مقتل شابة بالرصاص يثير غضباً عارماً... ماذا يحدث في المغرب وما قصة "الفانتوم" الإسباني؟

مقتل شابة بالرصاص يثير غضباً عارماً... ماذا يحدث في المغرب وما قصة "الفانتوم" الإسباني؟

يبدو أن السلطات المغربية قد ضاقت ذرعاً من موجة الهجرة غير الشرعية التي تزايدت وتيرتها بشكل غير مسبوق في المغرب منذ مطلع شهر سبتمبر، ففي تطور مثير، أطلقت القوات البحرية المغربية النار على مهاجرين مغاربة كانوا على متن قارب مطاطي، ما أدى إلى وفاة شابة بالكاد تبلغ عشرين عاماً، وإصابة ثلاثة شبان آخرين، اثنان منهم تم نقلهم إلى مستشفى مدينة الفنيدق شمالي المغرب، في حين تم نقل الآخر على وجه السرعة إلى العاصمة الرباط لتلقي العلاجات الضرورية بعدما فقد إحدى ذراعيه بفعل الطلقات النارية.

وإلى حدود الآن، لم تظهر بعد الملابسات الحقيقية للحادث الذي تسبب في مصرع شابة مغربية كانت تطمح في الوصول إلى الضفة الإسبانية؛ خصوصاً لجهة استعمال الرصاص الحيّ تجاه مواطنين عزل.

مقتل شابة بالرصاص يثير غضب المغاربة

بكثير من الاستهجان، تفاعل المغاربة مع قرار السلطات إطلاق النار على مواطنين عزل كانوا يحاولون الوصول إلى إسبانيا على متن زورق.

على مواقع التواصل الاجتماعي، أجمعت التعليقات على ضرورة فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات وجبر الضرر، خصوصاً وأن الشابة حياة بلقاسم، التي فقد حياتها بعدما أصيبت بثلاث رصاصات، كانت المعيل الوحيد لأسرتها الفقيرة، واقتصر حلمها على الوصول إلى الديار الإسبانية لمساعدة والديها وإخوتها الذين يعيشون ظروفاً اجتماعية صعبة.

من جهته، أصدر فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مدينة المضيق بلاغاً يؤكد فيه بأنه سيواصل تحرياته لمعرفة ملابسات استعمال الرصاص الحي تجاه مواطنين عزل؛ وهو ما أشارت إليه رئيسة فرع الجمعية في مدينتي المضيق والفنيدق كريمة العياشي في اتصال هاتفي مع رصيف22، مؤكدة أنها تُتَابعُ تطورات هذا الملف منذ علمها بالخبر.

وأوضحت العياش أنها تواصلت مع الجهات المسؤولة في المنطقة لمعرفة حيثيات الحادث، مضيفة أن السلطات قد باشرت التحقيقات مع أحد الشبان المصابين أثناء إطلاق النار برفقة سائق المركب الإسباني الجنسية، الذي لم يُصَبْ بأي جروح أثناء التدخل، فيما لم يتمكن ممثلو الجمعية من التواصل مع الشبان المصابين بسبب التعليمات الأمنية التي تمنع أياً كان من الاقتراب منهم قبل مباشرة التحقيق معهم.

ابن عم الملك: حذار من الانزلاق

بعد الحادث، نشر الأمير هشام بن عبدالله العلوي، ابن عم العاهل المغربي محمد السادس، تغريدة على حسابه على موقع "تويتر"، وصف فيها الحادث بـ"المأساوي".

الأمير المغربي، الذي طُلِبَ منه الابتعاد من محيط ابن عمه الملك ليختار الاستقرار في الديار الأمريكية، اعتبر في تغريدته أن ما وقع "هو مظهر آخر للأزمة الاجتماعية، وانتقال للاحتجاج المُطالب بالعيش الكريم إلى الهجرة"، موضحاً أن المغرب "أمام احتجاج من البر إلى البحر".

