها دورها. فكما هو معروف يكون النوم في المرحلتين الأولى والثانية خفيفاً، أما المرحلتان الثالثة والرابعة فتُعرفان بالنوم العميق، ومهمتهما إعادة النشاط إلى الجسم.

وبعد حوالي التسعين دقيقة تبدأ مرحلة الأحلام أو ما يُعرف بمرحلة حركة العينين السريعة، وهذه المرحلة مهمة لاستعادة الذهن لنشاطه (يمكن الاطلاع على الموضوع في كتاب هيثم الورداني، كتاب النوم).

وفي دراسة للمركز الوطني للإحصاءات الصحيّة بالولايات المتحدة الأمريكية، ظهر أنّ اثنين من بين كل عشرة أشخاص ينامون أقلّ من 6 ساعات في الليلة، وشخص واحد من كل عشرة أشخاص ينام 9 ساعات أو أكثر في الليلة (يمكن الاطلاع على تحليل الدراسة في كتاب سارة نور الدين، النوم خبايا وأسرار).

وأشارت هذه الدراسة إلى أنّ لا علاقة مباشرة لعدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان إذا كان طبيعيّاً، بإنتاجيته وإبداعه. ومثالٌ على ذلك، فإنّ نابليون وأديسون كانا من أصحاب النوم القصير في حين أنّ العالم آينشتاين كان من أصحاب النوم الطويل.

إلّا ان دراسة أخرى أجرتها National Sleep Foundation استغرقت عامين، حدّدت فيها ساعات النوم "الضروريّة" لكل فئة عمريّة حتى يتسنى للشخص العيش بطريقة صحيّة ومنتجة. وقد أشارت هذه الدراسة إلى أنّ الأشخاص من عمر 26 عاماً وما فوق يحتاجون بين 7 و9 ساعات نوم يوميّاً.

وتناولت أيضاً ساعات النوم المطلوبة للمواليد الجدد والأطفال، كما ركّزت على المراهقين مشددة على أنّ ساعات نومهم يجب أن لا تقلّ عن الثماني يوميّاً حتى يتمكنوا من الحفاظ على درجة جيّدة من التركيز.

كم ساعة ينام المراهق وهل هي كافية؟

في بحث أجريناه على 100 مراهق تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً أظهر أنّه خلال أيّام الدراسة، 32 منهم فقط ينامون ثماني ساعات يومياً في حين أنّ 55 ينامون بين ست وسبع ساعات، و13 مراهقاً من العيّنة ينامون أقلّ في ست ساعات.

أمّا عندما سألناهم عن عدد ساعات نومهم أيام الإجازة وفي الصيف، فقد وجدنا أنّ ثمانين بالمئة منهم ينامون أكثر من ثماني ساعات. وهذا يدلّ على أنّهم يحتاجون إلى هذه الكميّة من ساعات النوم.

وردّاً على سؤال عن السبب الذي يحول دون نومهم الساعات الكافية أيام المدرسة، تبين أنّ غالبيتهم لا يستطيعون النوم باكراً مقابل اضطرارهم إلى الاستيقاظ باكراً للذهاب إلى المدرسة.

وقد تطابقت نتائج دراستنا المحلية مع نتائج مسح أُجري في الولايات المتحدة الأميركية عام 2016: (“Sleepiness as a Pathway,"  Sleep Health, Vol. 4, Issue 5, pp. 405–412")، إذ أظهرت الأرقام أنّ أكثر من ربع المراهقين في الواقع ينامون ما معدّله 6.5 ساعات يومياً.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة اتخاذ بعض الخطوات لإفساحاً المجال أمام المراهقين للنوم ساعات أكثر. فمن المفيد مثلاً تعديل دوام الدراسة لجهة تأخير ساعات بدء الصفوف، وعدم إجراء الامتحانات في أوقات مبكّرة كما يحصل عادة. وقد تكون هذه الإجراءات ضروريّة لأنّ بعض الأسباب التي تحول دون نوم المراهق باكراً تعود إلى عوامل بيولوجيّة طبيعيّة.

أقوال جاهزة

شارك غرد نمرّ خلال نومنا بمراحل مختلفة لكلّ منها دورها، وبعد حوالي التسعين دقيقة تبدأ مرحلة الأحلام...

شارك غردعلى عكس ما هو شائع، لا علاقة لعدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان إذا كان طبيعيّاً، بإنتاجيته وإبداعه

لماذا لا ينام المراهق الفترة اللازمة؟

كلّ إنسان لديه ما يُعرف بالساعة الحيويّة أو البيولوجيّة التي تنظّم وقت النوم، ووقت الشعور بالجوع والعطش ووقت التغيرات في مستوى الهرمونات وفي درجة الحرارة في الجسم.

وفي هذا السياق يقول الخبراء إنّه خلال سنوات المراهقة، ترتبط عمليّة النوم بإيقاع الساعة البيولوجيّة في الجسم التي تقوم تلقائياً بتعيين ساعة نوم الشخص وساعة استيقاظه، ويلفتون إلى أنّ سبب تأخّر المراهقين في النوم يعود في الحقيقة إلى إنتاج الدماغ في هذه المرحلة العمريّة لهرمون الميلاتونين (melatonin) في وقت متأخر من الليل، وهذا ما يجعل من مسألة خلود المراهق إلى النوم في وقتٍ مبكر أمراً صعباً للغاية ومعلوم أنّ الميلاتونين هرمون يسبّب الإحساس بالنعاس أثناء الظلام، ويساعد على النوم.

ويترافق هذا التغيير في الساعة البيولوجيّة لدى المراهق مع تكاثر الضغوطات عليه، أو ما يُعرف بأزمة المراهقة وما تتضمّنه من اضطرابات نفسيّة وسلوكيّة وسوء التكيّف الدراسي والعائلي بالاضافة إلى أزمة تحديد هويّته مما يشعره في معظم الأحيان بالأرق.

بالمقابل هناك عوامل إراديّة لتأخّر المراهق بالنوم؛ ومنها اعتباره أنّ المذاكرة في الليل أو قضاء وقت مع الأصدقاء أو التحدّث معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو اللعب على ألعاب الفيديو حتى ساعات متأخّرة أهم من النوم المبكّر.

وفي هذه الحالات يتعرّض المراهق للضوء لفترة كبيرة بفعل سهره واستعماله الحاسوب والهاتف الخليوي مما يخفّض مستوى هرمون الميلاتونين وبالتّالي يدفعه إلى عدم القدرة على النوم بسرعة متى أراد ذلك. كما أنّ للدوام المدرسيّ المبكر عادةً دوراً رئيسيّاً في افتقار المراهقين لساعات النوم الوافية.

via GIPHY

كيف نعرف أنّ لقلّة النوم مضاراً صحيّة ونفسيّة

أظهرت دراسة أميركيّة حديثة أجراها باحثون في مستشفى ماساتشوستس (Massachusetts) بالولايات المتحدة الأميركية، ونُشرت نتائجها في حزيران 2018 في مجلّة (Pediatrics) العلميّة، أنّ قلّة النوم عند المراهقين لا تؤثّر في تركيزهم ونفسيتهم وقدرتهم على التحمّل فحسب، إنما تؤثّر في صحة أجسامهم أيضاً، إذ يميل المراهقون الذين لا يحظون بساعات نوم كافية (أي أقل من 8 ساعات) إلى اختيار الأطعمة الغنيّة بالدهون والمليئة بالسعرات الحراريّة لتزويد أنفسهم بالطّاقة والنشاط، على حساب التغذيّة الصحيّة الضروريّة لهم.

وأضافت هذه الدراسة أنّ معظم هؤلاء المراهقين يصابون بالسمنة الزائدة، وقد يتعرضون لأمراض في القلب ولارتفاع في ضغط الدم وفي مستويات الكولسترول. وقالت الباحثة إليزابيث فيليسيانو، قائدة الفريق: "إنّ مقدار النوم ونوعيته هما عنصران أساسيّان لركائز الصحة العامّة إلى جانب النظام الغذائي والنشاط البدني".

