من سخرية القدر.. مجهود يهودي-مسلم وجه محاولة حظر الختان في الدانمارك

من سخرية القدر.. مجهود يهودي-مسلم وجه محاولة حظر الختان في الدانمارك

تعتبر الدانمارك من البلدان الرائدة في مجال الإصلاحات الليبرالية الإجتماعية، لأنها أول من وضع قوانين خاصة بالبيئة، وأول من أضفى شرعيةً على المواد الإباحية وأول من اعترف أيضاً بمجتمع الميم وحقوقه، وبالرغم من كل ذلك أثار النقاش في موضوع الختان جدلاً واسعاً في البلاد خاصة أن الموقف العام لم يكن بهذا القدر من الوضوح، مما أجبر الطبقة السياسية الحاكمة على الاختيار ما بين حقوق الأهل وحقوق الأولاد.

المطالب

في يونيو انطلقت مبادرةٌ شعبيةٌ تحت عنوان: لا ختان قبل سن الثامنة عشرة، وقد نجح هذا الاقتراح في جمع 50 ألف توقيع، مما يعني أن البرلمان بات مطالباً بمناقشة القضية أمام النواب، وفق القانون الدانماركي.

وتعليقاً على الترحيب الشعبي الذي لاقته هذه المبادرة، قالت لينا نايهوس من منظمة "إنتاكت دانمارك" لوكالة "ريتزاو": "إننا حقاً سعداء لكن العمل الحقيقي يبدأ الآن، فهي خطوةٌ مهمةٌ لكنها صغيرة".

ما هي الحجج التي قدمها دعاة حظر الختان؟

انطلاقاً من مبدأ الحرية الشخصية، شددت بعض الأصوات الشعبية في الدانمارك على حق الأفراد في إعطاء رأيهم في مسألة الخضوع للختان أم رفضه، وبالتالي السعي لجعل الحدّ الأدنى لسن ختان الذكور لأسبابٍ غير طبيةٍ 18 عاماً.

ودعت منظمة "إنتاكت" إلى أن تكون الدانمارك أول دولة في العالم تمنع ختان الأطفال، مقترحةً أن يبلغ الطفل سن الرشد كحد أدنى لخضوعه لعملية الختان.

أقوال جاهزة

شارك غردمن الواجب "السماح للأولاد بالنمو بجسدٍ مكتملٍ... وبمجرد أن يبلغوا سن الـ18 عاماً، يصبح بإمكانهم أن يقرروا بأنفسهم عما إذا كانوا يريدون أن يخضعوا للختان أم لا"

شارك غرد حظر الختان تعني "تجريم" الآباء اليهود بشكلٍ أساسي، وفق ما أشارت إليه الجماعات اليهودية التي أكدت أن مثل هذه الطقوس "تمارس في الدانمارك دون مشاكل منذ 400 سنة".

وقد جاء في مضمون العريضة التي دعت المنظمة إلى توقيعها: "المجتمع لديه التزام خاص بحماية الحقوق الأساسية للطفل حتى يبلغ سن الرشد ويتحمل هو هذه المسؤولية"، من هنا شددت المنظمة على أنه من الواجب "السماح للأولاد بالنمو بجسدٍ مكتملٍ... وبمجرد أن يبلغوا سن الـ18 عاماً، يصبح بإمكانهم أن يقرروا بأنفسهم عما إذا كانوا يريدون أن يخضعوا للختان أم لا"، وقد اقترحت العريضة أيضاً تعديل القانون الحالي الذي ينص على معاقبة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية بالسجن 6 سنوات، ليشمل الذكور أيضاً.

إعتراضات دينية

مقابل المطالب الشعبية والآراء الداعية إلى حظر ختان الأولاد إلى أن يبلغوا سن الرشد، فقد ارتفعت بعض الأصوات المعترضة على هذا الاقتراح، على اعتبار أن مسألة الختان هي بمثابة طقوس دينية يجب عدم المسّ بها على الإطلاق.

وفي هذا الصدد، أشار النقاد إلى أن فرض الحظر على الختان سوف يقيّد الحريات الدينية للوالدين، خاصة أنه ما بين 1000 و 2000 عملية ختان يتم إجراؤها في الدانمارك كل عام، يكون معظمها متعلقاً بالأولاد اليهود والمسلمين.

قد يكون الأمر التالي للمناقشة هو الحق في ارتداء الحجاب أو الصلاة أو قراءة الكتاب المقدس أو الذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد

كما كان متوقعاً، أثارت هذه المطالب الشعبية حفيظة العديد من المسؤولين اليهود والمسلمين وجعلتهم في حالة فزع، لأن الموافقة على حظر الختان تعني "تجريم" الآباء اليهود بشكلٍ أساسي، وفق ما أشارت إليه الجماعات اليهودية التي أكدت أن مثل هذه الطقوس "تمارس في الدانمارك دون مشاكل منذ 400 سنة".

وتعليقاً على هذا الموضوع، قال دان روزنبرغ أسموسين، رئيس الجالية اليهودية في الدانمارك، لصحيفة "نيويورك تايمز": "إن هذا الاقتراح يشكل نقطة انطلاق لاعتبار أن اليهود يمارسون المضايقات على الأطفال"، مشيراً إلى أن الحظر "سيجعل من الصعب على الجيل القادم من اليهود الحفاظ على الحياة الدينية في الدانمارك".

