حق أم خطر ديموغرافي؟... جدل حول منح السعوديات الجنسية لأبنائهنّ

حق أم خطر ديموغرافي؟... جدل حول منح السعوديات الجنسية لأبنائهنّ

أُغلقت الأبواب في وجه مصطفى ع.، وهو مصري الجنسية وُلد في الدمام قبل 22 عاماً. بعد وفاة أمه السعودية، لم يستطع تعديل أوضاعه القانونية ونقل كفالته إلى أحد أخواله، لعدم رغبتهم في ذلك. لم يجد حلاً سوى العودة إلى مصر، البلد الذي يحمل جنسيته، دون أن يعرفه في الحقيقة.

أبناء أخوال مصطفى سعوديون من قبيلة معروفة. الفرق بينه وبينهم لا يكاد يُذكر في الشكل أو اللهجة أو الملبس، ولكنه في الأوراق الرسمية وافد أجنبي، بغض النظر عن المكان الذي وُلد فيه.

تطالب الجهات الرسمية أبناء السعوديات بالحصول على إقامه للبقاء في المملكة، وهي عادة ما تكون إقامة مبنية على اسم الأم، وتنتهي بوفاتها، ما يُدخل هؤلاء في أزمة بقاء: إذا لم يجدوا كفيلاً جديداً، يتم ترحيلهم حالهم كحال أي مخالف لأنظمة العمل.

في قصة لا تختلف كثيراً عن قصة مصطفى، يعيش عبد الرحمن (رفض ذكر اسمه بالكامل خوفاً من التبعات التي قد يتعرّض لها) في دوامة لا نهاية لها، مع أخته الشقيقة. تلفّهما الغربة على الرغم من أنه لم يغادر السعودية يوماً طوال الثلاثين عاماً التي عاشها في هذه الحياة.

يؤكد عبد الرحمن للمقربين منه أنه سعودي مثلهم، ولكن بإقامة وليس ببطاقة هوية وطنية. وُلد عبد الرحمن لأم سعودية وأب يمني، ويعيش في منطقة عسير التي لا تختلف كثيراً عن شمال اليمن في العادات والتقاليد إذ تتداخل القبائل.

يقول لرصيف22: "أمي قريبة لأبي من بعيد، ولكنها سعودية وهو يمني، ونعاني كثيراً بفعل دخولها في أزمات مرضية لم تعد تفارقها. عند وفاتها، سيكون مصيري أنا وشقيقتي وحتى والدي الترحيل، أو تسوّل خدمة مَن ينقلنا على كفالته".

ويضيف: "أمور كثيرة تحسنت، لم نعد نشعر بالغربة التي كنا نعيشها في السابق، وبات بإماكننا العمل، ولكن ما زلنا نطمح إلى حق المواطنة الكامل، وإلى أن نكون سعوديين، فنحن لسنا أبناء امرأة سعودية فقط، ولكن نحن من مواليد السعودية ولا نعرف وطناً غيرها".

كثيرة هي المشاكل التي يعاني منها أبناء السعوديات لأب أجنبي. لا يقتصر الأمر على خطر الترحيل بعد وفاة الأم. فبحال كانت للأم أملاك وعقارات، لا يرث الابن غير السعودي أملاكها، لأنه لا يحق للأجنبي تملك العقارات.

ويقول المستشار القانوني أحمد الراشد لرصيف22: "في هذه الحالة يتم بيع العقارات، وتوزيع ثمنها على الورثه"، ويضيف: "كما أنه لا يحق للأم أن تجعل من ابنها المولود من غير سعودي وكيلاً لها، لأنه لا يجوز توكيل أجنبي".

قانون الجنسية السعودي

ما يزال الحصول على الجنسية السعودية صعباً. يحدد قانون الجنسية الصادر عام 1953 في مادته السابعة السعودي بأنه مَن: "ولد داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها لأب سعودي أو لأم سعودية وأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له أو ولد داخل المملكة لأبوين مجهولين ويُعتبر اللقيط في المملكة مولوداً فيها ما لم يثبت العكس".