أما على صعيد الصحة النفسيّة فقد أظهرت دراسة أمريكيّة أخرى أجراها باحثون في جامعة بيتسبرغ (Pittsburgh)، أنّ نقص عدد ساعات النوم ليلاً، يمكن أن يسبّب مخاطر كبيرة على الصحة العقليّة للمراهقين، ويساهم في زيادة اكتئابهم، كما قد يودي بهم في بعض الأحيان إلى الإدمان.

وجاءت هذه النتائج بعدما أجرى الباحثون اختباراً على 36 مراهقاً. وقد نام نصف المشاركين لمدة 10 ساعات، في حين نام النصف الآخر فقط 4 ساعات ليلاً لمدة يومين. وبعد أسبوع عاود المشاركون التجربة، لمدة ليلتين أخريين، لكن كان ذلك بشكل معكوس، فقد نامت المجموعة الأولى 4 ساعات، فيما نامت المجموعة الثانية 10 ساعات.

وبعد كلّ تجربة قيّم الباحثون المشاركين عبر أسئلة تقيس مستوى أدائهم العقلي ومدى تعرّضهم لأعراض الاكتئاب، فوجدوا أنّ نقص معدّلات النوم ليلاً أثّر سلباً على مزاجهم وقدرتهم على التركيز.

وقد تطابقت إجابات عيّنة دراستنا مع نتائج هذا البحث العلمي، إذ أكد ستة وسبعون مراهقاً أّنهم يحسّون بالإحباط والانزعاج والغضب وعدم الرغبة في الاستماع إلى الأساتذة عندما يستيقظون باكراً.

ومن هنا قد نستنتج أنّ نقص النوم يسبّب نقصاً في التركيز، ومن ثمّ قد يؤدّي إلى تدهور في التحصيل العلمي، وإلى زيادة في الاضطرابات السلوكية عند المراهق. وفي بعض الحالات اذا استمر هذا النمط من الحياة اليوميّة، من الممكن أن يهدّد مستقبل المراهق التعليمي وبالتّالي المهني.

via GIPHY

حلول بسيطة!

قبل تفاقم المشكلة من الممكن بحسب الأطباء إيجاد حل لاضطرابات النوم عند المراهق. ولكن هذه الحلول تحتاج في البداية إلى وعي المراهق وأهله إلى خطورة قلّة النوم، وإلى ضرورة الانتظام والمثابرة في علاج هذه "الأزمة".

ومن الخطوات البسيطة لتحفيز أيّ إنسان على النوم، بغضّ النّظر عن عمره:

  • وجوب الاسترخاء قبل وقت النوم بساعة أو ساعتين.
  • الحدّ من الأنشطة التي تحفّز عمل الدماغ؛ مثل العمل على الكمبيوتر أو الحديث عبر الهاتف أو ألعاب الفيديو..
  • إبعاد جهاز التلفزيون من غرفة النوم.
  • إطفاء الانوار حتى يتسنى لهرمون الميلاتونين العمل وبالتالي دفعنا إلى الشعور بالنعاس.
  • عدم تعويض نقص نوم الليل بغفوات طويلة في النهار، لأنّ ذلك من شأنه أنّ يزيد المشكلة ويسبّب عدم القدرة على النوم بالليل، وإن كان لابد من الغفوة فيجب ألا تزيد عن نصف ساعة.
  • عدم الإكثار من تناول ما يُعرف بـ"المنبهات"، لاسيما في ساعات بعد الظهر لأنّ مفعولها قد يستمر حتى الليل ويسبّب عدم القدرة على النوم.

الوعي لمخاطر قلّة النوم عند المراهق بات أمراً ضرورياً مع تزايد العوامل المحفّزة على السهر. فهل نستجيب لنصائح الباحثين والأطباء؟

غادة عزام

غادة عزام رئيسة تحرير في تلفزيون المستقبل. تحمل بكالوريوس في الإعلام والاتصالات من الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، وشهادة ماجستير في التربية من جامعة القدّيس يوسف في بيروت. حاصلة على شهادة تقدير في اليوم العالمي للمرأة، وجائرة "المرأة تصنع الأخبار" من منظمة اليونسكو

التعليقات

المقال التالي