ما الذي فتح شهية النساء للخمر على مصراعيها؟

ما الذي فتح شهية النساء للخمر على مصراعيها؟

من المعتاد أن نرى الرجال يحتسون المشروبات الكحولية بشكلٍ يضاهي استهلاك النساء للخمر، فهذه الصورة النمطية التي ترسخت في الأذهان عززتها السينما التي تصوّر الرجال وهم يحتسون الكحول بشراهة في حين لا يتجرأ سوى عدد قليل من النساء على "مسايرتهم".

غير أن العلماء المهتمين بدراسة انتشار الكحول ومدى استهلاكها بين الناس لاحظوا مؤخراً صعود أسهم المشروبات الكحولية الموجهة للنساء وتغيّر الأدوار النمطية للجنسين، مما أسهم في إحداث تغييرٍ تدريجي في مسألة استهلاك الخمر لدى النساء.

استهلاك "نسائي" متزايد

لا شك أن عادات استهلاك الخمر قد تبدلت مع تطور المجتمع. فقد أوضح موقع "بي بي سي" أنه بالرغم من أن الرجال لا يزالون أكثر عرضةً مرتين تقريباً من النساء لشرب الخمر، فإن هذا الأمر لا ينطبق على الأشخاص الأصغر سناً، فقد كشف العلماء أن النساء اللواتي ولدن بين عامي 1991 و2000 يستهلكن نفس كمية الكحول التي يستهلكها الرجال، مرجحين أن تتخطى معدلات استهلاك النساء للخمر معدلات الرجال في نهاية المطاف.

أسباب كثيرة قد تكون وراء هذا الاستهلاك المتزايد للكحول من قبل النساء، لعلّ أهمها تصاعد سوق المشروبات الكحولية المصممة بشكلٍ خاص للنساء، فقد لاحظ تقرير صادر عن المركز الأوروبي لرصد تسويق الكحول في العام 2008 التغييرات التي طرأت على صناعة المشروبات، كاشفاً أن العديد من الشركات ترى المرأة بمثابة "فرصة" لتطوير إستراتيجية تسويقية تهدف إلى جذب المزيد من النساء وحثهنّ على إنفاق المال على الكحول.

أما المشروبات الكحولية التي تحمل طابعاً أنثوياً فيكون في الغالب مذاقها حلواً كما أنها تحتوي على نسبة كحول منخفضة مقارنة بغيرها من المشروبات.

واللافت تسويق المنتج الذي من المتوقع أن يستقطب جمهوراً من الإناث من خلال الزعم بأنه لا يسبب النفخة، بالإضافة إلى تصويره "موضة" مرغوبة من قبل النساء المستقلات.

تأثير الكحول في صحة النساء

في خضم معدلات استهلاك النساء للخمر الآخذة في الارتفاع، فإن النساء يعانين بشكلٍ متزايدٍ من الآثار السيئة للكحول.

فقد كشفت البيانات الصادرة عن المركز الأميركي الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها عن ارتفاع معدلات الوفاة الناجمة عن الإصابة بتليّف الكبد بنسبة 57% بين النساء اللواتي تراوح أعمارهنّ بين 45 و64 عاماً، في بين العامين 2000 و2015، مقارنةً بـ21% من الرجال.

أقوال جاهزة

شارك غردالنساء اللواتي ولدن بين عامي 1991 و2000 يستهلكن نفس كمية الكحول التي يستهلكها الرجال، مرجحين أن تتخطى معدلات استهلاك النساء للخمر معدلات الرجال.

شارك غردالإدمان على الخمر كان يعتبر من "المشاكل الذكورية"، وعليه لم يهتم أحد بدرس أثر الإفراط في شرب الكحول على المرأة

كما أن النسبة ارتفعت إلى 18% لدى النساء اللواتي تراوح أعمارهنّ بين 25 و44 عاماً في الوقت الذي انخفضت فيه لدى الذكور بنسبة 10%.

وقد إزدادت بشكلٍ حاد زيارة البالغات لقسم الطوارىء في المستشفيات نتيجة إقدامهنّ على تناول جرعاتٍ زائدةٍ من الكحول.

المرأة أكثر تأثراً بالخمر

أثبتت الدراسات أن النساء اللواتي يسرفن في احتساء المشروبات الكحولية أسرع تأثراً بأضرار هذه المشروبات على الكبد والقلب والأعصاب، غير أن هذه الأضرار الصحية ليست ناجمة عن الإفراط في الشرب فحسب، إنما عن مسألة اختلاف تأثير الخمر بين الجنسين.

معظم النساء يحتسين الخمر للتغلب على "الألم العاطفي" في حين أن شرب الرجال للخمر مرتبط بشكلٍ أكبرٍ بالضغوط الاجتماعية.

فقد اكتشف العلماء أن النساء لديهنّ كميات صغيرة من أنزيم يدعى "نازعة هيدروجين الكحول" (ديهيدروجيناز)، الذي يفرزه الكبد ليحلل الكحول في الجسم.