وقال وسيم حسين، وهو إمام في المركز الإسلامي الدانماركي:" قد يكون الأمر التالي للمناقشة هو الحق في ارتداء الحجاب أو الصلاة أو قراءة الكتاب المقدس أو الذهاب إلى الكنيسة أيام الآحاد".

مع العلم أن السفارة الأميركية سبق أن أعربت عن مخاوفها بشأن تقييد الحريات الدينية.

مصالح سياسية

بالإضافة إلى المخاوف والهواجس المتعلقة بالحريات الدينية، تخوّف قادة الأحزاب في الدانمارك من أن يؤدي الحظر على الختان إلى نفور بعض الحلفاء الدوليين الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية (حيث يتم ختان ما يصل إلى ثلاثة أخماس الرجال، رغم أن معدل ختان الأطفال الحديثي الولادة يتراجع هناك)، وإسرائيل والدول ذات الغالبية السكانية المسلمة.

وفي إطار الحديث عن المخاوف السياسية في حال تم تطبيق هذا الحظر على الختان، قال وزير الخارجية "أندرس سمويلسن":" سنكون وحدنا خاصة أننا أول بلد سيسير في هذا الاتجاه، مما يجعلنا عرضةً للخطر لا سيما أن الحلفاء الذين يساعدوننا في العادة لن يكونوا إلى جانبنا في هذه الحالة".

واعتبر وزير الدفاع "كلاوس هجورت فريديريكسين" أن الحظر على الختان من شأنه أن يثير المخاوف الأمنية، قائلاً:" أعتقد أن المخاطر السياسية هائلة"، مضيفاً أنه في عصر الأخبار الزائفة و"مصانع القوارب الروسية" فإن التحرك نحو الحد الأدنى للسن سينفجر على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولكن رغم بعض المواقف الواضحة تجاه موضوع الختان، هناك بعض المواقف الأخرى التي كانت صادمة بعض الشيء، وخير مثال على ذلك، الرأي الذي أدلى به ناصر خضر، العضو المسلم في حزب المحافظين في البرلمان وأحد أبرز الداعين لحظر الختان.

فمن خلال الفيديو الذي انتشر على يوتيوب، أوضح "خضر" لجمعية "إنتاكت" أن الموقف الإسلامي للختان ينبع من مسألة الحرص على النظافة، غير أن "الفوائد الصحية التي كانت تنطوي عليها هذه العملية، لم تعد مقنعة على الأقل في العالم الصناعي"، وفق رأيه.

فبالرغم من أن "ناصر" أكد في السابق أنه سيتبع تقليد أسلافه لجهة ختان الأبناء، إلا أنه عندما رزق بمولوده في العام 2004، تغيّرت قناعاته:" عندما ولد هنيبال، واحتضنته في يدي، ظننت أنه سيكون من المؤسف أن أعرضه لمثل هذا النوع من الألم غير الضروري".

التراجع عن المقترح؟

يكشف تقريرٌ صادر عن منظمة الصحة العالمية في العام 2007، أنه تم ختان حوالي 30% من الرجال في جميع أنحاء العالم.

وبالرغم من أن الاستطلاع الذي أجري مؤخراً بتفويض من "قناة تي في 2" الدنماركية كشف عن أن 83% من المشتركين يؤيدون أن يكون الحد الأدنى لسن ختان الذكور 18 عاماً، إلا أن المقترح على ما يبدو لن يتحقق بهذه السهولة في الدانمارك خاصة أن حظر الختان لم يحصل على مساندة الأحزاب.

وتأكيداً على ذلك، صرحت وزيرة الصحة "إلين تراين نوربي" أن الحكومة الدانماركية ستعمل على مكافحة مشروع قانون يقترح حظر الختان في البلاد، كاشفةً أن الحكومة على اتّصالٍ وثيقٍ مع الجالية اليهودية الدانماركية فيما يتعلق بهذه القضية:" يمكنكم أن تكونوا متأكدين أن وجهة نظر المجتمع اليهودي معروفة بالنسبة إلى الحكومة".

وهكذا، بعد تصريحات "نوربي"، أعربت الرابطة اليهودية الأوروبية عن سعادتها لأن "الحسّ السليم قد فاز"، على حدّ تعبيرها، مشيرةً إلى أن البرلمان الدانماركي قد تراجع عمّا يمكن أن يكون بمثابة قانون تمييزي يؤثر على الجالية اليهودية في الدانمارك.

تجدر الإشارة إلى أنه في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، أيّد المشرّعون في أيسلندا في البداية مسألة حظر ختان الأولاد دون سن الرشد وطالبوا بمعاقبة أولئك الذين قاموا بهذا الإجراء بالسجن، إلا أنه بعد موجة الانتقادات الواسعة، وخاصة تلك الصادرة عن الزعماء اليهود الأوروبيين تم إسقاط الاقتراح.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الأطفال الختان

التعليقات

المقال التالي