خمسون عامًا من الدعوة.. رحيل الشيخ أبو بكر الجزائري مُناهض "بومدين" ومُؤيد "المجاهد بوتفليقة"

خمسون عامًا من الدعوة.. رحيل الشيخ أبو بكر الجزائري مُناهض "بومدين" ومُؤيد "المجاهد بوتفليقة"

على مدار 50 عامًا، ألف السعوديون ورواد المسجد النبوي صوت الشيخ أبوبكر الجزائري القادم من حلقات الدرس، قبل أن يلقوا النظرة الأخيرة على جثمانه في المدينة المنورة.

فارق الجزائري الحياة عن عمر ناهز 98 عامًا، بعد معاناته مرضًا مُزمنًا طوال السنوات الأخيرة، كما الالتهاب الرئوي. وصحب ذلك شائعات بين وقت وآخر عن وفاته.

ويحظى أحد أبرز علماء السلفية، الذي كان من أوائل مُدرسي الجامعة الإسلامية بالمملكة، بمكانة بارزة وضعته محل اهتمام، سواء في موطنه الأم (الجزائر) أو في المنطقة العربية.

عُرف الجزائري بإطلاقه آراء سياسية، منذ معارضته الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين، ودعوته للجهاد ضد حرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، رغم فتواه بمشروعية النظام الديمقراطي. ودعوته الجزائريين إلى انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

من "بسكرة" رائدة المسرح بالجزائر إلى السعودية

في ولاية بسكرة (400 كيلومتر جنوب العاصمة)، التي كانت أحد مراكز الحركة المسرحية الرائدة بالجزائر منذ عشرينيات القرن الماضي، ولد الشيخ أبوبكر جابر الجزائري في 1921.

وتحت حرارة الشمس الحارقة في قريته (ليوة) القريبة من مدينة طولقة، نشأ الجزائري والتزم حفظ القرآن الكريم ومتون اللغة والفقه المالكي، قبل انتقاله إلى مدينة بسكرة لدراسة العلوم النقلية والعقلية على يد مشايخها، وهو ما ساعده في التدريس بإحدى المدارس الأهلية.

مرَ الشيخ أيضًا على مدينة قسنطينة لإكمال دراسته، والتحق بالشيخ الطيب العقبي في نادي الترقي بالعاصمة, قبل أن تهاجر عائلته إلى المدينة المنورة مع بداية الثورة الجزائرية مطلع الخمسينيات.

وفي المسجد النبوي، دنا الرجل من حلقات علماء الدين، ثم حصل على إجازة من رئاسة القضاء في مكة المكرمة بالتدريس.

أقوال جاهزة

شارك غردرغم كونه أحد أبرز شيوخ السلفية، فإنه أفتى بمشروعية النظام الديمقراطي، ما دفع بعض الشيوخ السلفيين السعوديين إلى اعتباره لا ينتمي إلى علماء السنة من منطلق أن "الحكم لله" وليس عبر النظام الديمقراطي.

شارك غردانخراط الرجل في السياسة جاء في وقت مُبكر، فقبل رحيله عن وطنه انضم إلى حزب البيان، مثلما شارك في تأسيس حركة شباب الموحدين ذات التوجه الإسلامي الوحدوي.

بمرور الوقت اكتسب الرجل هالة وزخمًا كبيرين. عمل مُدرسًا في مدارس وزارة المعارف وفي دار الحديث في المدينة المنورة. ومع افتتاح الجامعة الإسلامية في بداية الستينيات أصبح من أوائل أساتذتها إلى أن أحيل للتقاعد في 1986، إلا أنه واصل حلقات الدرس في مسجد النبي ليصبح صوته مألوفًا لرواده.

ومن أبرز مؤلفاته كتاب "منهاج المسلم"، التي تطرق فيه إلى أمور العقيدة والعبادات وأخلاق وآداب المعاملات.

مناهض لـ"بومدين" ومؤيد لـ"المجاهد بوتفليقة".. وأفتى بمشروعية "النظام الديمقراطي"

في العام 1954، اندلعت ثورة الجزائر، ودعمتها مصر التي حملت أفكارًا قومية بالنهج الاشتراكي في كسب المزيد من التأييد والحشد خلال حروب التحرير والاستقلال عن القوى الاستعمارية في المنطقة العربية وإفريقيا.

وبعد استقرار الشيخ أبو بكر الجزائري في السعودية مع مغادرته بلاده في بادىء الحراك، حافظ على معارضة الرئيس الراحل هواري بومدين، وواصل انتقاداته للحقبة الاشتراكية.

في مقطع صوتي منسوب للشيخ الجزائري، قال: "من سبعين سنة، كان يأتي الحاكم الفرنسي يزور القرية وتأتي معه إمرأته، ونحن أطفال. والله! على وجهها خمار أسود كإمرأتي الليلة... ما هي إلا أن انتشرت الشيوعية بيد الماسونية والعياذ بالله تعالى حتى مُسخت النساء، فما أصبح حجاب في أوروبا أبدًا. والآن هبطنا... ما فيه ستار أبدًا، بل الكشف الكامل. هذا كله من صنيع اليهود ليمسخوا البشرية مسْخَا".

انخراط الرجل في السياسة جاء في وقت مُبكر، فقبل رحيله عن وطنه انضم إلى حزب البيان، مثلما شارك في تأسيس حركة شباب الموحدين ذات التوجه الإسلامي الوحدوي.

وإبان الحرب الأفغانية في الثمانينيات، ألف الجزائري كتابه "الجهاد الأفغاني فرصة ذهبيّة للأمّة الإسلاميّة"، داعيًا إلى المشاركة في الجهاد ضد توغل الاتحاد السوفياتي.

ورغم كونه أحد أبرز شيوخ السلفية، فإنه أفتى بمشروعية النظام الديمقراطي، ما دفع بعض الشيوخ السلفيين السعوديين إلى اعتباره لا ينتمي إلى علماء السنة من منطلق أن "الحكم لله" وليس عبر النظام الديمقراطي.

وأثارت دعوته عدة مرات إلى المشاركة في الانتخابات في بلده الأم، حالة من الجدل بين الجزائريين، خاصة دعوته إياهم إلى انتخاب "المجاهد عبدالعزيز بوتفليقة"، على حد وصفه، مرة أخرى إبان الانتخابات الرئاسية في العام 2009.

حينذاك منحت وسائل الإعلام الرسمية كلام الجزائري المزيد من الاهتمام، وأعادت بثه على المحطات التليفزيونية.

وفي خطاب نشرته صحيفة "الشروق"، استند الجزائري في دعوته للتصويت لبوتفليقة إلى أن الجزائر "عاشت فترة حرجة كما يعلم الجميع، حتى جاء الفرج بفضل الوئام الوطني والمصالحة الوطنية التي قام بها المجاهد أخونا عبد العزيز بوتفليقة".

وفي 28 يناير 2008، وجه رسالة أخرى عبر "الشروق"، دعا خلالها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بالجزائر، إلى "التوبة إلى الله والكف عن زهق دماء المسلمين الأبرياء"، ووقف العمليات الإرهابية.

ومع رحيله، ودعه مُغردون عرب وجزائريون بكلمات من الثناء والرثاء، فيما أخذ عليه البعض مواقفه "المتشددة" تجاه المرأة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي