الإنجاب بدون زواج... بين حق المرأة ومصلحة الطفل

الإنجاب بدون زواج... بين حق المرأة ومصلحة الطفل

ترتفع بعض الأصوات النسائية للمطالبة بالحق في الأمومة بدون زواج، على غرار ما يحصل في الدول الغربية التي تشهد عدة أنماط من الأسر، منها الأسر النمطية المؤلفة من أزواج من جنسين مختلفين، أو الأسر الحديثة المؤلفة من جنس واحد (رجل-رجل أو امراة-امرأة) أو من أمهات عازبات غير متزوجات، أي Unmarried Single Mothers.

ترى ريم مسيلب، وهي طالبة لبنانية جامعية تبلغ من العمر 22 سنة، أن المرأة كيان كامل وليست بحاجة إلى رجل يكمّلها، وهي قادرة على تربية طفل بمفردها وتأمين كل حاجاته العاطفية والمادية.

تقول ريم: "إذا صار عمري 45 سنة ولم أجد الرجل الذي أستطيع العيش معه طوال العمر فماذا أفعل؟" وتضيف: "أنا لست ضد الرجال، على العكس، إذا صادفت رجلاً مناسباً بإمكاني الزواج منه، لكن لا يجب ربط الأمومة بالزواج لأن المرأة من حقها أن تنجب أطفالاً لوحدها".

الأسباب التي تدفع ريم إلى تبني هذا الموقف عديدة. "لي الحق في الأمومة خاصة بعد أن صرت امرأة مستقلة مادياً وقادرة على العيش والاكتفاء دون الاعتماد على رجل"، تقول لرصيف22.

برأيها، هناك فئة كبيرة من النساء في المجتمع تفضّل العزوبية، وهناك فئة من النساء حظوظها في الزواج وإنجاب أطفال ضئيلة بسبب العمر، ولذلك لا يجب حرمانهن من الأمومة واختبار هذا الشعور.

ترفض ريم أن يحمل الطفل اسم الأب فقط وتقول: "أريد أن يحمل أطفالي اسمي أيضاً لأنني سأمثّل لهم الدور الأكبر في حياتهم".

تعترف بأن المجتمع قد لا يتقبل هذا الحق ولكنها تعتبر أن المطالبة به واجبة، ويجب أن تستطيع المرأة تسجيل أطفالها باسمها وأن تعطي اسم عائلتها لهم.

تشجع ريم حرية العلاقات الجنسية وترى أن العلاقات العابرة موجودة شئنا أم أبينا في كل المجتمعات، في السر والعلن، وأن الحمل متاح للمرأة، عبر اللجوء إلى بنوك السائل المنوي أو عبر علاقة عاطفية أو عبر علاقة عابرة أو حتى عبر رجل يتبرع بهذا الشيء.

ولا تنكر حق الرجل في الأبوة، إذا أراد المشاركة وتحمّل المسؤولية، ولكنها تريد تسجيل أطفالها باسمها.

"البيئة الغريبة"

ترى الدكتورة منى فياض أنه "لا وجود لحالة طبيعية أو حالة لا طبيعية، فالمجتمعات البشرية تتغيّر وأنماط الأسر تتبدل وأشكال العلاقات تتغير، فلا يمكننا كمراقبين الحكم بأن هذا النمط سوي والنمط الآخر غير سوي، فالحكم الأخير يبقى تابعاً لخصوصية كل مجتمع، والقوانين الاجتماعية في تبدل مستمر، فمَن يرفضون طرحاً اجتماعياً ما الآن ربما يؤيدونه بعد مدة".

وتقول إنه حين توجد أعداد كبيرة من أنواع مختلفة من الأسر لن يجد الطفل نفسه في بيئة غريبة ولن يشعر بأنه غريب، فـ"ليست الوضعية النفسية هي المهمة بل مدى رؤيتنا لهذه الوضعية كحالة طبيعية ومدى معايشة الطفل لهذه الوضعية كحالة طبيعية، وإذا تم التعامل معه بشكل طبيعي، سيتقبل الأمر".

وتضيف أستاذة علم النفس أنه "لا يجب أن نصدر الأحكام على أنماط الوجود والحياة، فإذا اختارت امرأة أن تكون أماً بدون زواج فهذا حقها ويمكن لها أن تتزوج لاحقاً أو تجد أباً بديلاً لطفلها، ربما يكون أخاها أو والدها أو غيرهما، فالمهم هو تربية الطفل بشكل صحي وسليم وتجنب الإضرار به".

"تأثيرات نفسية كبيرة على الطفل"

من جانب آخر، يشير الدكتور أنطوان الشرتوني إلى أن هناك تأثيرات نفسية كبيرة على الطفل الذي يولد دون أب خاصة في المرحلة الأوديبية حين يكون محتاجاً إلى التماهي مع صورة الأب، ولكنه يشير إلى أنه يمكن للطفل أن يتماهى مع الخال أو العم أو غيرهما فيتحقق بذلك توازنه النفسي.

ويرى أن المشكلة تبقى في أن المجتمع العربي لن يتقبل الطفل المولود بدون زواج، وسينظر إلى المرأة التي أنجبته نظرة دونية، و"من هنا يبدأ التأثير على الطفل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالألقاب ستلاحقه في الحي والمدرسة والمحيط الذي يعيش فيه، وكثيراً ما نسمع ألقاباً مثل لقيط، ابن زنا، ابن عاهرة، ولد غير شرعي وغيرها".

ويقول لرصيف22: "لا أعتقد بوجود خوف على شخصية الطفل وتوازنه النفسي في حال كانت الأم تملك ثقافة تربوية وتعرف المراحل النفسية لتكوين طفلها، إلا أن هذا لا ينفي أهمية وجود الأب للشعور بالأمان والحماية".

ويلفت إلى أن الدراسات تؤكد أن لا مشاكل نفسية تصيب الأطفال الذين يعيشون في كنف أم عزباء في الدول المتطورة لكن هذه المجتمعات أعطت الحقوق للأطفال والنساء والجماعات، فالمثليون والمثليات بإمكانهم الزواج وتأسيس أسر، بينما نجد أن المجتمع العربي من الناحية الحقوقية والاجتماعية غير مهيأ لذلك، مذكّراً بأن الأم اللبنانية مثلاً، لا يمكنها منح الجنسية لأطفالها عدا عن حرمانها من حقوق أخرى صارت تُعتبر بسيطة.

يعتقد الشرتوني أن مجتمعنا لم يصبح مهيئاً لتقبل أمهات عازبات أنجبن بدون زواج، أو أسر أحادية، فـ"المجتمع العربي ما زال يرفض الأسر من الجنس الواحد (رجل-رجل أو امرأة-امرأة) وما زال يرفض التبنّي، لذا لا يمكننا مقارنة مجتمعنا بالمجتمعات الغربية، فكل مجتمع له خصوصيته وتقاليده ومساره الفكري".

أقوال جاهزة

شارك غرد"إذا صار عمري 45 سنة ولم أجد الرجل الذي أستطيع العيش معه طوال العمر فماذا أفعل؟ إذا صادفت رجلاً مناسباً بإمكاني الزواج منه، لكن لا يجب ربط الأمومة بالزواج لأن المرأة من حقها أن تنجب أطفالاً لوحدها"

شارك غرد"لا يجب أن نصدر الأحكام على أنماط الوجود والحياة، فإذا اختارت امرأة أن تكون أماً بدون زواج فهذا حقها ويمكن لها أن تتزوج لاحقاً أو تجد أباً بديلاً لطفلها"... عن إشكاليات إنجاب المرأة بدون زواج

ويضيف أن "تكوين مجتمعنا هو تكوين ديني طائفي جماعي ولا يجب التغاضي عن ذلك والقفز فوقه، ولا يعني أن هناك بالضرورة صح وخطأ، لكن هناك مسارات اجتماعية يختارها كل مجتمع".

وينصح الشرتوني، كأخصائي نفسي، المرأة بتحقيق أمومتها من خلال الزواج، ولا يجد مبرراً لحرمان الطفل من وجود أب في حياته فـ"الأمومة بحاجة إلى دعم الأب أيضاً".

ويقول: "ليس بمقدور الأم أن تلعب الدورين معاً، فالأم لها دورها والأب له دوره وهما يكملان بعضهما البعض، ويضيف: "لا أعتبر أن وجود عائلة أحادية هو عبارة عن تقدم حضاري، ولا أجد صلة بين الحضارة وبين وجود هكذا أنماط أسرية، ولا يعني عدم وجود عائلة أحادية عدم وجود حضارة".

"الطفل يحتاج إلى احتضان عاطفي"

من جانبه، يرى المختص في علم النفس العيادي والتوجيه العائلي والجنسي الدكتور نبيل خوري أن الطفل يكون بحاجة دائمة إلى احتضان عاطفي من قبل الأم والأب وإلى تماهي مع دور الأب.

ويقول لرصيف22 إن الطفل يمكن أن يتقبل غياب الأب إذا عرف أن أباه توفي لسبب أو لآخر، أو أن والديه لم يتوافقا وقررا الطلاق، ولكن الأمر يختلف في حالة الطفل الذي يولد ولا يعرف مَن هو والده. "هناك فروقات شاسعة بين الموضوعين"، يقول مضيفاً أن الطفل الذي لا يعرف والده يفقد المثال الذي يحتذي به، ما سيخلق لديه نقصاً في زاوية ما.

ويرى خوري أن الأب مهم لأنه يكرّس مفهوم الرجولة عند الطفل الذكر، ومفهوم الأنثوية المتفاعلة مع رجل في إطار المنزل، وهذه التفاعلات ستكون غير موجودة في حالة النشوء مع أم عزباء.

ويشير إلى أن "الأم العزباء يمكن أن تلعب دور الأب بنجاح إذا تمكنت من وضع خطوط واضحة للسلطة والعاطفة والمزج بينهما"، مضيفاً أن "هناك آليات تعويضية عند الأم كأن تعطي نسبة عالية من السلطة بدون أن تكون تسلطاً ونسبة عالية من العاطفة بدون أن تصبح دلعاً".

برأيه، "يمكن للأم العربية أن تلعب هذا الدور إذا انصرفت كلياً إلى المفاهيم التربوية الخالصة التي تتفق مع بيئتنا وتربيتنا وانتماءاتنا الدينية والاجتماعية والإنسانية ولا تكون منقولة كلياً عن الغرب لأنه ليس كل ما يُنقل من مفاهيم من الغرب دائماً على حق".

ويضيف: "النسب المئوية للأسر التي تنمو بدون أب عالية جداً وهناك حالات حمل عند المراهقات في الولايات المتحدة دون تأكيد اسم الأب أو معرفته، لكن التجارب غير مشجعة لأن نسب النجاح في التربية والتوجيه غير مرتفعة".

ويؤكد على ضرورة أن تكون صحة الطفل النفسية والذهنية المعيار الأول قبل اتخاذ أي قرار بالحمل الإرادي. ويقول: "يجب أن نسأل أنفسنا في أية بيئة سيعيش الطفل؟ كيف سيتقبله المجتمع؟" ويتابع: "صحيح أن مشروع الأمومة هو مشروع شخصي لكن مشروع إنجاب طفل وإلقائه في المجتمع ليس مشروعاً شخصياً للأم بل مشروعاً جماعياً، كما نفهم العلاقة الأسرية من الناحية الاجتماعية والدينية في العالم العربي".

ويتساءل خوري: "في الخارج هناك بنوك للسائل المنوي تمكّن المرأة من تلقيح بويضة والحمل وهذا يؤدي إلى أن يصبح لديها اكتفاء ذاتي من كل النواحي، فهل يا ترى ستبقى حينها مفاهيمنا للتربية والعائلة قائمة أم ستسقط؟ وحده المستقبل كفيل بإعطائنا الجواب".

أثر الأسرة على إنتاجية الطفل

يطرح الدكتور وارين فاريل 70 معياراً للمقارنة بين الأطفال الذين يعيشون مع أم عزباء وبين الأطفال الذين يعيشون مع والدين، وهنا نتحدث عن الأم العزباء بشكل عام، وهو مفهوم يجمع الأرملة والمطلقة والمرأة التي حملت بدون زواج.

وبحسب دراسته، فإن الأطفال الذين يعيشون مع والدين ينتجون أكثر من الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم فقط، كما أن لديهم مشاكل أقل في الانضباط داخل المدرسة، ويقرأون أكثر، ويتخرجون من الجامعة بنسبة أعلى، ومعرّضون للبطالة وللعيش في فقر بنسبة أقل، ويتزوجون أكثر ونسب الطلاق عندهم أقل.

ويشير إلى أن أطفال الأمهات العازبات يعانون من البدانة والإدمان على الكحول وتعاطي المخدرات ويرتكبون أفعالاً مخلة بالأمن وينحرفون نحو العنف ولديهم نسب أعلى في الذهاب إلى السجن.

ولذلك، يرى فاريل أن المسألة في الولايات المتحدة لم تعد مسألة أخلاقية بقدر ما هي مسألة عملية تتعلق وتمس بالصحة العامة وبالأمن الاجتماعي كما أنها مسألة سياسية لأنها تدخل ضمن الاستقطاب الانتخابي بين الأحزاب.

وبين عامي 1960 وعام 2016، انخفضت نسبة الأطفال الذين يعيشون مع والدين في الولايات المتحدة بينما ارتفعت ثلاث مرات نسبة الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم فقط، ما يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية على صعيد هيكل الأسرة.

وبرأيه، إن الأصوات التي ترتفع لتطالب بحرية المرأة هي مطالب رائعة ولكن الحرية تتوقف حين يخترن إنجاب طفل والمجيء به إلى هذه الحياة وإلى المجتمع، وهنا يكون السؤال الأهم: ما هو الأنسب لمصلحة الطفل؟


فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

كلمات مفتاحية
حقوق المرأة

التعليقات

المقال التالي