بائعو الكتب على أرصفة دمشق: حقوق الملكية الفكرية لم تمر من هنا

بائعو الكتب على أرصفة دمشق: حقوق الملكية الفكرية لم تمر من هنا

على حافة جدار في طريق عام وسط العاصمة السورية دمشق، تستلقي عشرات الكتب الجديدة المغلفة بنايلون شفاف، ويقلبها شبان وشابات يبحثون عن عناوين معينة يرغبون بشرائها.

يجد يامن الأسمر ضالته في رواية من منشورات دار الآداب اللبنانية، ويشتريها بمبلغ 1500 ليرة سورية (حوالي ثلاثة دولارات أمريكية)، وبعد أن يبتعد بضع خطوات يقلب صفحاتها ليكتشف بأنها من الداخل رواية أخرى، ويعود إلى صاحب البسطة شاكياً ومطالباً الحصول على نسخة صحيحة.

"لا تعذب حالك.. كل النسخ في البلد على هذه الشاكلة" هو الجواب الذي يحصل عليه الشاب من صاحب البسطة، ويقرر ألا يُتعب نفسه في النقاش فالرجل على حق: الكتاب مصوّر، كحال كثير من الكتب التي تباع اليوم في مكتبات دمشق وعلى أرصفتها، ويبدو ذلك واضحاً من نوعية الورق المستخدم والحبر الذي تختلف سماكته من سطر لآخر، والذي لا يشبه النسخ الأصلية في شيء.

بعد تفكير لبضع دقائق، يطلب يامن استبدال الرواية بكتاب آخر ويتأكد من صحة ترتيب الصفحات بداخله ومحتواه قبل الانصراف.

وبحسب حديث يامن (20 عاماً) مع رصيف22، فإن بسطات الكتب المنتشرة في كثير من شوارع دمشق باتت ملاذ الشباب الراغبين بالقراءة، والعاجزين عن دفع مبالغ طائلة مقابل ذلك، "فبدل عشرة دولارات وهو سعر أقل كتاب جديد هنا أو في بيروت، ندفع ثلاثة دولارات على الأكثر لنحصل على ما نريد. معادلة رابحة بعض الشيء".

ويضحك الشاب لدى سؤاله عن "حقوق المؤلف والملكية الفكرية" ويقول: "حقوق وملكية فكرية في سوريا؟ لم أسمع بها من قبل. كل ما نحصل عليه في هذا البلد عبارة عن نسخ. لم نعرف يوماً سوى الـ Copy-paste. وما الضير في ذلك إن كنا غير قادرين على شراء النسخ الأصلية لارتفاع سعرها؟ ولمَ يجب أن تتحول الثقافة إلى تجارة؟".

كتب قديمة مستعملة، وأخرى جديدة مصوّرة

بيع الكتب على الأرصفة في سوريا ليس بالأمر الجديد، فأصحاب البسطات اعتادوا منذ أعوام طويلة عرض الكتب القديمة والمستعملة، والتي يحصلون عليها بأعداد كبيرة من أشخاص يرغبون بالتخلي عما لديهم من كتب قديمة في منازلهم، فتحولت أرصفة العديد من المدن السورية مع الأيام إلى مصدر لكنوز ثمينة يقصدها الباحثون عن عناوين معينة نادرة يتعذر وجودها في المكتبات، خاصة الطلاب الذين يهتمون بالحصول على مراجع علمية وأكاديمية قد لا تكون متوفرة بسهولة.

أقوال جاهزة

شارك غردعملية النسخ تحصل بإحضار نسخة أصلية واحدة من الكتاب، ومن بيروت على الأغلب، ومن ثم تصويرها وبيع النسخ بسعر في متناول يد الشريحة الأكبر من السوريين. "عمل خيري" وفق البعض.

شارك غردبدل عشرة دولارات وهو سعر أقل كتاب جديد هنا أو في بيروت، ندفع ثلاثة دولارات على الأكثر لنحصل على ما نريد. معادلة رابحة بعض الشيء.

البعض كان يطلق على أصحاب بسطات الكتب تلك اسم "ملوك الكتاب"، فلديهم من الكتب ما لا يوجد في مكان آخر. آخرون يستمتعون بشراء الكتب ذات الصفحات الصفراء والحواف المتمزقة والملاحظات على هوامش أوراقها، كدليل على قِدمها.

وككثير من البلدان، لاقت الثقافة والقراءة في سوريا تراجعاً وكساداً حتى منذ سنوات ما قبل الحرب، لكن هذا التراجع بلغ ذروته مع بداية الاحتجاجات ومن ثم اندلاع الحرب التي تسببت بتراجع اقتصادي ومستويات غير مسبوقة من الفقر. يكفي أن نعرف بأن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي تراجع حوالي عشرة أضعاف (من 47 إلى 450) خلال السنوات السبع الأخيرة، وأصبح حوالى 4 من كل 5 أشخاص "فقراء"، ليكون حجم الدمار الاقتصادي في البلاد واضحاً.

وبعد العام 2011، ومع توقف كثير من المطابع المحلية عن العمل، بدأت تجارة الكتب المصوّرة بالانتشار. ويندر اليوم أن تدخل مكتبة أو تمر بجانب بسطة تبيع الكتب لتجد كتباً أصلية صادرة عن دور نشر عربية. معظمها مصور، وبعضها الآخر مستعمل. وفي ظل الحرب وفوضاها المنتشرة في كل مكان، يبدو المشهد أكثر من طبيعي.

من أين الكتب المصورة؟

الرواية الموحدة لدى جميع أصحاب البسطات والعاملين فيها عن مصدر الكتب المصوّرة وعملية النسخ هي بإحضار نسخة أصلية واحدة من الكتاب، ومن العاصمة اللبنانية بيروت على الأغلب، ومن ثم تصويرها وبيع النسخ المصوّرة بسعر في متناول يد الشريحة الأكبر من السوريين. "عمل خيري" وفق وصف البعض.

يرتبك صاحب إحدى البسطات لدى سؤاله عن أماكن المطابع التي تقوم بذلك. "مطابع مختلفة" يقول، وبعد الإلحاح يشير إلى انتشار عدد منها في أحياء الحلبوني والميدان والزاهرة، ويتابع بصوت منخفض: "بس ما تكونوا رقابة!".

يخاف الشاب العشريني الذي يرفض الإفصاح عن اسمه من "انقطاع رزقه"، فأي إغلاق محتمل للمطابع التي تصوّر الكتب دون الحفاظ على الحقوق الفكرية يهدد عمله بالتوقف. يشير إلى كتاب يبدو أنه أصلي، ويقول: "هذا كتاب غير مصوّر، لكنه مستعمل ونظيف"، وكأنه يسعى لإبعاد الشبهات عنه بأي طريقة.

المطابع والتصوير عمل سرّي

لا يبدو الوصول للمطابع التي تصوّر الكتب عملية سهلة. كثير منها تابع لمكتبات ودور نشر سورية، وأصحابها لا يخشون من الإفصاح عن ضلوعهم بعمليات التصوير، لكنهم يرفضون الإشارة الواضحة لأماكن "الجريمة".

عامل في إحدى تلك المكتبات، تحدث لرصيف22 فقط باسمه الأول نذير، وأكد ما يقوله عمال البسطات: إحضار النسخ الأصلية بسعرها الأساسي وتصويرها وتوزيع النسخ المصورة على بسطات ومكتبات دمشق بأسعار زهيدة.

ولا يتردد نذير في تلبية أي طلب لتصوير أي كمية من الكتب ولكل العناوين التي تخطر في البال. "يمكننا تصوير عشرات النسخ وحتى شحنها إلى بيروت حيث تلاقي بدورها رواجاً نظراً لانخفاض سعرها مقارنة بالكتب الأصلية".

أما عن آلية العمل وأي مسؤولية قانونية يمكن لتلك المطابع أن تقع ضحيتها، يضحك الرجل الخمسيني ويقول: "مدبرين حالنا. ما تاكلي هم!".

والتبرير أيضاً جاهز: تأمين الثقافة بأسعار مقبولة ومتاحة للجميع، وتعويض خسائر المطابع المتوقفة بشكل شبه كلي عن العمل بسبب الحرب والكساد الاقتصادي في البلاد، والجميع في هذه المعادلة رابح، القارئ وصاحب المطبعة أو دار النشر، وأيضاً صاحب المكتبة والبسطة وأي مكان آخر يبيع تلك الكتب.

ما رأي مديرية حماية حقوق المؤلف في وزارة الثقافة؟

انضمت سوريا منذ القرن الفائت لاتفاقيات دولية مختصة بحماية حقوق الملكية الفكرية على الصعيد العالمي وهي اتفاقيات روما وبرن، وصدر فيها قانون لحماية حقوق المؤلف عام 2001، ويقضي "بحماية حقوق المبدعين والمفكرين في شتى ميادين الأدب والفنون من مختلف أشكال العبث، سواءً بالانتحال أم بالتشويه، أم بالطمس، أم بأي شكل من أشكال المس بهذا النتاج وبنسبته إلى صاحب الحق فيه".

وشُكلت وفقاً لهذا القانون مديرية حماية حقوق المؤلف في وزارة الثقافة السورية ويتلخص عملها بإيداع مصنفات إنتاج سواء كانت علمية أم أدبية أم فنية بمحاضر إيداع مسجلة، ويمكن للمؤلف صاحب المصنف تقديم شكوى تزوير أو تعدٍ على مصنفه المحمي بحكم القانون. وفي حال ثبوت التهمة يحق للمديرية مصادرة النسخ المعاد إنتاجها خلافاً للقانون، إضافة إلى احتمال إحالة الموضوع للقضاء وإيقاع عقوبات بالمتهم كالسجن والغرامة المالية.

واليوم مع شيوع ظاهرة تصوير الكتب وبيعها، تقوم المديرية، وفق حديث مديرها عدنان العزيزي لرصيف22، بحملات توعية للعاملين بدور النشر والمكتبات وبائعي الكتب على الأرصفة، للتعريف بالملكية الفكرية وقوانينها، "فبعضهم لم يسمع عنها من قبل، وآخرون لن يهتموا بها مقابل الحصول على الكتب بأقل سعر ممكن".

يمكننا تصوير عشرات النسخ وحتى شحنها إلى بيروت حيث تلاقي بدورها رواجاً نظراً لانخفاض سعرها مقارنة بالكتب الأصلية

ويقر العزيزي بشيوع حالات تصوير الكتب ونسخها بطريقة غير قانونية، وهو ما يدفع المديرية لتنظيم مخالفات ومحاضر ضبط بناء على شكاوى ترد إليها بشكل أسبوعي تقريباً ومن مختلف المحافظات السورية، مع مصادرة النسخ المزورة وإحالة عينات منها للقضاء لإصدار الحكم المناسب وفقاً لنوع الجرم وحجمه. وورود الشكوى هنا إلزامي للشروع باتخاذ كل هذه الإجراءات.

ومما يزيد من صعوبة عمل المديرية عدم إلزامية تسجيل الأعمال الفكرية السورية لديها، فهي مبادرة ذاتية من المؤلف مما يسهل استنساخ الأعمال المحلية غير المسجلة. أما عن المؤلفات التي تُطبع خارج سوريا وتصل للقارئ السوري بسعر خارج نطاق إمكاناته المادية، فلا حل برأي العزيزي سوى "التدخل الإيجابي" من وزارة الثقافة عن طريق تنظيم الفعاليات الثقافية، كمعرض الكتاب السنوي الذي يتيح عرض آلاف الكتب بأسعار مخفضة تكون بمتناول شريحة أكبر من السوريين.

الأمر لا يبدو بهذه البساطة بالنسبة للقائمين على دور النشر المتضررة من عملية النسخ، والذين يفضلون تسمية الأشياء بمسمياتها، فما يحدث في سوريا من نسخ وتصوير للكتب الأصلية يندرج بالنسبة لهم تحت بند التزوير، كما يتحدث عدد منهم في لقاءات مع رصيف22 على هامش معرض الكتاب الدولي الثلاثين الذي أقيم قبل بضعة أيام في دمشق.

في جناح دار الطليعة الجديدة وهي وكيل منشورات الجمل، يهز القائم على المبيعات رأسه بحسرة لدى سؤاله عن الكتب المنسوخة، ويشير إلى عدم إمكانية مجابهة ذلك إلا في حال الحصول على وكالة قانونية من الدار الأصلية للتمكن من رفع دعاوى في المحاكم السورية وسحب النسخ المزورة من الأسواق.

على بعد خطوات، وفي دار الفارابي المجاورة، يشير علي بحسون إلى مبادرة انطلقت منذ حوالي العام تحت اسم "ناشرون من أجل المهنة"، بالاشتراك مع عدة دور نشر لبنانية، منها الدار العربية للعلوم ودار النهضة العربية ودار الآداب والساقي والفارابي والتنوير والراتب، بهدف مكافحة سرقة وتزوير الكتب في العالم العربي.

"إنها شبكات عابرة للحدود وأشبه بالمافيات" يضيف بحسون، إذ تُنسخ الكتب في بلدان على رأسها مصر وسوريا وتوزع لبقية البلاد العربية، ما دفع دور النشر المتضررة لاتخاذ خطوات منها رفع دعاوى قضائية في مصر والأردن، والضغط على اتحاد الناشرين بسوريا للبدء بالعمل في اتجاه مكافحة هذه الظاهرة.

مكافحة النسخ والتزوير لا تبدو أمراً سهلاً لكنه ملحٌ ولا يحتمل التأجيل كما يقول بحسون، فبضع سنوات أخرى على هذه الحال ستعني عدم قدرة دور النشر على الاستمرار في العمل وإصدار أي كتب جديدة، وسيكون مصيرها بكل أسف الإغلاق بشكل نهائي.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي