في تونس الباهية.. تدريب موسيقي لأئمة المساجد وعبّاد النشاز يمتعضون

في تونس الباهية.. تدريب موسيقي لأئمة المساجد وعبّاد النشاز يمتعضون

"الإجابة تونس"، من منا لم يسمع هذه العبارة الشهيرة في بلدته بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، حيث كانت بلدة ثورة الياسمين هي النموذج الحاضر دائمًا في المُخيلة العربية بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية، نحلُم بتجربتها الديمقراطية الناشئة، نتطلع للمساحات المتدفقة من الحقوق والحريات.

يبدو أن تونس لا تزال تُقدم الإجابة الجريئة والتي تغرد خارج كل الصناديق، حيث قررت وزارة الشؤون الدينية التونسية في بادرة هي الأولى من نوعها في العالم الإسلامي، تنظيم دورة تدريبية لتعليم الإيقاعات الموسيقية لعشرات من المؤذنين بمعهد "الرشيدية" للموسيقى، وذلك من أجل أذان ذي صوت جميل بطابع تونسي أصيل.

في نهج الدريبة بأحد شوارع المدينة العتيقة بالعاصمة التونسية، يقبع معهد "الرشيدية " حارسًا أمينًا على التراث الموسيقي التونسي، الذي يعود تاريخ إنشائه لعام 1934.

أذان يليق بعظمة الرسالة المحمدية

بين قاعات المعهد تنطلق النغمات والألحان لتمتزج بالطراز المعماري الأنيق، يحكي الهادي الموحلي مدير معهد الرشيدية لرصيف 22: "ولدت فكرة إصلاح الأذان في رأسي أثناء صلاتي بأحد الجوامع، وكان الأذان جميلاً مفعمًا بالروح والطبوع (المقامات) التونسية الأصيلة". فتساءلت "لماذا لا يتمتع المواطن التونسي بأذان خالٍ من الأخطاء النحوية واللغوية، يتلوه مؤذن بحنجرة جميلة تُحافظ على الهوية التونسية ".

أقوال جاهزة

شارك غردالأذان في تونس بمثابة دعوة للدين تتكرر خمس مرات، بعضها يُرفع في أوقات حساسة، حيث يحتاج المسلم للراحة والهدوء النفسي والجسدي، وليس لصوت منفر وكأن المؤذن يَسُب هذا النائم وقت صلاة الفجر.

شارك غردقررت وزارة الشؤون الدينية التونسية في مبادرة هي الأولى من نوعها في العالم الإسلامي، تنظيم دورة تدريبية لتعليم الإيقاعات الموسيقية لعشرات من المؤذنين، وذلك من أجل أذان ذي صوت جميل بطابع تونسي أصيل.

أضاف "تعودنا في تونس سماع الأذان الشرقي الحجازي والتركي ولكن قلما نسمع أذانًا بالطبوع التونسية، ومن ثم اقترحت على وزير الشؤون الدينية أهمية تدريب المؤذنين، بالتعاون مع معهد الرشيدي الذي يحافظ على الموسيقى التونسية ولهجتها ونغماتها، وبالفعل نجحنا في تنظيم الدورة التدريبية الأولى ولن تكون الأخيرة" .

وأكد الموحلي أن التدريب يهدف إلى تحسين الأذان في تونس وأن يكون في مستوى راقٍ، لأنه بمثابة دعوة للدين تتكرر خمس مرات، بعضها يُرفع في أوقات حساسة، حيث يحتاج المسلم للراحة والهدوء النفسي والجسدي، وليس لصوت منفر وكأن المؤذن يَسُب هذا النائم وقت صلاة الفجر!".

"الدعوة للصلاة لن تصل بالصراخ في الميكرفونات ولكن تصل للقلب عندما تكون في ثوب وذوق راقين، فالأذان ليس نداءً عشوائيًا بل عِلم له قواعد هي الموسيقى والصوت والأداء"، يقول الموحلي.

" لا تعارض بين تدريب المؤذنين على التنغيم الصحيح والمقامات والطبوع التونسية والدين، فقد قال النبي ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) ، وهي دلالة على أهمية التلاوة بصوت وأسلوب ولحن حسن، فالأذان شعيرة من شعائر الاسلام، إذا لم نطورها مع العصور فستموت"، يرد الموحلي على الجدل المثار حول التجربة الجديدة.

ويُكمل: "أن يُغني المؤذن بالأذان ويُطرب الأذن ويبُث فيها الخشوع والسلام والرغبة في العبادة خيُر من أن ينهق ويزعج المتلقي وينفره عن العبادة".

ويوضح:"تكونت اللجنة المشرفة على التدريب من شيوخ فقه وقراءات ومتخصصين بالموسيقى، من أجل أذان يليق بعظمة الرسالة المحمدية التي تحملها الدعوات الخمس من توحيد وعبادة وعمل، وبقواعد تُحافظ على الهوية التونسية التي يستحقها كل مواطن بالجمهورية".

لا تعارض بين الدين والموسيقى

ومن جانبه أكد الدكتور فتحي زُغنده، أستاذ الموسيقى والصوتيات والمشرف على تدريب المؤذنين، على أهمية هذه الدورة الأولى من نوعها في العالم العربي والتي تستهدف نطق الأذان بنغم جميل خلافًا للسائد، الذي يغيب فيه النطق الصحيح والصوت المليء بالنشاز.

الدعوة للصلاة لن تصل بالصراخ في الميكرفونات ولكن تصل للقلب عندما تكون في ثوب وذوق راقين

وأضاف زغندة: "أراقب أزمة أصوات المؤذنين منذ 30 عامًا، وعبرت عنها في مقالي بعنوان "أذان يخدش بعض الآذان". موضحًا أنه كان ينزعج عندما يستمع لأصوات بعض المؤذنين الذين يجهلون النطق الصحيح للألفاظ وكذلك عدم معرفتهم بالناحية النغمية للصوت.

وأكمل: "أن جمال صوت المؤذن هو أحد عناصر جذب المصلين، وحثهم على الذهاب للمسجد وليس النفور من العبادة، فالدين الإسلامي دين جَمال". لافتًا "ولكن من المؤسف أن المؤذن أصبح لا يُختار من بين أحسن من يُؤدى الأذان في الفترة الاخيرة، بل الصدفة هي التي تحضر المؤذنين الآن لمواقعهم".

جدير بالذكر أنه شارك بالدورة التدريبية 25 مؤذنًا تراوح أعمارهم بين 18 و60 عامًا على مدار شهرين .

ويوضح زغندة أن الدورة تضمنت تدريب المؤذنين على كيفية أداء الأصوات ونطق الألفاظ بطريقة صحيحة، وكيفية بناء النغم، وما هو النغم المصاحب لأداء الأذان، وكذلك تدريبات على تنظيم التنفس، وتنسيق النبرات الصوتية للمؤذنين وفق المقامات التونسية الرسمية، وكيفية نطق الشهادة وقواعد المد والإدغام.

يرد زغندة على الهجوم الذي تعرض له التدريب: "لا تعارض بين الدين والموسيقى، فلم ينهِ الإسلام عن الموسيقى، بل عن كل من يُبعد المسلم عن الطريق القويم، سواء كان موسيقى أو غيرها، لو وظفنا الفن للترويح عن النفس وبث فيها حب الحياة والاقبال على فعل الخير، فهو قطعًا حلال".

" الدين مبني على محبة الحياة والجمال، والتدريب يستهدف تحسين أصوات المؤذنين من أجل أذان جميل، يواجه التلوث السمعي الذي يضر ويشوش على رسالة الأذان الأساسية من دعوة الناس للعبادة، في هدوء وسلام". يقول زغندة.

يختتم استاذ الموسيقى والصوتيات: "الفنون هي من الوسائل التي تقرب المؤمنين من الحياة والفكر الوسطي والابتعاد عن العنف والتطرف"، مؤكدًا أن التدريب فرصة للنهوض بالأذان وإصلاحه في تونس.

"التدريب علمني إبراز جماليات الصوت في إلقاء الأذان"

على بعد 30 كم جنوب العاصمة التونسية، يرفع الشيخ فتحي العفريت أذان العشاء بصوت رخيم وعذب، في مسجد النور بولاية إبن عروس.

"العفريت" هو إمام خامس (مؤذن) لمسجد النور التابع لوزارة الشؤون الدينية، وقد نجح في اجتياز التدريب بل تفوق على أقرانه وحصد المركز الأول وتكريم الوزارة، لاجتهاده ومواظبته على الحضور وتطور أدائه في إلقاء الأذان.

يقول فتحي العفريت لرصيف 22 إنه تحمس للمشاركة في الدورة التدريبية التي حملت اسم " الشيخ على البراق" القامة التاريخية والصوت التونسي الأصيل في تلاوة القرأن، والذي يأمل أن يسير على دربه، مشيرًا إلى أن التجربة ملهمة وهو فخور بالمشاركه فيها، لأن هدفها إصلاح الأذان وإكسابه نكهة تونسية خالصة من خلال تعلم المقامات الموسيقية التراثية.

"تعلمت مهارات كثيرة على أيدي الموسيقيين أو الشيوخ في التدريب على النطق الصحيح لمخارج الحروف والألفاظ، بالإضافة لتعلم المقامات الموسيقية التونسية الأصيلة المسمى "الإصبعين"، وهو ساعدني كثيرًا في إبراز جماليات الصوت في إلقاء الأذان"، يوضح العفريت.

يرى "العفريت" أن الدين الإسلامي دين وسطي لا يتعارض مع الجمال، وأنه لم يشعر بأي حرج للتعلم في معهد موسيقى، مؤكدًا أن تحسين صوت المؤذن هو في صلب الدعوة الحسنة للصلاة وللعبادة ولنشر الاسلام برقي بدون تطرف أو نفور، وهي روح الدين الحقيقية، وعكس ذلك هو تطرف ومعرفة الدين في قشور.

ويُكمل: "لا تعارض بين الدين وتعلم المقامات الموسيقية، فالله جميل يحب الجمال، والأذان هو بمثابة نداء لكل سامع، فالإسلام رحمة للعالمين أي لكل الناس وليس المسلمين فقط، فعندما يكون الصوت عذبًا جميًلا، يحفز المسلم أكثر على الصلاة بل يقشعر جسده وروحه من خشوع التكبير، ولكن لو كان الصوت مزعجًا سيحدث حالة من النفور والضيق لدى كل من يسمع الأذان" .

يأمل العفريت في تعميم التجربة بجميع ولايات تونس، "خاصة أنه يوجد مؤذنون ليس لهم علاقة بالأذان وأصواتهم مزعجة جدا"، حسب قوله.

العلاقة المتينة بين الفن والدين لا ينكرها إلا جاهل

وصرح أحمد عظوم وزير الشؤون الدينية التونسية لرصيف22: "أن الفكرة وُلدت عند الوزارة بعد ملاحظة اختلاف المقامات الإيقاعيّة في رفع الأذان بين مؤذّني المساجد واتخاذها منحىً مختلفًا عن الطّابع التّونسي الأصيل".

"الوزارة ترمي من الدورة التدريبية إضفاء مسحة جماليّة على عمليّة رفع الأذان بصورة تستحسنها الحاسة السمعية لجلب الانتباه وجذب القلوب وتشويقها إلى المثول بين يديْ الله، وهو الجانب الّذي كثيرًا ما يغفل عنه النّاس عادة في تجلية روح الجمال والفنّ والخشوع في الأذان"، يقول عظوم.

ويعلق وزير الشؤون الدينية على استنكار البعض للمبادرة: "الوزارة تعاونت مع المعهد الرّشيدي للموسيقى في تنفيذ هذا العمل المشترك ترسيخًا للعلاقة المتينة بين الدّين والفنّ والّتي لا ينكرها إلاّ جاهل بالسنن الكونيّة الّتي فطر الله عليها هذا الوجود، أو جهول بالبعد الجمالي للدّين الإسلامي" .

وأكد "عظوم" أن الوزارة تعمل دومًا على متابعة المؤذنين الذين استفادوا من التدريب الموسيقي، وقياس المردود الإيجابي المسجّل في مستوى كل من واكب الدّورة والتحوّل الحاصل في أسلوب الأذان وإيقاعه عنده؛ كما تحثهم على تكوين مجموعات شبابية في مساجدهم توفيرًا للرصيد البشري لقطاع المؤذنين واكتشافًا للمواهب الواعدة.

وختم: "لن تكتفي وزارة الشؤون الدينية بالدورة التدريبية الأولى فقط بل تسعى لنقل التجربة وتعميمها على المدن كافة لتشمل جميع مؤذني ولايات الجمهورية التونسية".

كلمات مفتاحية
الأذان الموسيقى

التعليقات

المقال التالي