وتقوم الدهون في الجسم باحتجاز الكحول، بينما يساعد الماء في عملية توزيعه، ونظراً لكون مستويات الدهون أعلى لدى النساء كما أن نسبة المياه في أجسادهنّ أقل مقارنة بالرجال، فإن النساء يعانين من استجابةٍ فيزيولوجيةٍ أكثر حدة للكحول.

وفي هذا الصدد، أكدت "داون شوغارمان"، أستاذة علم النفس في كلية الطب في جامعة هارفارد وخبيرة في علم النفس العيادي لعلاج الإدمان في مستشفى ماكلين في بيلمونت، أن "هذه الثغرة هي السبب في كوننا نشهد زيادة في المشاكل الطبية لدى النساء اللواتي يعانين من اضطراب في استخدام الكحول".

وبحسب موقع sober living فإن النساء اللواتي يحتسين الخمر بشكلٍ مفرط لديهنّ ميالات للوقوع في فخ "الإدمان" بسرعةٍ أكبر من الرجال، في سياق ظاهرة يطلق عليها إسم "التلسكوب": تبدأ النساء في احتساء الخمر في سن متقدمة عن الرجال، إلا أنهنّ يحتجن إلى وقتٍ أقل لتطوير عادة الإدمان على الكحول، فضلاً عن الإصابة بشكلٍ أسرع بأمراض الكبد والقلب والأعصاب.

الاختلاف في المعالجة الطبية

لم يتم التعرف على هذه الاختلافات في تأثير الكحول على الجسم بين الجنسين إلا في العقود الأخيرة، فقد نُشرت أول دراسة عن الاختلافات في نسب إنزيم "هيدروجين الكحول" بين الجنسين في العام 1990، ففي السابق كانت جميع الدراسات السريرية تقريباً عن تعاطي الكحوليات تُجرى على الرجال فقط.

أما السبب فيعود إلى رغبة العلماء في استبعاد أكبر عددٍ ممكنٍ من المتغيرات التي قد تؤثر على نتائج التجارب، مثل الجنس، كما أن الإدمان على الخمر كان يعتبر من "المشاكل الذكورية"، وعليه لم يهتم أحد بدرس أثر الإفراط في شرب الكحول على المرأة.

via GIPHY

وهكذا بقي الوضع على حاله إلى أن فرضت مؤسسات حكومية، على غرار المعهد الوطني الأميركي للصحة، توجيهات بأن يتم إدراج النساء والأقليات في الأبحاث السريرية، ومنذ ذلك الحين، بدأت معالجة الفجوات بين الجنسين في البحوث الطبية.

وتعليقاً على هذا الموضوع، تقول "شارون ويلسناك"، أستاذة في علم النفس والعلوم السلوكية في كلية الطب والعلوم الصحية في جامعة داكوتا الشمالية: "لم يفكر الناس في الماضي في النساء لدرجة أنهم كانوا يزعمون أن نتائج الدراسات التي أجريت على الرجال يمكن أن تنطبق على النساء".

دوافع مختلفة

أظهرت الأبحاث التي أجريت أخيراً أن معظم النساء يحتسين الخمر للتغلب على "الألم العاطفي" في حين أن شرب الرجال للخمر مرتبط بشكلٍ أكبرٍ بالضغوط الاجتماعية.

ففي مطلع السبعينيات كتبت "ويلسناك" في رسالة الدكتوراه في جامعة هارفارد أطروحتها عن المرأة والكحول، وبعدها أجرت مع زوجها، وهو عالم اجتماع، أول دراسةٍ قوميةٍ مطولة عن عادات استهلاك المرأة للخمر.

ومن بين النتائج العديدة التي توصلت إليها الدراسة أن أغلب النساء اللواتي يعانين من الإدمان على الخمر قد سبق أن تعرضن لاعتداءاتٍ جنسيةٍ في الطفولة، وأصبح هذا الفرق بين الجنسين من العوامل الحاسمة لمساعدة النساء في الإقلاع عن تعاطي الكحول.

فنتيجة هذه الدوافع المختلفة لشرب الخمر والعوامل البيولوجية التي تجعل النساء أكثر تأثراً بالمشروات الكحولية والارتباط الوثيق بين الإدمان على الكحول والتعرض للصدمات، فمن الجدير الانتباه إلى مسألة اختلاف طرق المساعدة على التخلص من إدمان الكحول وفق حاجة الجنسين.

على سبيل المثال، قد لا تشعر النساء اللواتي نجون من الاعتداءات الجنسية بالأمان في حال تلقين العلاج وسط المجموعات المختلطة، والتي قد تصل فيها نسبة الرجال إلى 70 %. من هنا تبيّن أنه بالنسبة إلى "الناجيات من التحرش الجنسي"، فإن الحل الأنسب الذي يساعدهنّ على التخلص من الإدمان على الكحول هو جعلهنّ يستمعن إلى قصص النساء الأخريات لمعرفة أنهنّ لا يصارعن وحدهنّ في هذه المعركة.

التعليقات

المقال التالي