كَانْبْغِيكْ.. حُبٌّ مغربي ضائع بين السلطة والجنس والمال

كَانْبْغِيكْ.. حُبٌّ مغربي ضائع بين السلطة والجنس والمال

لم يعد سّهلاً أن تعيش الحب في المغرب حالياً، بسبب التغيّر الجذري الذي طرأ على مفهومه خلال العشرين سنةً الأخيرة، حيث أصبحت كلمة "حب" مجردةً من كل المعاني النبيلة والصادقة لدى عددٍ كبير من المغاربة، ذكوراً وإناثاً، فلا يرون فيه سوى أكذوبة من صنع الإنسان نفسه.

"الحب هو أسهل ما نكتب عنه، وأصعب ما نقوم به" مقولةٌ لعالم النفس سيجموند فرويد تنطبق على "الحب المغربي"، فانعدام الحب بمعناه النبيل أصبح قناعةً راسخة لدى الجميع، بل أكثر من ذلك، مجرد التعبير عن مشاعر الحب أو الإفصاح عنها يكاد يكون مستحيلاً، درجة أن الكثيرين لا يقوون على التفوه بعبارة "أحبك" للطرف الآخر، سواء تعلق الأمر بالحبيب أو الأخ أو الزوج أو بين الآباء وأبنائهم، وكأن اللسان المغربي ما عاد قادراً على النطق بهذه الكلمة ذات المفعول السحري.

عُقدة "كَانْبْغِيكْ"

أن تسمع عبارة "كَانْبْغِيكْ" التي تعني بالفصحى أحبك، في إحدى الجلسات أو خلال محادثة ما، أمرٌ نادرٌ، بل شبه مستحيل، وإذا افترضنا أن أحداً تفوه بها في لحظة معينة، سيصبح محطَّ أنظار الجميع، وسيطرح الكثيرون تساؤلاتٍ حول حيثيات تفوهه بهذه الكلمة. يبدو الأمر غريباً بعض الشيء لكنه واقع: أصبح من الصعب جداً على الفرد أن يقول كَانْبْغِيكْ.

بات المغربي يجدُ صعوبةً بالغة في التعبير عن أحاسيسه باللغة العامية، ففي صفوف المتزوجين على سبيل المثال، لا يفصح الكثير من الأزواج عن أحاسيسهم بعباراتٍ عامية يكون لها حتماً وقعٌ سحري على المتلقي، وهو ما أكدته سناء، شابة في منتصف ربيعها الثالث، دخلت القفص الذهبي منذ أكثر من عشر سنوات.

تضيف لرصيف22 أنها لا تمتلك الجرأة للتفوه بعبارة "كَانْبْغِيك" بطريقة مباشرة أمام زوجها "لست معتادةً على قول ذلك، منذ صغرنا كنا نشعر بالخجل كلما فكرنا في نطق هذه الكلمة، هكذا ترسخ لدينا الاعتقاد أنها كلمة مخجلة. مع مرور الوقت، وبفعل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الكثيرون يخرجون عن تحفظهم ويقولون "كَانْبْغِيكْ" لشركائهم لكن كتابياً، أي أن الأمر لا يتجاوز المحادثات.. لا أدري بأية طريقة أصبحنا لا نقوى على نطق عبارة جملة كهذه."

كيف إذن يُمكن تفسير هذا الأمر؟ تحاول سناء شرح المسألة من وجهة نظرها "في صغرنا، لم يسبق مثلاً أن سمعنا والدتي تقول لوالدي أحبك، لكن هذا لا يعني أن الحب لم يكن موجوداً بينهما. على عكس الأوروبين.. لم نتعود على إفشاء الحب بيننا منذ الصغر، حتى وإن حضرَ بقوةٍ، لكن لم يسبق أن أفصحنا عن ذلك أبداً.. أرى أن هذا ما يُفسّرُ الخجل الذي ينتاب الكثيرين كلما تعلق الأمر بكلمةٍ تُعبّرُ عن الإحساس بالحب."

بين الحب والجنس.. سوء فهمٍ كبير

كثيرون يربطون تلقائياً الحب بالجنس، خاصةً بعض البنات، اللواتي يعتبرن أن كل تعبير عن الحب يصدر عن شاب، تختبئ وراءه رغبةٌ دفينة في ممارسة الجنس تكون هي المحرك الرئيسي والدافع إلى التعبير عن أحساسيسه تُجاهَهَا، ما يجعل تلك الأحاسيس محل تشكيك.

"ليس كل تعبيرٍ عن الحب من شاب لفتاة يعني أن هدفه الحقيقي هو ممارسة الجنس معها، لكن هناك من يستعمل ورقة الحب من أجل تحقيق المبتغى الحقيقي أي الجنس، هنا تقع المسؤولية على الفتاة التي من المفترض أن تميز" تقول كنزة، 20سنة، مؤكدة لرصيف22 أنها واجهت بعض الشباب الذين هدفهم الوحيد الوصول إلى مرحلة ممارسة الجنس عن طريق استعمال الحب.

تتابع "تعرفت على شاب قبل فترة غير طويلة، حاول أن يوهمني أنه يُحِبني، لكن أمره انكشف بسرعة لأنه كان يتحين الفرصة فقط من أجل التقرب مني بهدف الإغراء كي أقع في شراكه. أعتقد أن بعض الفتيات يتحملن جزءاً من المسؤولية كذلك، هذا ما جعل الحب يفقد معناه الراقي ويتحول في نظر الكثيرات إلى وسيلةٍ لممارسة الجنس، وأدى إلى انتشار ظاهرة "السكس فريند" حتى في المغرب."

في الآونة الأخيرة، أصبح مفهوم "السكس فريند" مُتداولاً بكثرة بين أوساط الشباب، درجة أن البعض لا يترددون في الإفصاح عن ذلك للمقربين منهم، فبالنسبة للعامة يبدو الأمر متعلقاً بعلاقة حب عادية كما يفعل باقي الشباب، لكن "الاتفاق" الحقيقي المُبرم بينهما عُنوانه الجنس باسم الحب.

عندما تقتفي السلطة آثار العشاق

مُعطى آخر يجعل العلاقات الغرامية في المغرب تخضع لنوع من الرَّقابة من طرف السلطات، فرجال الأمن لهم الحق في إيقاف متحابَين يختليان ببعضهما على شاطئ البحر أو في حديقة عمومية أو مكان آخر يدخل في إطار المِلك العام، رُبما للمُداعبة أو لِتَبَادُل القُبل أو ماشابه ذلك، والرَّاجِح أن يسألهما رجل الأمن عن نوع العلاقة الرابطة بينهما، فقط من باب التسبب لهما في الإحراج.

لكن السلطات تُبدي الآن نوعاً من التسامح مع الشباب أصحاب العلاقات الغرامية، وهو ما تؤكده المشاهد اليومية التي يراها المارّة في الحدائق العامة أو بعض الأماكن التي تَتَّسِمُ بالهدوء، ما يعني أن رجال السلطة بدؤوا يقتنعون بضرورة التخلي عن "جُبّة" رجل الأمن المُحافِظ، وترك بعض الهامش للشباب من أجل الاستمتاع بلحظاتٍ حميمية.

يؤكد رضا، شاب في الـ24 من عمره، يُقيم في العاصمة أن السلطات بدأت تغضُّ الطرف خلال السنوات القليلة الماضية عن الشباب الذين يمضون أوقاتاً حميمية "سابقاً، كان الخوف يستبد بي وبأصدقائي، من إيقاف الشرطة لنا ونحن رفقة صديقاتنا، كان هذا شيء معمول به".

يتابع في حديث لرصيف22 "لكن في الحقيقة لاحظت أن رجال الأمن لمّا يقُومون بدورياتٍ مثلاً على شاطئ البحر، يتسامحون مع الشباب أمثالي، ويحدث أن يتوَجّهُوا عند شخصين يبدوان في سنٍّ كبيرة مقارنة معنا. من خلال تجربتي، فهمت أنه مادام الفَرْدينْ لا يقومان بأشياء تُخلُّ بالحياء العام، فلا أحد سيأتي لمُضايَقتِهِما أو إحراجهما".

يشير إلى أن هناك من يستحقون الإيقاف "كالذين لا يترددون في ممارسة الجنس داخل السيارات أو على جنبات البحر بين الصخور، هذه أشياء مبالغٌ فيها كثيراً، ويحق للسلطات أن تتدخل بها إذا أرادت، لكن يجب أن يُترَكَ لنا هامشٌ كي نعيش الحياة، ونستمتع بلحظات ولو قليلة من الحب".

المال فوق الحب

في مجتمعٍ ترسخت فيه أقوال من قبيل "البقاء للأقوى"، ويرى أغلبيته أن الخلاص الوحيد من المتاعب والمعاناة هو توفر المال، تحول العامل المادي إلى محددٍ أساسي في العلاقة بين الرجل والمرأة، من شأنه أن يساهم في توطيد أواصر المحبة، أو الوصول إلى القطيعة.

علاقة نجوى تتكئ على العامل المادي في أحد جوانبها، ابنة الـ22من العمر تدرس في شعبة الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، تحكي لرصيف22 عن ارتباطٍ يجمعها بأحدهم منذ 3 سنوات "تعارفنا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، ثم التقينا وربطتنا سريعاً علاقة حب، لا أنكر أنني عرفت شاباً آخر قبله، لكن لفترة معنية ودون نضجٍ كافٍ"

تضيف أن "عدداً من زميلاتي يعتقدن أنني على علاقة برفيقي الحالي فقط لأن لديه إمكاناتٍ مادية، وأنني أدعي حبَّه كي أستفيد منه، فهو يكبرني بحوالي 6 سنوات، ويملك سيارة وعمل مستقر، لكن يصعب عليَّ أن أقنعهم بمدى صدق أحاسيسي تجاهه، ولا أنكر أنني آخذ الجانب المادي بعين الاعتبار"

"اسمحلي، لا يمكنني الارتباط بشخص لا يقدر على متطلبات الحياة العادية، أي سيارة، بيت وعمل مستقر، فلم أعد مراهقة كي أضيع وقتي في علاقات لا مستقبل لها. الكل اليوم يبحث عن مصلحته أولاً، إذا كانت أقل متطلبات الحياة متوفرة، يأتي الحب ويتطور مع المدة، لتأخذ العلاقة منحى آخر يكون في الغالب أكثر جدية."

أقوال جاهزة

شارك غردأصبح مفهوم "السكس فريند" مُتداولاً بكثرة بين أوساط الشباب في المغرب. فبالنسبة للعامة يبدو أن الأمر يتعلق بعلاقة حب عادية مثل ما يفعله باقي الشباب، لكن الاتفاق الحقيقي المُبرم بينهما يكون عُنوانه الجنس باسم الحب.

شارك غردالتعبير عن الحب له قاموس خاص في المغرب.. مَزْعُوطْ: مفردة مُتداولة بكثرة تُستعمل لوصف الشخص الذي تظهر عليه علامات الوُقوع في الحب بشكل واضح. تُستعمل في الراجح من باب السُخرية، وهي صالحةٌ للجنسين (مَزْعُوطْ-مَزْعُوطْة).

قاموس الحب في المغرب.. كلمات غريبة ودلالات كبيرة

ابتكر المغاربة على مر العقود الأخيرة قاموساً خاصاً للتعبير عن الحب أو للحديث عنه، ميزته أنه مُكوَّن من عباراتٍ فظة وقاسية، لكنها في العُمق تُعبِّر عن أحاسيس الحب والغرام على الطّريقة المغربية.

هنا جردٌ لأكثر العبارات الغرامية تداولاً بينَ العُشَّاقْ المغاربة:

- البْغُو/ بَضَاضْ: تعني الحُب باختصار.

- كَانْبْغِيكْ: العبارة ذات المفعول السحري، تعني أُحبك، ويُمكن قراءتها على النحو التالي إذا تُرجِمت حرْفياً: أنا أُريدكْ.

- مَزْعُوطْ: مفردة مُتداولة بكثرة تُستعمل لوصف الشخص الذي تظهر عليه علامات الوُقوع في الحب بشكلٍ واضح، تُستعمل في الراجح من باب السُخرية، وهي صالحة للجنسين (مَزْعُوطْ-مَزْعُوطْة)

- تَانْموتْ عْليكْ: حرفياً، تعني أموتُ فيك حُبّاً، تُستعملُ للتأكيد على مدى جِدِّية أحاسيس الفرد.

- تَانْتصْطَّا عْليك: تعني أعْشقك درجةَ الجنون، وهي من العبارات الأكثر تداوُلاً بين العُشَّاق، خاصة الشَّباب منهم.

- حْبِيبَة: صالحة للجنسين معاً، يُقصَدُ بِها: حَبيبي، حَبيبتي.

وهناك من يستعمل كلمة "كْبِيدَةْ" لمخاطبة الحبيب، خاصة البنات، وتعني بالفصحى: يا كبدي.

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

كلمات مفتاحية
الحب المغرب

التعليقات

المقال التالي