شراء ما لا يمكن فرضه عنوة… كيف تتسلّل إسرائيل إلى مدارس القدس الشرقية؟

شراء ما لا يمكن فرضه عنوة… كيف تتسلّل إسرائيل إلى مدارس القدس الشرقية؟

"ثورة" في مدارس القدس الشرقية وعدت بها إسرائيل. هذه الثورة في المدارس العربيّة في القدس تأتي، بينما يبدأ الموسم الدراسي قريباً، على شكل خطة تمتد لخمس سنوات تعد من خلالها الحكومة الإسرائيلية، مع بلدية القدس، بالاستثمار المالي من أجل "تحسين ظروف المدارس التي تعاني من نقص حاد في التمويل".

هكذا قررت حكومة نتنياهو أن المشكلات التعليميّة في القدس الشرقية، بين نقص الصفوف والتسرّب المدرسي وانعدام الأفق أمام الطلاب، باتت في صلب اهتماماتها.

ولكن ماذا عن محاولات "غسيل الدماغ"، "الأسرلة" والتهويد" التي يحاول الاحتلال تمريرها عبر الخطة/ الثورة التي بدأها هذا العام؟ كيف لا ومعطيات العام الماضي تفيد أن 93 في المئة من طلاب القدس الشرقية يخضعون لامتحانات المنهاج الفلسطيني، في مقابل 7 في المئة فقط يخضعون لتلك الإسرائيلية.

يعتقد المعارضون للخطة أن للأخيرة هدف وحيد: استبدال منهاج السلطة الفلسطينية بالمنهاج الإسرائيلي، وما يتبعه من انتزاع الطالب من محيطه الفلسطيني وبالتالي هويته، ويشيرون كذلك إلى أن إسرائيل قد مهّدت لذلك بقيود كثيرة وضعتها على نظام التعليم الفلسطيني ولا ينسون التذكير بأن الخطة الموعودة لا تغطي أحد المشاكل الأساسية في المدينة وهي النقص في الصفوف المعدّة للتدريس.

"الأسرلة" قائمة… الخلاف على المجاهرة أو التمويه

لفهم أكثر للمشكلة الإسرائيلية مع المنهاج الفلسطيني، تجدر العودة إلى عام 1969، أي بعد عامين على سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية، حيث عمد الاحتلال إلى محاولة فرض منهاجه التعليمي على مدارس المدينة. حينها، أعلن الفلسطينيون إضراباً في المدارس امتد لأشهر، حتى سمحت الحكومة لاحقاً باستكمال التدريس وفق المنهاج الأردني. وفي وقت لاحق، وبعد قيام السلطة الفلسطينية واتفاق أوسلو، حلّ المنهاج الفلسطيني مكان الأردني.

تشير صحيفة "هآرتس" إلى أنه في مايو الماضي، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطة استثمار "غير مسبوق" في القدس الشرقية: ملياري شيكل، أي ما يعادل 550 مليون دولار، على امتداد خمس سنوات، يذهب منها 450 مليون شيكل لقطاع التعليم. وقد أعد الخطة كل من وزير "شؤون القدس" زئيف ألكين ووزير التعليم نفتالي بينيت.

وبموجب الخطة الخمسية، يذهب نصف المبلغ لتحسين التعليم غير الرسمي بعد المدرسة، فيما يتمّ دعم التكنولوجيا والدروس العبرية (بما في ذلك إدخال المعلمين اليهود إلى المدارس الفلسطينية)، تشجيع المدارس على التحول إلى المناهج الدراسية الإسرائيلية والاستثمار الكبير في تحسين المباني المدرسية التي كان عدد كبير منها شققاً سكنية.

وتستهدف الخطة الإسرائيلية المدارس الرسميّة حصراً، بهدف تشجيع الطلاب على الانتقال من المدارس الخاصة، التي شهدت تدفقاً وتوسعاً بعد إضراب عام 1969.

أقوال جاهزة

شارك غردأعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطة استثمار "غير مسبوق" في القدس الشرقية: ملياري شيكل، أي ما يعادل 550 مليون دولار، على امتداد خمس سنوات، يذهب منها 450 مليون شيكل لقطاع التعليم

شارك غرديعتقد المعارضون للخطة أن للأخيرة هدف وحيد: استبدال منهاج السلطة الفلسطينية بالمنهاج الإسرائيلي، وما يتبعه من انتزاع الطالب من محيطه الفلسطيني وبالتالي هويته...

وكانت وزارة التعليم طالبت بأن تكون "الأسرلة" هدفاً معلناً في الخطة، لكن البلدية اعترضت على الأمر قائلة إن الهدف المعلن يجب أن يقتصر، ببساطة، على تحسين النظام التعليمي.

وبينما لفت إلى أهمية الاستثمار في التعليم لـ"تأمين الاستقرار الأمني والحدّ من الإرهاب" على المدى البعيد، قال مدير قسم التعليم في البلدية أفيف كينان إن إسرائيل تحتاج لزيادة عدد الفلسطينيين من القدس الشرقية الذين بإمكانهم ارتياد الجامعة العبرية في القدس، حيث كان وجودهم معدوماً قبل عقد من الزمن.

يُذكر أن العدد ارتفع منذ ذلك الحين، لأن الجدار الفاصل شكّل عائقاً أمام التحاق الطلاب بالجامعات في الضفة الغربية، كبير زيت وبيت لحم والنجاح، ولأن الفلسطينيين في القدس الشرقية بدأوا بالانضمام بشكل متزايد إلى سوق العمل الإسرائيلي. وقبل عامين، بدأت الجامعة العبرية بقبول الطلاب الحاصلين على الشهادة الفلسطينية بدلاً من الشهادة الثانوية الإسرائيلية.

مخاوف الأهالي واحتيال الاحتلال

الصورة الإيجابيّة التي سعت إسرائيل لترويجها مع الخطة، تخيف الكثير من الأهالي الذين يرون أن دعم إسرائيل للمدارس التي تعتمد المنهاج الفلسطيني ليس إلا محاولة جديدة لـ"غسل دماغ الأطفال" و"محو الهوية الفلسطينية… وجعلهم ينسون أنهم تحت الاحتلال، يغيرون دينهم ومعتقداتهم ويتجاهلون كونهم جزء من الشعب الفلسطيني"، على ما قال محمد أبو حمص، وهو في أحد لجان الأهل في المدارس الفلسطينية، من حي العيساوية لـ"هآرتس".

في المقابل، ثمة من يروّج بأن إدخال المنهاج الإسرائيلي هو مطلب من الأهالي الذين يفضلون "البغروت" الإسرائيلي طمعاً بفتح فرص أوسع أمام أبنائهم وتأمين مستقبل أفضل لهم. تقول "هآرتس" بأن عدداً من الأهالي يطمح لتحضير أبنائه لسوق العمل الإسرائيلي، ولكن الأغلبية العامة لا تزال تؤكد على أفضلية المنهاج الفلسطيني الذي أقرته السلطة.

أطفال مفقودون

لم تمنع معارضة منظمة "عير عميم" الإسرائيلية اليسارية لحكومة نتنياهو من ثنائها على الخطة، غير أنها انتقدت محاولات "أسرلة" المدارس الفلسطينية والتي قيل إن 43 في المئة من ميزانيّة الخطة قد خُصّص لأجلها.

وقال مسؤول في "عير عميم" إن الخطة لا تقدّم حلاً للمشكلة الأكبر في القدس الشرقية وهي الحاجة الملحة إلى الصفوف، لأن المسألة ليست مسألة افتقار للتمويل بل مسألة تخطيط، إذ ثمة نقص في الخطط وقيود على المساحات التي يمكن استخدامها للشأن العام.

في القدس الشرقية، ثمة 2.6 في المئة فقط من الأراضي مخصصة للمباني العامة والمدارس، لذا فإن القرار الوزاري الأخير تجاهل في خطته، وبشكل كامل، الحاجة إلى حلّ لهذا التمييز. وبينما وعد الاحتلال بـ 350 فصلاً دراسياً يتم التخطيط لها أو بناؤها حالياً، تبقى المشكلة القائمة: هذا الأمر يتطلب مصادرة الأراضي، كما أن معظم مديري المدارس في القدس الشرقية ليسوا من المدينة فيما يشعر مدرسو القدس الشرقية بالتمييز بسبب طلب وزارة التعليم ممن يودون تولي الإدارة حضور دورة تدريبية خاصة نادراً ما يتم بعدها قبول المشاركين من القدس الشرقية.

ثمة من يروّج بأن إدخال المنهاج الإسرائيلي هو مطلب من الأهالي الذين يفضلون "البغروت" الإسرائيلي طمعاً بفتح فرص أوسع أمام أبنائهم وتأمين مستقبل أفضل لهم

وفي تقرير نشرته "تايمز أوف إسرائيل"، نقلاً عن بلدية القدس، ينقص العرب في القدس الشرقية 1.938 صفاً، بينما تخطط السلطات لبناء 3.118 صفاً فقط في خمس السنوات القادمة، لكن 834 صفاً منها فقط مخصصة للمجتمع العربي والباقي للمجتمع الإسرائيلي (تحظى المدارس المتشدّدة بحصة بارزة منه).

ثمة مشكلة إضافية أشار إليها تقرير المنظمة، تظهرها معطيات مكتب الإحصاء المركزي والتي تفيد بتسجيل واحد من سبع أطفال فلسطينيين في أي إطار تعليمي، أما الباقي فلا يُعرف عنهم شيء في الدوائر التعليمية.

امتيازات ولكن

تأتي الخطة استكمالاً لمساعي الاحتلال القديمة لأسرلة جهاز التعليم الفلسطيني. في العام الماضي، أقرّ الاحتلال مشاريع تعليمية جديدة تهدف إلى توسيع نطاق المدارس الفلسطينية التي تعتمد المنهاج الإسرائيلي بدلاً من الفلسطيني، وعمد إلى جذب المدارس من خلال الوعد بمنحها امتيازات في حال قبولها باعتماد المنهاج الإسرائيلي الرسمي.

ترافق ذلك مع إغراءات تشجيعية على الاتجاه للتعليم في الجامعات الإسرائيلية، لا سيما الجامعة العبرية، بعدما أقرت الأخيرة، في العامين الماضيين، خطة لتقديم منح لطلاب القدس الشرقية الذين ينتسبون للجامعة.

وتستغل حكومة الاحتلال أيضاً حقيقة نظام دفع الأقساط الجامعية في الجامعات الإسرائيلية الرسمية، حيث القسط الجامعي موحد في كافة التخصصات والمواضيع، على عكس نظام الدفع التفاضلي في الجامعات الفلسطينية التي يختلف القسط الجامعي فيها وساعات الدراسة وفقاً للاختصاص.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي