اختلاف مفهوم الألم لدى الشعوب: كيف نعبّر كأفراد عن ذلك الشعور بالوجع؟

اختلاف مفهوم الألم لدى الشعوب: كيف نعبّر كأفراد عن ذلك الشعور بالوجع؟

اختبر الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض الألم بجميع أشكاله، الأمر الذي دفع بالجنس البشري إلى التفكير ببعض "المسكنات" التي من شأنها المساعدة على الوقوف بوجه هذا الإحساس المؤلم.

فقد عثر علماء الآثار على ألواح طينية تعود إلى 5000 عام قبل الميلاد تشير إلى زراعة الأفيون بغية التخلص من الألم الجسدي. كما تحدث الشاعر الملحمي الإغريقي هوميروس في ملحمة الأوديسيه عن رجل كان يلجأ إلى هذه المادة المخدرة لتهدئة ألمه ونسيان مخاوفه.

من المواد المخدرة والأعشاب وصولاً إلى الأدوية، حاولت بعض الثقافات البحث عن المسكنات على أنواعها لمواجهة الآلام الجسدية التي لا تطاق، في حين أن بعض الثقافات الأخرى اعتبر أن الألم هو إحساسٌ بشري ضروري ولا يتجزأ.

ما هو مفهوم الألم وكيف تختلف النظرة إليه بحسب الثقافات والهوية الجندرية وبعض العوامل المرتبطة بالشخصية والأعراق؟

الألم في عيون الفلاسفة

برزت نظرياتٌ فلسفيةٌ عديدة تغوص في الأسباب الجذرية للألم البشري.

فعلى غرار أفلاطون، لم يعتبر أرسطو أن الألم يندرج ضمن الحواس البشرية، إذ زعم أن الألم واللذة ليسا سوى مشاعر، في حين أن أبقراط اعتقد أن سبب الألم هو اختلال التوازن في السوائل الحيوية للإنسان، واللافت أنه في ذلك الوقت لم يعتقد أرسطو ولا أبقراط أن الدماغ يلعب أي دور فعلي في معالجة الألم، بعكس القلب الذي اعتبراه العضو الأساسي في عملية الإحساس بالألم.

بقي مفهوم الألم غامضاَ بالنسبة إلى العديد من الفلاسفة والعلماء، فحتى قبل بزوغ فجر النهضة العلمية في أوروبا، كان هناك اعتقاد بأن الألم موجود خارج الجسم البشري، كعقاب من الله، والشفاء منه يكمن عبر طريقةٍ واحدةٍ: الصلاة.

أقوال جاهزة

شارك غردإن الشعور بالألم مرتبط بعدة عوامل مثل: الهوية الجندرية، العرق، السمات الشخصية والثقافة، والتي تتداخل فيما بينها، الأمر الذي يغير نظرة المرء تجاه الألم.

شارك غردكان ينظر إلى الألم على أنه اختبار يجريه الخالق على النفس البشرية لإعادة تأكيد عقيدتها وتثبيت إيمانها. والشفاء منه يكمن عبر طريقةٍ واحدةٍ: الصلاة.

بمعنى آخر كان ينظر إلى الألم على أنه اختبار يجريه الخالق على النفس البشرية لإعادة تأكيد عقيدتها وتثبيت إيمانها، وقد بقيت هذه النظرية متداولة حتى العام 1664، حين شبه "رينيه ديكارت" في كتابه Treatise of Man الجسد بالآلة وفسّر الألم على أنه اضطراب ينتقل عبر الألياف العصبية إلى أن يصل إلى الدماغ.

ومن خلال هذه النظرية، حوّل "ديكارت" الإدراك بالألم من كونه تجربة روحية وباطنية إلى إحساس فيزيائي وميكانيكي يتطلب علاجه تحديد مصدر الألم عوضاً عن استرضاء القوة الإلهية، بالإضافة إلى نقل مركز الإحساس بالألم من القلب إلى العقل.

اختبار الألم

سواء كان الأمر متعلقاً بصداع أو كسور في العظام، فإن تجربتنا مع الألم تختلف من شخصٍ إلى آخر، وهو أمر أكده أحد الاختبارات العلمية التي كشفت أنه انطلاقاً من البرد القارس وصولاً إلى الصدمة الكهربائية، فإن نفس مستوى التحفيز سبّب صراخاً لدى البعض ومجرد "رفة عين" بالنسبة إلى البعض الآخر.

فلماذا يكون الألم مجرد إحساس عابر لدى البعض في حين أن فئة أخرى تتخذ الألم "رفيقاً لها"؟

تحدث مقال ورد على موقع The psychologist، عن كيفية اختلاف الإحساس بالألم وفق الأشخاص، مشيراً إلى أن الاختلافات الفردية للألم هي بمثابة صورة مصغرة للعلم حيث يلتقي علم النفس وعلم الأحياء وعلم الإجتماع.

فقد أوضح الموقع أن الشعور بالألم مرتبط بعدة عوامل مثل: الهوية الجندرية، العرق، السمات الشخصية والثقافة، والتي تتداخل فيما بينها، الأمر الذي يغير نظرة المرء تجاه الألم.

بمعزل عن الدراسات التي تركز على الآليات النفسية والبيولوجية، تبيّن أن معتقدات الشخص وتنشئته الثقافية قد تغيران في الطريقة التي يستجيب بها جسمه ودماغه للألم، وهو أمر أكده البروفيسور "روجير فيلينغيم"، أخصائي في علم النفس السريري في جامعة فلوريدا، مشيراً إلى أنه في موضوع الألم من المهم عدم حصر المعركة بين علماء النفس وأطباء الطب الحيوي لأننا "نحتاج إلى دمج كل هذه العوامل لفهم كيفية عملهم معاً بشكلٍ أفضل لخلق تجربة الألم في النهاية".

الهوية الجندرية

من الأكثر قدرةً على تحمل الألم، الرجل أم المرأة؟ سؤال يثير الكثير من الجدل، فمن جهة لا يوجد أي نقص في القصص التي تدور حول الشجاعة الأنثوية، لأن المرأة لطالما أثبتت أنها قادرة على تحمل الألم، وهل هناك أشد ألماً من مسألة الولادة ومخاض الإنجاب؟ ومن ناحية أخرى، فإن الرجال يتمتعون بـ"سمعةٍ طيبةٍ" لناحية غريزة الشجاعة والبطولة، خاصة في مجتمعاتنا العربية إذ هناك صورة نمطية مفادها أن الرجل أقسى من المرأة، في إشارة إلى أنه يتحمل الألم أكثر منها.

أما الأبحاث العلمية فتصب في اتجاهٍ واحدٍ: لدى الرجال قدرة أكبر على تحمل الألم من النساء.

في العام 1998، قامت "باميلا بولسون" بفحص أدمغة 10 نساء و10 رجال أثناء إخضاعهم لمحفزات الحرارة، وقد تم إخبار المشتركين أن التجربة تهدف إلى اختبار قدرتهم على تحمل درجات الحرارة، من خلال استخدام مقياس صفر "غياب الشعور بالألم" وصولاً إلى 10 "إحساس بالألم بالكاد يمكن تحمله"، واللافت أنه كانت لدى المشتركات إحساس أعلى بالألم من الرجال، حتى أن أدمغتهنّ أظهرت أيضاً تغييراً في الاستجابة لذلك الألم.

via GIPHY

ولكن ما علاقة الهوية الجنسية بالألم؟

لأسبابٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ يتدرب الرجال على أن يكونوا أكثر قدرةً على تحمل الألم، لذا يتكتم معظمهم عن الإفصاح عن شعورهم بالأوجاع كما أنهم يتحملون المزيد من الألم خاصة في حال كانت الأنثى هي التي تقود الاختبار، وهو أمر أثبته كل من فريديريك ليفين ولورا لي دي سيمون في دراسةٍ أجريت في العام 1991.