وفي الوقت الذي أشار الأمير إلى أن حماية الحدود المغربية "واجب وطني"، وأن القوات البحرية قد التزمت بقانون إجراءات التحذير ضد الزورق، لم يتردد في التساؤل حول ملابسات استعمال الرصاص الحيّ، معتبراً ذلك "تطوراً مقلقاً يدعونا إلى التأمل العميق لتفادي الانزلاق".

بنكيران: الوضع في البلاد ليس على ما يرام

رئيس الحكومة المغربي السابق عبد الإله بنكيران، الذي أقيل من مهامه في مارس 2017، اعتبر في تصريح أدلى به لوسائل الإعلام الأسبوع الماضي، على هامش حضوره فعاليات المجلس الوطني لحزب "العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة منذ عام 2011، أن "إلقاء الشباب بأنفسهم في البحر أمر محرج وصعب للغاية، يُعبِّرُ عن فشل ذريع للدولة".

بنكيران، المعروف بمواقفه المثيرة للجدل في الحقل السياسي المغربي، ذهب إلى درجة القول "حرام أن نتركهم هكذا، لا بد أن نجتهد ونجد حلاً لهذه المعضلة، ولو اقتضى الأمر أن نوزع أموالنا نحن المغاربة بالتساوي لكي لا يقع هذا الذي يقع اليوم".

لكن ما الذي يحدث بالضبط؟

مع حلول شهر سبتمبر، وبدون سابق إنذار، عادت ظاهرة الهجرة السرية أو "الحْرِيكْ" كما يسميه جُلُّ المغاربة، بقوة إلى شمال البلاد.

فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، تُظهِر عدداً من الشباب، ذكوراً وإناثاً، وحتى أطفال، وهم على متن قوارب سريعة في وضح النهار، بهدف الوصول إلى الجنوب الإسباني لمعانقة "الحلم الأوروبي".

أقوال جاهزة

شارك غردالتطور المثير الذي استفزَّ السلطات المغربية، كان تجمع عشرات الشباب على شاطئ مدينة مارتيل بانتظار قدوم زوارق سريعة تُقِلّهم "مجاناً" إلى الجنوب الإسباني، حتى أنهم رفعوا شعارات من قبيل "الشعب يريد الهجرة مجاناً"

شارك غردمن يقف وراء هذه العمليات؟ من يملك هذا "الشبح" الذي يقطع المسافة بين المغرب وإسبانيا في ظرف عشرة دقائق؟ وأسئلة أخرى تُطرح بعد تصاعد غير مسبوق لوتيرة الهجرة من المغرب إلى إسبانيا

فيديوهات المغاربة ارتفعت وتيرتها إلى درجة أن بعض الشباب استعملوا تقنية "اللايف" (البثّ المباشر) على فيسبوك وهم يركبون البحر باتجاه إسبانيا، مُوجِّهين دعواتهم إلى باقي الشباب من أجل "الهروب" من المغرب في ظل اتساع رقعة الفقر والهشاشة والبطالة.

لكن التطور المثير الذي استفَزَّ السلطات المغربية، كان تجمع عشرات الشباب على شاطئ مدينة مارتيل، مساء السبت الماضي، بانتظار قدوم زوارق سريعة تُقِلّهم "مجاناً" إلى الجنوب الإسباني، حتى أنهم رفعوا شعارات من قبيل "الشعب يريد الحْرِيكْ فابور" (أي الشعب يريد الهجرة مجاناً) أمام أعين قوات الأمن التي وصلت بسرعة إلى المكان لمعاينة الوضع.

ووفق ما كشفه شاب في بداية عقده الثاني، في حديث مع رصيف22، فقد سمع أهالي المدينة أخباراً تحدثت عن قدوم قوارب من نوع "فانتوم" (الشبح)، إلى مارتيل من أجل نقل الشباب الراغبين في مغادرة المغرب صوب إسبانيا بدون أي مقابل مادي.

انتشرت الأخبار بسرعة بين أبناء المدينة والمدن المجاورة عن طريق فيسبوك، ما أدى إلى تجمع عدد غفير من الشباب على الشاطئ في انتظار "الفانتوم" الذي سيوصلهم دون مقابل إلى القارة الأوروبية.

لكن هل هناك فعلاً قارب سريع يقوم بمساعدة الشباب المغاربة على الذهاب إلى إسبانيا مجاناً؟ سؤال أصبح يطرحه الكثير من المغاربة في أحاديثهم اليومية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لعلهم يفهمون ما الذي يحدث بالضبط في شمال المملكة.

مافيا المخدرات قد تكون المسؤولة

حاولنا أن نبحث عن حقيقة هذا الأمر، خصوصاً وأن الجميع بات يتحدث عن "مجانية" الهجرة، إلى درجة أن البعض ذهب إلى الاعتقاد بأن الإسبان يريدون مساعدة الشباب المغاربة من دون مقابل لكي يبحثوا عن فرص عمل لتحسين وضعهم الاجتماعي ومساعدة عائلاتهم!

مصدر مسؤول في مدينة المضيق، طلب عدم الكشف عن هويته، أكد في حديثه مع رصيف22 أن الأمر لا يتعلق أبداً بهجرة مجانية كما يعتقد الجميع.

حسب قوله "الأمر يتعلق بهجرة غير شرعية بمقابل مادي يتراوح بين 40 ألف و60 ألف درهم (بين 4.267 و 6.401 دولاراً أمريكاً). ولا ندري إلى حدود الآن كيف ربط شباب منطقة الشمال الاتصال بهذه الجهة التي تنفذ هذه العمليات... المهم أن الأمر يتعلق بعمليات بمقابل مادي مهم".

لكن هناك بعض الفيديوهات أظهرت مجموعة من الشباب يتسابقون من أجل الصعود على متن الزوارق بهدف الهجرة، شاءت الصدف أن يكونوا هناك لحظة مجيء "الفانتوم"، ما يعني أنهم ذهبوا مجاناً، ما حقيقة هذا الأمر؟

يقول محدثنا إنه بالفعل هناك من ذهبوا مجاناً، شارحاً الأمر بأنهم "كانوا متواجدين بالصدفة على الشاطئ ليجدوا أنفسهم على متن القارب! كل ما في الأمر أن سائق القارب كان يأتي خصيصاً من أجل نقل الشباب الذين دفعوا مقابلا مادياً... لكن كان يتبقى مكان إضافي لنقل المزيد من الشباب، فكانوا ينادون الذين يتواجدون على الشاطئ من أجل الذهاب معهم، منهم من تمكن من الصعود، ومنهم من لم يحالفه الحظ بسبب عدم انتظار السائق طويلاً".

لكن من يقف وراء هذه العمليات؟ من يملك هذا "الشبح" الذي يقطع المسافة بين المغرب وإسبانيا في ظرف عشرة دقائق؟

يؤكد المسؤول أن ملكية الزورق تعود إلى تجار المخدرات، الذين لجأوا إلى هذه العمليات من أجل "استفزاز" السلطات المغربية والإسبانية وخلق أزمة بين البلدين؛ خصوصاً وأن المصالح الأمنية المغربية شَنَّت حرباً شرسة على مُهرِّبي الكوكايين والحشيش خلال الأشهر الأخيرة، ما تسبب لهم بنوع من "الكساد" والخسارة.

وأمام اتساع رقعة الشباب الذين يرغبون في مغادرة البلاد، قررت السلطات المغربية، ممثلة في القوات البحرية، التدخل لوضع حد لمسلسل "الحْرِيكْ"، وإعلان الحرب على "الفانتوم"، ما أدى إلى مصرع شابة وإصابة ثلاثة آخرين، واعتقال سائق الزورق الإسباني وصديقه للتحقيق معهما لمعرفة خلفيات هذه العمليات التي تسببت في أول أزمة حقيقية للهجرة السرية بين المغرب وإسبانيا.

يُذكر هنا أن آخر تقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية أشار إلى أن المغاربة احتلوا المركز الأول في عدد المهاجرين السريين الذين وصلوا بحراً إلى إسبانيا، إذ كشف التقرير أنه من يناير الماضي إلى حدود التاسع من الشهر الحالي وصل ما يزيد عن 6 آلاف مغربي إلى الأراضي الإسبانية.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي