خان الخليلي: كيف غزا الصينيون أقدم سوق في مصر؟

خان الخليلي: كيف غزا الصينيون أقدم سوق في مصر؟

قبل أكثر من 600 عام، كان خان الخليلي أشهر أسواق التحف التراثية في مصر عبارة عن مقبرة شاسعة للخلفاء الفاطميين عرفت بـ(ترب الزعفران) وحوت في باطنها جثامين أغلب الخلفاء الفاطميين وأسرهم قبل أن يخفي السلطان المملوكي الظاهر برقوق سيرة أحفاد المعز لدين الله بإلقاء رفاتهم خارج أسوار القاهرة لبناء خان كبير للتجارة في قلب القاهرة جوار مسجده الجديد الذي شُيّد في نفس الفترة.

مع مرور الزمن، نما السوق وأصبح أكثر معالم القاهرة تميزًا بعد الإهرامات، وتحوّل في العصر الحديث إلى سوق لبيع كل ما يتعلق بالتراث من ملابس وتحف وتماثيل ومصنوعات النحاس، لكن قبل أكثر من 15 سنة تغيرت الأمور وأصبح السوق مفتوحا لغير أهل البلد وأصحاب المهن اليدوية النادرين في مهاراتهم، بعد أن غزت الصين سوق التماثيل الفرعونية المقلدة والمشغولات النحاسية المغشوشة المصنوعة من خامات أقل جودة.

الغزو الصيني

على مدار عقدين من الزمان، احتلت البضائع الصينية كافة المتاجر في القاهرة في كل تخصصات وأشكال المنتجات ووصلت إلى أسواق التحف التراثية بنهاية عام 2002، كما يقول أحمد صالح، العامل في أحد البازرات السياحية بخان الخليلي، وأكد أن وزارة الصناعة بدأت قبل 3 سنوات الالتفات إلى خطورة التماثيل الصينية على الحرفيين المصريين في مهن النحت والدق على النحاس، وأصدرت قرارًا بوقف استيرادها بوصفها منتجات فن شعبي تخص التراث المصري، وخاصة مصنوعات النحت ورسومات الخطوط والألوان والحفر والخزف والطين والمنتجات المصنوعة من الأخشاب، وأيضًا الموزاييك والمعادن والمنسوجات وأشكال نماذج الآثار المصرية.

يؤكد صالح: رغم صدور هذا القرار لحماية تلك الصناعة الفريدة، بقي باب التهريب منفذًا سريًا لدخول تلك البضائع إلى السوق المصرية بشكل شبه دائم، وهناك صينيون كانوا يزورون القاهرة لتصوير منحوتات الآثار المصرية وأسرار مهنة الدق على النحاس لنقلها إلى الصين وتطوير تلك الصناعة لديهم وإيجاد أفضل الحلول لتسويق منتجاتهم لدينا، أو بمعنى آخر "بيع المياه في حارة الساقيين".

لكن الاختراق الصيني لتلك الصناعة انكسر نوعًا ما بعد أن صدر قرار تعويم الجنيه المصري، في نوفمبر 2016 وانخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار، وهو ما رفع أسعار المستورد وفتح الباب أمام الصناعة المحلية مرة أخرى، وحفز ذلك أحد المستثمرين على فتح مصنع لإنتاج منحوتات الآثار المصرية والنحاسيات بأسعار توريد، وقد أصطدم تجار تلك التحف بانخفاض حركة السياحة عما كانت قبل 6 سنوات، وأصبحت معدلات البيع أقل من السابق بنحو 50%.

أقوال جاهزة

شارك غردكان يزور الصينيون القاهرة لتصوير منحوتات الآثار المصرية وأسرار مهنة الدق على النحاس لنقلها إلى الصين وتطوير تلك الصناعة لديهم لتسويق منتجاتهم لدينا.

شارك غردقبل أكثر من 15 سنة تغيرت الأمور وأصبح السوق مفتوحا لغير أهل البلد وأصحاب المهن اليدوية النادرين في مهاراتهم، بعد أن غزت الصين سوق التماثيل الفرعونية المقلدة والمشغولات النحاسية المغشوشة المصنوعة من خامات أقل جودة.

علمًا أن وعي السائح الغربي المغرم بتراث مصر نما كثيرًا خلال السنوات الأخيرة وأصبحت كتيبات الإرشاد التي توزعها شركات السياحة تشمل أغلب أسعار السلع التي قد يقبل عليها السائح، الذي يرفض الشراء بسعر أعلى من المكتوب في الكتيبات، وهو ما يعطي أفضلية للمنتج المصري الأرخص نسبياً من الصيني المهرب، وهذا ما أكده مهند عبده صاحب بازار سياحي بإحدى مراكز التسوق بالقاهرة.

وأضاف مهند أنه رغم انخفاض سعر المنتج المصري أمام الصيني يقبل بعض السائحين على الأخير الذي يتميز أحيانًا في إتقان الشكل، إلى جانب أن القطع المستوردة لا يدوّن عليها بلد المنشأ، وهي خدعة تجذب السائح الذي يفضل المنتجات المصنوعة في مصر باعتبارها تراثًا يملك فنه الصناع المصريون فيشتري قطعًا غير مدوّن عليها أي بيانات عن دولة المنشأ ظنًا أنها بضائع مصرية.

قد يظن البعض أن فرق السعر بين المنتج المصري والصيني ليس كبيرًا، لكن مهند يقول إن الفرق قد يكون ضعفَيْ الثمن، فمثلًا الصندوق الخشبي المصنوع من وحي الفن التراثي المصري في النحت الإسلامي قد يصل سعره إلى 100 جنيه أي 5 دولارات ونصف، بينما الصيني المماثل له يصل إلى 200 جنيه، أي قرابة الـ11 دولارًا.

ومعلوم أن الحكومة المصرية منعت الاستيراد لحماية تلك الصناعة التراثية الهامة، لكنها بدت غير منظمة في التعامل مع القرار بسبب العادات البيروقراطية المتأصلة في الكيان الإداري منذ سنوات، وهو ما ظهر في حديثنا مع ياسر جابر المتحدث الرسمي باسم وزارة الصناعة والتجارة، إذ أكد أن تهريب البضائع الصينية المرتبطة بالتحف التراثية رغم صدور قرار منعها هو أزمة بعض الجهات الرقابية المختصة بهذه المهمة، لأن الوزارة ليست جهة تنفيذ لعمليات الضبط والتفتيش على البضائع في المنافذ التجارية.

ودعا ياسر إلى تطبيق القانون بشكل حاسم على من يعملون في تهريب تلك البضائع التي تضر بالمنتجات المصرية.

آثار مصرية في الصين

قبل عام 2011 بلغ حجم الاستثمار والتجارة في التحف والتماثيل التراثية والخزف والمجسمات النحاسية نحو 10 مليارات دولار وفق تقرير صادر عن شعبة (العاديات) في الغرفة التجارية بالقاهرة، وهي تجمع رسمي لتجار التماثيل المقلدة والتحف (الأنتيك). ومع تراجع معدلات السياحة أصيبت تلك التجارة بالركود، فبدأ أصحاب البازارات السياحية في التوجه لسلعة أخرى تكون من التراث، وعليها طلب جيد في الأسواق، فكانت بدلات الرقص الشرقي الزاهية التي لا يطلبها السائحون فقط بل المصريات أيضاً.

يقول حسن كامل، أحد الذين تركوا العمل في تجارة التحف التراثية، إن آخر عهده بتلك المهنة كان قبل 3 سنوات حين سيطرت البضائع الصينية وركدت التجارة، وإن تجارة بدلات الرقص أصبحت تحتل مساحة ليس بالقليلة من مساحات العرض داخل البازارات السياحية بدلاً من التماثيل ولوحات ورق البردي والأطباق النحاسية المنقوشة، خاصة أن منطقة الأزهر التي يوجد بها سوق خان الخليلي هي في الأصل أهم سوق لشراء تجهيزات العرائس اللواتي أصبحن يقبلن على بدلات الرقص كجزء من جهاز العروس.

ورأى الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور رشاد عبدة أن أزمة الصناعة المصرية في مواجهة قرينتها الصينية ليست في الصناعات اليدوية التراثية فقط ولكن في كينونة العمال في مصر والصين والفروق الظاهرة بينهما لمصلحة العامل الصيني الذي تمكن من السيطرة على سوق كبيرة بحجم مصر، بينما العامل المصري يرفض الاجتهاد رغم امتلاكه "صنعة" متميزة وفريدة من نوعها.

ولفت عبدة إلى أن الصين تقدر الحضارة المصرية وشغف العالم بها ولم يكتفِ الصينيون بالعمل على التحف التراثية المصري فقط بل شيدوا نماذج للأهرامات والآثار المصرية الأخرى عندهم، وأصبحت في عداد عوامل الجذب السياحي لديهم.

وأرجع عبدة الجزء الأكبر من أزمة تلك المهنة إلى وزارة الصناعة المصرية، مؤكدًا أنها، وإن كانت لا تملك دور رقابي، تملك دورًا أهم وهو تعظيم هذه الصناعة بالحفاظ على شيوخ المهنة وكوادرها وتدريب جيل جديد من الشباب على إجادة صناعة التماثيل الفرعونية والقطع النحاسية المشكلة والمدقوقة وغيرها، فبذلك فقط يمكن أن تطرد الصين من السوق بدلًا من اجتياحها له بسلعها المهربة.

التعليقات

المقال التالي