من ناحية أخرى تلعب الهرمونات دوراً في هذا الشأن، لأنها تزيد حساسية المرأة للألم مقارنة بالرجال، كما أن استجابة المرأة للألم تختلف وفق فترة الطمث، وأثناء الحمل وبعده وعند تناول حبوب منع الحمل.

بالإضافة إلى أن النساء يعتبرن أن الألم هو بمثابة "كارثة" فيتعاملن معه على أساس أنه تهديد وأمر فظيع يصعب السيطرة عليه.

العرق

بالإضافة إلى الجنس، هناك أدلة قوية تشير إلى وجود علاقة بين الألم والعرق، إذ تبين أن الأشخاص البيض القوقازيين هم أكثر قدرةً على تحمل الألم من أولئك المنحدرين من أصول أفريقية أو آسيوية، حسب نوعية الألم طبعاً، فعلى سبيل المثال كشفت دراسة أجرتها "كلوديا كامبال" أن 62 من المشتركين الأفارقة الأمريكيين كانوا أقل تسامحاً مع الآلام الناجمة عن الحرارة من المشتركين البيض.

ووجدت دراسة أخرى أجراها فريق البحث نفسه أن المشاركين الأميركيين من أصل أفريقي كانوا أقل تفاعلاً مع حافز ألم كهربائي من المشاركين البيض. وإلى جانب الدور الذي تلعبه التأثيرات الثقافية، تم أيضاً تحديد العديد من الآليات الفيزيولوجية والنفسية التي تقوم عليها الاختلافات العرقية، وبالتالي اختلاف النظرة لشعور الألم والتعبير عنه لغوياً وجسدياً.

via GIPHY

ويعود السبب في عدم الإبلاغ عن الألم لبعض المفارقات الإجتماعية والثقافية: إذا نشأنا في ثقافةٍ تعتقد أن الألم هو علامة من علامات النبل والقوة، فإن ذلك سيغير معتقداتنا عن الألم وتقييمنا له، مما يؤثر بدوره على سلوكنا وعلى استجاباتنا البيولوجية والفزيولوجية.

وقد قسم موقع Dimensions of culture استجابة البشر تجاه الألم إلى نوعين: رواقي وعاطفي، وفي حين أن الفئة الأولى تتحمل أوجاعها بصبرٍ وابتسامةٍ، فإن الفئة الثانية هي أكثر تعبيراً عن آلامها وتفضل أن تكون محاطة اجتماعياً إذ تتوقع من الجميع أن يتفاعلوا بدورهم مع شعورها بالألم، واللافت أنه غالباً ما ينحدر هؤلاء الأشخاص من أصولٍ معيّنةٍ: إسبان أو من الشرق الأوسط، في حين أن فئة "العاطفيين" تضم أشخاص من أوروبا الشمالية وآسيا.

الشخصية

هناك عامل رئيسي آخر مرتبط بالطريقة التي يختبر بها الشخص الألم: الشخصية.

فقد تبين أن الأشخاص الذين يسجلون درجات أعلى من العصبية يميلون إلى إظهار حساسية أكبر للألم، كما أن مظاهر الشخصية تتنبأ بالطريقة التي يستجيب بها الشخص لتخفيف ألمه، إضافة إلى أن السمات الشخصية تنذر باحتمال حدوث الألم المزمن في وقتٍ لاحقٍ.

إذ تبين مثلاً أن المرضى الذين يعانون من "الهستيريا" أو "جنون العظمة" كانوا أكثر عرضةً للإصابة بأمراضٍ مزمنةٍ في منتصف العمر وتعاملوا معها بطريقةٍ مختلفةٍ عن غيرهم: من الطبيعي أخذ قسط من الراحة والاسترخاء بعد التعرض لإصابةٍ مؤلمةٍ، إلا أن الشخص الذي يسجل أعلى درجة من تجنب الأذى سيستمر في التصرف بهذه الطريقة حتى بعد أن تلتئم الإصابة.

كلمات مفتاحية
الألم الجسد

التعليقات

المقال التالي