ويجيز القانون منح الجنسية للمولودين لأم سعودية وأب أجنبي في حالات محددة، وبقرار من وزير الداخلية، إذا كان يقيم بشكل دائم في المملكة عند بلوغه سن الرشد، على أن يكون حسن السيرة والسلوك ولم يسبق الحكم عليه بحكم جنائي أو بعقوبة السجن لجريمة أخلاقية لمدة تزيد عن ستة شهور، وأن يجيد اللغة العربية، وأن يقدم خلال السنة التالية لبلوغه سن الرشد طلباً للحصول على الجنسية السعودية.

ولأن القانون لا يمنح السعوديات حق منح الجنسية لأبنائهنّ بشكل مباشر، في وقت يمنح الرجل هذا الحق بكل مباشر، يحاول مجلس الشورى السعودي علاج المشكلة.

تعتبر أستاذة الشريعة الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد، وهي أيضاً حقوقية بارزة في السعودية، أنه حان الوقت لتغيير القانون والمساوة بين الرجال والنساء في مسألة منح الجنسية للأولاد.

تقول لرصيف22: "لا بد من أن يتم تغيير الوضع الحالي. لا يمكن الاستمرار فيه. فمن حق المرأة السعودية أن تنال المواطنة الكاملة، وأن تمنح أبناءها الجنسية السعودية، أسوة بالرجل. أنا من أشد المطالبين بذلك، فهذا حق مدني للمرأة لا يجب أن تُحرم منه".

مشروع قانون جديد

في منتصف فبراير الماضي، وبعد جدل ونقاش ساخن استمر قرابة الساعة، وافق مجلس الشورى السعودي على دراسة مقترحين لإجراء تعديلات على نظام الجنسية السعودية ومنح الجنسية لأبناء السعوديات المتزوجات من أجانب.

أيّد مشروع التوصية 63 عضواً، فيما عارضه 54. يتمسك مقدمو التوصية بفكرة أن أغلب دول العالم تسمح لكل من الرجل والمرأة بمنح الجنسية للأبناء، وبأن في حصر هذا الحق بالرجل تمييزاً ضد المرأة، وضد أبنائها. ويرى البعض أن القانون الحالي يبدو وكأنه يعاقب المرأة بقسوة على زواجها من غير سعودي.

وفي مداخلة له، أكد عضو المجلس فيصل آل فاضل أن المقترح يمنح حقاً جوهرياً للسعوديات، ويزيل الظلم عن أبنائهنّ.

أقوال جاهزة

شارك غردتطالب الجهات الرسمية أبناء السعوديات المتزوجات من أجانب بالحصول على إقامه للبقاء في المملكة، وهي عادة ما تكون على اسم الأم، وتنتهي بوفاتها، ما يُدخل الأبناء في أزمة بقاء

شارك غردبين فترة وأخرى، يتجدد الجدل حول منح السعوديات المتزوجات من أجانب الجنسية لأبنائهن. وفي وقت يناصر حقوقيون هذا المطلب، هناك تيار قوي يعارضه...

خلال العامين الماضيين، شكلت وزارة الداخلية السعودية لجنة لدراسة تعديل نظام الجنسية، وهي خطوة سيدعمها قرار مجلس الشورى بحال تمت الموافقة عليه، فهو حالياً ما زال في طور الدراسة.

يؤكد نائب رئيس الجمعية السعودية لحقوق الإنسان خالد الفاخري أن الخطوة في حال تحققها، ستكون خطوة إضافية نحو تحسين القوانين في السعودية بما يتوافق مع حقوق الإنسان.

ويقول لرصيف22: "نظام الجنسية السعودي مثل غيره من الأنظمة. هناك حرص على دراسته بشكل دوري لتغيير ما يلزم تغييره فيه، بناء على الوضع القانوني والتغييرات الاجتماعية، وسعي الشورى إلى دراسة تغيير القانون أمر إيجابي جداً من وجهة نظري كحقوقي".

بحسب الفاخري، لا يمنع نظام الجنسية منح الجنسية لأبناء السعوديات بالمطلق، ولكنه يحدده وفق إجراءات واضحة تختلف من حالة إلى أخرى.

برأيه، "منح الجنسية حق سيادي لأي دولة، فهي تقرر ما يخدمها ويحافظ على كيانها، ويضمن العدل والإنصاف للجميع وفق معايير معينة، ونحن في الجمعية كانت لنا مبادرات في هذا الخصوص، لإيجاد حلول لبعض الحالات التي لجأت إلينا".

