رقص وعُري وشراسة... أسلوب الحياة على كوكبٍ حافظ على سحر الأنثى البدائي لو لم يحكمه الرجال

رقص وعُري وشراسة... أسلوب الحياة على كوكبٍ حافظ على سحر الأنثى البدائي لو لم يحكمه الرجال

تصحو مبكرًا، تشرب فنجان قهوة، تأخذ دوشًا، تعدّ فطورك، تُرتّب بيتك، تذهب إلى عملك، تمارسه على مضضٍ أحيانًا، وبشغفٍ أحيانًا، تعود، تُعِدّ عشاءك، تسمع بعض الموسيقى، تحتسي شايًا، تقابل بعض الأصدقاء، تَخلُد إلى نومك، ثمّ تصحو صباحًا، وتعيد إيقاعك ثانية.

تبدو تلك حياة مملّة، روتينية، لا روح فيها، يكاد أحدنا لو عاشها أن يموت من السأم، وينشد بعض التغيير، ولكنّها بحسب آخرين، هي تفاصيل مدهشة، وحياة، والاستغراق فيها بلا قلق، أو ملل، يُحقق لك الاستنارة، إنّه نمط حياة أشخاص يعتقدون أنّهم الأكثر حياةً وسعادةً على الأرض، إلى الدرجة التي دعوا فيها العالم أن يتخذوها نمطًا لحياتهم، وبنوا حول تلك الحياة العادية جدًا أكثر الفلسفات إدهاشًا، لفرع من فروع البوذية يُسمَّى بوذية الزن.

ولكن القليل يعلم أنّ تلك الرؤيا أسّستها امرأة، لطالما كرهَت الثقافة، والتأمّل، والفلسفة، وأحبّت العري، والغناء، والحميمية، واستغرقَت في عملها "صناعة السهام" بِشَغَف، إنّها سيري كيرتي، وذلك بحسب ما رواه المعلم الهندي أوشو في الجزء الأول من كتاب "رؤية التانترا".

سيري كيرتي: بداية النشوة نهاية الحروب

بعد مرور مئتي عام على وفاة بوذا، عاش معلّم يدعى راؤول كرّس حياته للتأمل، والفلسفة البوذية، وكان نديم الأمراء، وغنيًا، ورغبت زوجة الملك بأن يتزوج ابنتها، اجتهد كثيرًا، حتى وصل إلى الاستنارة، وبدأ الناس يتوافدون إليه، يُقَدّسونه، ويُحيّونه، وبدا أنّه وصل إلى ما يحلُم به أيّ رجل: العلم، الاستنارة، المال، الوجاهة الاجتماعية.

يومًا ما بينما كان يتأمل، رأى رؤيا، امرأة في السوق، سوف تصبح معلمته الحقيقية، سألَته : "أين تذهب؟"، أجاب: "أريني الطريق، لقد أنهيتُ نصف الطريق، وأنا الآن جاهز للنصف الآخر".

أقوال جاهزة

شارك غردالساحرات كنّ في الغالب من النساء المستقلات، أو المتمردات اللواتي يعشن بمفردهن، أو عصين أزواجهن، أو رفضن ممارسة الجنس معهم.

شارك غردإنّ الأنثى القوية الشرسة جزء كبير من النفس، عندما يُعترف بها وتُكرَّم، ستصبح مصدر قوة لا يُصدَّق، ولكنّها مكبوتة، وعندما لا يُعترَف بها، وتُكبَت، تصبح مُهدّدة، مُدمّرة، انتقامية.

استيقظ، وذهب إلى السوق، وللمفاجأة رأى المرأة ذاتها،  سيري كيرتي، تصنع الأسهم، فتاة شابة، مشعّة بالحيوية، ونابضة بالحياة، تُقطّع الأسهم وتشذّبها، كانت مستغرقة في عملها، شعر بشيء غير عادي في حضورها، وسألها هل هي محترفة، ضحكَت بطريقة بربرية، ونعتته بالغبي، وقالت له ساخرة كعادتها من نمط حياته: لقد كنت تتعبّد لبوذا، وغيّرتَ كتبك، ولكنك ستظل الرجل الغبي.

"تعالَ واتبعني".

يعلّق أوشو: لقد علّمَته لأول مرة ماذا يعني التأمل؟ ليس أن تجلس لفترة، وتردّد التعويذة، أو تذهب إلى المعبد، ولكن أن تكون حيًا، تنطق بأشياء تافهة، ولكن باستغراق عميق لكل ما تقوم به.

سمّته صراحة بدلًا من راؤول.

ثم ذهبَت به إلى الأرض التي تُحرق فيها جثث الموتى ليعيشا هناك، "ليولدا من جديد"، في أرض المقابر التي ستصبح مكانًا مقدسًا لأتباع التانترا التي لم تُخلق بعد، ترك صراحة التأمل، وبدأ يُغنّي، ويتعرّى، ويرقص، ويحتفل بكل تفصيلة من حياته كاملةً على أرض المقابر.

أمسى الرجال في القرية ضدّه، لم يعد راهبًا، ترك حياة التأمل والعبادة، واستغرق في المجون والاستهتار مع "الغجرية"، يرقصان ويغنيان، ويتعرّيان، ويحتفلان بوجودهما، ومع مرور الزمن، انضمّت زوجة الملك لهما، وتقول الحكاية إنّ كل من رآهما انضمّ إليهما، حتى انضمّ الملك أخيرًا بجيشه الذي أعدّه ليُطَهّر البلاد من "رجسهما"، وأصبحت القرية بالكامل تبتهج بحياتها، غناءً، ورقصًا، واستمتاعًا بالروتين، واختفَت الحروب، والصراعات، لمدّة طويلة بحسب ما يرويه حكماء الزن.

من تلك المرأة نشأت التانترا، طائفة دينية تتبنى طقوسًا جنسية لتحقيق الاستنارة، ومنها أيضًا نشأت بوذية الزن، فرع عن البوذية يتبنى تفاصيل الحياة العادية والروتينية للتحقق الإنساني، هكذا علّق أوشو على حكاية سيري وصراحة.

"حكمة القمر": السحر الفريد للأنثى البدائية

كانت أميرة، اسمها "حكمة القمر"، كرّست نفسها لتعاليم البوذا، ومارست تأملًا عميقًا، واقتربت من الوصول إلى الاستنارة، وطوّرت نيتها في تحقيق التنوير لمصلحة كل الكائنات.

اقترب منها معلّمها الراهب قائلًا: ممّا يدعو للأسف أنّك في جسد امرأة، ولا يوجد احتمال أن تتمكني من تحقيق الاستنارة وأنت في جسد امرأة، لذا عليك أن تعودي في حياة أخرى على هيئة رجل قبل أن تصبحي مستنيرة.

هنا لا يوجد رجل، ولا امرأة، ولا ذات، ولا شخص، ولا وعي، تسمية "ذكر" أو "أنثى" جوفاء، أوه، كيف يخدع الحمقى الدنيويون أنفسهم

وأجابت الأميرة: هنا لا يوجد رجل، ولا امرأة، ولا ذات، ولا شخص، ولا وعي، تسمية "ذكر" أو "أنثى" جوفاء، أوه، كيف يخدع الحمقى الدنيويون أنفسهم.

منذ ذلك الحين أخذت على نفسها عهدًا، بما أنّ معظم المستنيرين رجال، أن تَصل إلى الاستنارة مثل الرجال لمصلحة كل الكائنات الحية في جسد امرأة.

ومنذ ذلك الوقت عملت على تكريس نفسها لتحقيق الاستنارة، وعندما حقّقَت هدفها، عُرِفَت باسم تارا، المُحرّرَة.

واعتبرتها لاما تسولتريم أليوني، مؤلفة ومعلمة دولية، وتعتبر المؤسس والمدير الروحي لتارا ماندالا، في مقال لها على موقع "تيري سايكل" أنّها أول امرأة نسوية، وزعيمة روحية، و"حامية الغابة"، وتم تصويرها في الأساطير البوذية بقدم في العالم، وقدم أخرى في التأمل، وهو المكان الذي يجد معظمنا نفسه فيه.

وتُعلّق أليوني: هناك قواعد، وقوانين، ورسائل ثقافية تؤثر على النساء، وتسلبهن قوتهن، ونتمنّى ألّا نفقد "السحر الفريد للأنثوية البدائية".

لقد فقدنا نماذج القوة الأنثوية إلى حدّ كبير، أو تمّ قمعها، أو مواراتها عن الأنظار، خاصّةً الصور الأنثوية المرفوضة، وغير الآمنة في مجتمع أبوي، هذه الصور المتعلقة بالعرّافة، المرأة الحكيمة، المرأة البرّيّة، التي تُجسّد قوى مُحَدّدة للتحول، السحر، الروحانية، أصبحن ساحرات شريرات.

ويُقدّر عدد النساء اللّاتي تمّ إعدامهن كساحرات من القرن الخامس عشر إلى الثامن عشر، عن طريق حرقهنّ أحياءً، وطرق أخرى أكثر إيلامًا، من 60 ألفًا إلى 100 ألف امرأة، إنّها أوقات التزمت، والقمع الجنسي، وحرق النساء، لأنّ الساحرات كنّ في الغالب من النساء المستقلات، أو المتمردات اللواتي يعشن بمفردهن، أو عصين أزواجهن، أو رفضن ممارسة الجنس معهم.

وتمّ تصدير صورة الأم الملتزمة، التقيّة، المُكرّسة نفسها لعائلتها، هذه الصورة آمنة ومقبولة من جميع الثقافات "الأبوية".

وتحكي أليوني" عن النموذج الأنثوي البدائي" المفقود: إنّها التجربة التي تأتي من الحدس الأنثوي المقدس، المكان الذي تكون فيه اللغة متناقضة، ونبوية، حيث يكون التركيز على المعنى الرمزي، وليس الكلمات، حيث تجلس النساء عاريات، في طقس معروف بالتبت، ويُشكلن دائرة، يزينّ عريهنّ بالطين، والعظام، والريش، ليتحولن إلى آلهة، إلى "داكيني" الطاقة الوحشية.

وكلمة "داكيني" سنسكريتية، وتعني بشكل حرفي "راقصة السماء"، ومعناها "المرأة التي تتحرك في الفضاء"، إنّها بحسب أليوني الجزء الأنثوي الهام البارز في تعاليم بوذية التبت، يمكن أن تظهر كإنسانة أو كإلهة، تُصَوّر على أنّها شرسة، تحيط بها النيران، عارية، ترقص، بأنياب، ولسان طويل، وحُلي العظام.

الـ"داكيني" رسولة القوة الحقيقية، تظهر أثناء التحولات، بين عالم الموت والحياة، الرؤى بين النوم والاستيقاظ.

تعلموا من حالة الولادة "الشراسة البريئة" لتغيير العالم

تقول أليوني إنها فكّرت في الـ"داكيني" في الوقت الذي يسمى "الانتقال" أثناء الولادة، حيث يتحتم على عنق الرحم أن ينفتح سينتمترات لنزول الطفل إلى قناة الولادة. في هذه اللحظة تكون مرحلة الانتقال الأكثر إيلامًا وتحديًا أثناء المخاض، ويجب على المرأة أن تتماس مع الجانب البري في شخصيتها، وتتحمّل المسؤولية، وتدخل بعمق لـ"قوتها البدائية".

لا بد للمرأة أن تختبر الـ"الداكيني" داخلها، أن تصبح شرسة، بربرية؛ وهي تتحرك في النفق المظلم، وحيدة، تحضر طفلها إلى النور.

وتستشهد أليوني بتجربتها أثناء المخاض، جاء الطبيب بعد ثماني ساعات من المعاناة، وقال لها إنّ وضع الطفل خاطئ، حينذاك فكّرت "إنه واجبي، لا أحد عليه أن يفعل ذلك سواي"، نزلت من السرير على يديها وركبتيها مثل الحيوانات، وقالت للطبيب: اتركني، وبدأت تلوّح، وترتجف للأمام والخلف، للأعلى والأسفل، حاول زوجها الاقتراب ونصحها بالسكينة، والتنفس بهدوء، ولكنّها أخبرت الجميع أن يبتعدوا عن طريقها.

عشتار تعشق في الليل، وتقاتل في النهار، أم حانية، ومتعطشة لالتهام جثث البشر، إلهة الجنس، تمتع الرجال على السرير من جهة، وتسلبهم فحولتهم من جهة أخرى

تقول: "كنت شرسة وواضحة، مثل حيوان بدائي، أتعرّق، أهتزّ، أرتجف، أتأرجح ذهابًا وإيابًا"، وظلّت فترة غير طويلة، جاثية على ركبتيها ويديها، حتى خرجت طفلتها، سمّت الكاتبة حالتها "التعاطف الشرس"، وشدّدت على أنها حالة نسوية ضرورية أن تنقلها المرأة إلى الرجال، أحيانًا يحتاج الرجال والنساء إلى تلك الطاقة، والشراسة، والبدائية، إنها الشراسة بدون كراهية أو عدوان، في بعض الأحيان تصبح مظاهر الغضب أكثر فعالية من السلم، ومن خلال فهمنا لتلك الشراسة يصبح الـ"داكيني" مصدر إنتاجي مبدعًا، يمسك بزمام السلطة ليُخضِع، ويَحمي، ويُغيّر.

يجب أن نحاول العثور على تلك المصادر لقوة الداكيني الشرسة، لتؤثّر على ما يهمنا في حياتنا، العاطفية أو الفكرية أو السياسية، لإشباع طاقتنا الأنثوية القوية، لنتطوّر كنساء، إنّ الأنثى القوية الشرسة جزء كبير من النفس، عندما يُعترف بها وتُكرَّم، ستصبح مصدر قوة لا يُصدَّق، ولكنّها مكبوتة، وعندما لا يُعترَف بها، وتُكبَت، تصبح مُهدّدة، مُدمّرة، انتقامية.

ولهذا السبب خاف الرجال القمر، وكفروا بعشتار، الإلهة الأنثى الأولى، بحسب الباحث السوري فراس سواح، وقدّسوا الشمس، وعبدوا الإله المذكر.

عشتار إلهة "عاهرة" مقدسة

عشتار، بحسب فراس سواح في كتابه "لغز عشتار"، مرتبطة بـ"القوة المؤنثة" واتخذت أكثر من رمز في بلاد عديدة، وتظهر في عدة ثقافات تصطحب الأفعى، رمزًا للمعرفة بأسرار النباتات وخصائصها، إنّها الإلهة الأولى، التي حملت تلك التناقضات الطبيعية، "ربّة الحياة وخصب الطبيعة" من جهة، وهي "الهلاك والدمار وربّة الحرب"، تعشق في الليل، وتقاتل في النهار، أم حانية، ومتعطشة لالتهام جثث البشر، إلهة الجنس، تمتع الرجال على السرير من جهة، وتسلبهم فحولتهم من جهة أخرى. هي العتمة والنور، قاتلة وشافية، بتول و"عاهرة" مقدسة، مشرقة بالمعرفة الصوفية، وغيبوبة الحواس ونومها العميق.

ويوجز سواح وجودها: "التقت عندها المتناقضات، وتصالحت المتنافرات".

ليس ذلك فقط، يربط سواح بين المبدأ الأمومي، حيث كانت المرأة المسيطرة، بأخلاق المشاع والعدالة والمساواة، والمبدأ الأبوي، حيث يسيطر الرجال كما هو الوضع الآن، بالتسلط والتمييز، الأم تعني التوحد مع الطبيعة، الأب يعني خروجًا عن مسارها، وعدم الخضوع لقوانينها.

وكان القمر رمزًا لتلك الإلهة، ولسحر الأنثى البدائي، وقوة الداكيني، ولكن الرجل خاف من الغموض، والتحولات المزاجية الحادة، ومن ضعفه أمام رغباته، ومن فقدان ذكورته أمام المرأة، الواثقة والمتكيفة مع تحولات القمر ومزاجيته، فبحث عن إله واضح مثل النهار، لا يتغير شكله مثل الشمس، يرى الأشياء بوضوح، بعيدًا عن غموض الليل وظلامه وتحولاته.

التعليقات

المقال التالي