700 ألف متزوجة بأجنبي

لا توجد إحصاءات دقيقة حول عدد السعوديات المتزوجات من أجانب، غير أن مصادر عدلية أكدت لرصيف22 أن عددهنّ يصل إلى نحو 700 ألف سعودية، يستقر معظمهنّ في مناطق مكة المكرمة التي تشمل مكة وجدة، وجازان ونجران، ويُعبر اليمنيون المصريون الأكثر ارتباطاً بسعوديات.

وكشفت وزارة العدل في تقارير سابقة أنه تم عقد قران 4564 سعودية من أجانب عام 2011، وارتفع الرقم عام 2012 إلى 13117. ولكن بعد ذلك، توقفت الوزارة عن تقديم أرقام.

تعديلات جوهرية

خلال الأعوام الأربعة الماضية، خطت السعودية خطوات واسعة نحو تعديل أنظمة الجنسية المعمول بها منذ نحو 60 عاماً، وكان أهمها بحسب مختصين معاملتها أبناء السعوديات معاملة السعوديين في العمل في الوظائف المقصورة على السعوديين فقط، فقد وُضعوا في منطقة وسط بين الوافد والمقيم. كما بدأت هيئة الرياضة السعودية باستقطاب أبناء السعوديات المولودين في السعودية لمنحهم جنسية خاصة، تؤهلهم لتمثيل المنتخبات الرياضية الوطنية، ولكن هذا القرار ذو دوافع رياضية بحته، ويطال فقط الموهوبين رياضياً.

ومع أن أحوال الأجانب المولودين من أمهات سعوديات تحسنت كثيراً خلال الفترة الماضية، إلا أن الطريق لمساواتهم بالسعوديين ما يزال طويلاً.

تشيد الدكتورة زين العابدين حماد بالتغييرات التي طرأت على وضع أبناء السعوديات، ولكنها ترى أن القضية تحتاج إلى المزيد، وتقول: "صحيح أنه تم تحسين وضع أبناء السعوديات، ولكن ما زال التحسن قاصراً ومرهوناً بحياة أمهم، ففي حالة وفاتها، يتم معاملتهم كأجانب، وهنا المشكلة".

جدل واسع

بين فترة وأخرى، يتجدّد الجدل حول منح السعوديات حق الجنسية لأبنائهن. ففي وقت يطالب حقوقيون بحق السعوديات المتزوجات من أجانب في منح الجنسية لأبنائهنّ،  هناك تيار معارض قوي يرفع شعار: "السعودية للسعوديين فقط"، ويرى أن تغيير قانون الجنسية يشكّل خطراً يهدد ديموغرافيا الدولة.

بين فترة وأخرى، تظهر حملات رفض على تويتر وتظهر وسوم مثل #لا_لتجنيس_أبناء_السعوديات و#لا_للتجنيس و#السعودية_للسعوديين للتأكيد على الرفض القاطع لمساعي تجنيس مَن يعتبرهم البعض أجانب، والحجة أن المرأة السعودية كانت تعلم أنها بحال تزوجت أجنبياً لن يكون ابنها سعودياً.

قبل ثمانية أشهر، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو من برنامج "يا هلا" الذي يبث على شاشة روتانا، شهد جدلاً ساخناً بين الإعلامية منيرة المشخص والإعلامي كمال عبد القادر، إذ رفضت المشخص فكرة التجنيس متهمة أبناء السعوديات من الأجانب بعدم الوقوف مع البلاد ف أزماتها، وهو ما رفضه عبد القادر.

يستغرب أستاذ الاجتماع الدكتور ماجد البشري ردة الفعل المتشنجة من بعض الرافضين لتعديل قانون الجنسية، ويقول لرصيف22: "لا أفهم دوافع الرفض الكامل. قد تكون هناك تحفظات لدى البعض، ولكن في نهاية المطاف هو حق للنساء لا يمكن حرمانهنّ منه، وهو يأتي في إطار التحولات الكبيرة التي تعيشها السعودية".

ويضيف: "نحن أمام أزمة يعاني منها عدد كبير لا يمكن الاستهانة به، يصل في بعض التقديرات إلى مليون شخص، ومثل هذه الأمور المهمة والحساسة لا تجب تناولها بتشنج وعنصرية، بل بتفكير ودراسة وافيه، وهذا ما يقوم به مجلس الشورى".


خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي