الحلم والهلوسة خارج عالم اليقظة.. لنتحول من كائنات يخشى بعضها بعضًا إلى أفراد يتبادلون مشاعر السلام والحميمية

الحلم والهلوسة خارج عالم اليقظة.. لنتحول من كائنات يخشى بعضها بعضًا إلى أفراد يتبادلون مشاعر السلام والحميمية

نفتح عيوننا صباحًا، الغرفة ذاتها، نغسل وجوهنا، ونُبدّل ثيابنا، ونتعارك مع السيارات في أجواء ملوّثة بالعوادم والدخان، ونقضي الساعات في مكاتب مُغلَقة لأداء مهمات وظيفتنا، وعند بزوغ القمر نقابل أصدقاءنا، وفي منتصف الليل نمارس الحميمية مع شركائنا، ثمَّ نغمض عيوننا مرّة أخرى.

يُقسّم علماء نفس العالم الذي نعيش فيه، كما نراه ونحسّه ونختبره، إلى عالمين: الوعي، أو اليقظة، والأحلام، أو الخيالات؛ فعندما نستيقظ يخلق عقلنا ما نُسمّيه "الوعي"، يُحوّل العالم إلى صور تُثير فينا مشاعر ورغبات، نتحرك لإشباعها، وعندما ننام، ويتوقف تفاعلنا مع العالم، يخلق عقلنا وعيًا آخر، صورًا متحركة وساكنة تعكس رؤيتنا الفردية، وخبرتنا الداخلية.

هذا "الوعي الآخر" يتجلّى أيضًا في تلك الممارسات التي نتوقف فيها عن ممارسة أيّ نشاط واقعي، مثل التأمّل، أو تناول عقاقير الهلوسة، حيث يتكشّف لنا عالم نراه بعيون أخرى.

تلك الصور التي نراها، يعتبرها عالم النفس الألماني أريك فروم في كتابه "اللغة المنسية" لغتنا الأصلية، ويُسمّيها نيك ساند، الكيميائي الأمريكي وأحد أبرز طباخي الأسيد، عالم "الماوراء" المتجاوز للتقسيمات، والتصنيفات، الذي قد يكشف بتأمّله عن شفرة كينونتنا.

وقبل أن ندخل إلى تلك اللغة، الأساطير والرموز والخيالات، ونستعرض أحوالها، علينا أن نتحسّس ملامح "اللغة الواقعية" التي نختبرها ونحن في حال اليقظة.

الوعي: هلاوس كابوسية صنعتها السلطة

ما يراه آلان واتس، المحاضر الأمريكي المتبني لبوذية الزن، مستلهمًا كشوفات علماء الأعصاب أنّ العقل البشري بملايين الخلايا العصبية الراقصة في جماجمنا يخلق دراما فانتازية، لا علاقة لها بالواقع، الهدف منها فقط أن تُبقينا أحياء، يُعَرّفك معنى حياتك، يقنعك بأنّ البقاء حيًا لعبة ممتعة وذات معنى، نتمسك بتدينّنا.

وفي منتصف العمر نتخلّى عمّا كنّا نعتقد أنّه حق، نُبَدّل أحلامنا، ورغباتنا، الجنس والصخب بالموسيقى الهادئة والتأمل، الانفلات الأخلاقي بالتزمت الديني، وإذا كنتَ ذكيًا ومثقفًا، فسيجعلك متميزًا، تكفر بدين الغالبية، وتمارس اليوغا، وتعمل في وظائف إبداعية.

وفي النهاية، اختر ما شئت، فكل ما تعيشه لعبة، حتّى وإن فَقَدَت متعتها ومعناها، لن يعدم وعيك سببًا واحدًا يُقنعك بالاستمرار في اللعبة.

وتقول نظرية الماتريكس أنّ الواقع الحقيقي أشبه بأزيز محطات الراديو عندما يتوقف الإرسال، لا شيء سوى التشويش، نبضات كهربائية، وليس على أدمغتنا سوى أن تحوّلها، عبر آليات تشبه برمجة الحاسوب: "ضغط المعلومات"، و"شفرة تصحيح الأخطاء"، إلى عدد من المعلومات يسمح لنا فقط بالبقاء أحياء، فالواقع أشبه بأصفار وآحاد، ولا علاقة للصورة المجسمة الثلاثية الأبعاد به.

أقوال جاهزة

شارك غردما هو مطلوب منكم لتحفيز شخصيتكم الخيالية، أن تُسجّلوا أحلامكم أولّا بأوّل، حتى تظهر شخصية في أحلامكم، ثمّ تستحضرونها في يقظتكم، تخيلوها، وتحدثوا إليها، وفجأة ستظهر أمام أعينكم، وسترشدكم طرق الصواب.

شارك غردكلّ شخص له لغته الحلمية الخاصة، وبمعرفة أحلام غيركم، واطلاعكم على تفسيرات نفسية لها، وبمواظبة تسجيل أحلامكم، سيتعرّف كل واحد منكم على لغته الخاصة، الأصلية، والمنسية.

أمّا بالنسبة إلى آريك فروم، فإنّ عالم اليقظة تم مسخه وتدميره، حيث باتت الوفرة التي تكفي لتلبية حاجات البشر جميعًا، في يد قِلّة محظوظة، ترغب في الاستئثار بها، والدفاع عنها ضد مطامع الآخرين، الذين باتوا يهددون امتيازات القلة، الذين لم يحبّوا إخوانهم كما أوصت الأديان.

وتحوّلت "سلطة الغالب" إلى "قوة جسدية تُجبر الجموع على الاكتفاء بما قُسم لها"، ولأنّ هذه القوة ناقصة، فهي مضطرة للتسلط على أذهان الناس، ومراقبة أفكارهم ومشاعرهم، ومع مرور العصور، تشوّه العقل البشري، حتى السجان تحوّل إلى سجين، وبات الإنسان منساقًا للسيطرة على الآخرين، عاجزًا عن الحب، والاطمئنان الداخلي.

في هذا الإطار، مهمة الإنسان المستيقظ تتلخص في الحفاظ على بقائه، لذا فهو خاضع للقوانين التي تحكم الواقع، وهذا يعني أن عليه أن يفكر ضمن إطاري الزمان والمكان، اللذين تتحكم فيهما نظم سياسية تربي فيك عبر مؤسسات المدارس والكنائس والإعلام الخضوع للسلطة، وقهر وعيك الفردي، ولكن عندما نتوقف عن التفاعل مع العالم، إمّا لأننا نائمون، أو لأنّنا نمارس التأمل، حيث الصمت والانفتاح على العالم الداخلي، أو نتناول عقاقير الهلوسة حيث تظهر أشكال وألوان لا علاقة لها بالواقع الفعلي.

ماذا يحدث؟

يقول فروم إننا عندما نستغرق في النوم، نخلو بأنفسنا، وتتولّد لدينا القدرة على التبصّر في أمر ذواتنا بمعزل عن تأثير الضوضاء والضجيج، وبمنأى عن الحماقات التي تحاصرنا كل يوم، ومِن ثمّ نحسّ بشكل أفضل، ونفكر بشكل أسلم، وتصبح أحاسيسنا وأفكارنا أقرب إلى الحقيقة، وأشد غنىً وثراءً.

النوم والتأمل والهلوسة تعزلنا عن الحضارة، وتعيدنا إلى الطفولة، مرحلة ما قبل فقداننا لـ"الذكاء الكوني".

يقول عالم النفس تشارلز فيرنهوه إنّ شيئين يأتيان معًا في الطفولة المبكرة: الذكاء الكوني، واللغة. هناك ذكاء أساسي، الطفل في عمر السنة قادر على القيام بعدة مهمات، يُبادر بالحركة، يتذكّر أشياء، يحلّ مشاكل، ولكنّه ذكاء ما قبل اللغة، ثمّ تأتي اللغة، وتتغيّر طريقة تفكيرك، شيء ما في عمر العامين يُخلق بداخلك، شيء خاص جدًا، وفريد في الكون، تنتزعه منك اللغة المنطوقة.

ويحاجج  فيرنهوه بأن لدى الكثير من الناس لغة إشارات وصور داخلية، ينظمون من خلالها أفكارهم، لا علاقة لها باللغة المنطوقة.

يوجز فروم الأمر قائلًا: الأحلام عند النوم تتحوّل إلى "أمور فعلية"، وعلى درجة من الواقعية حتى تجعلنا نسأل أنفسنا ما هو الواقع. الفرق بين الحلم واليقظة هو فرق "بين صيغتين من صيغ الوجود".

يونغ: الواقع حلم

يرى يونغ أنّنا إذا درسنا الأحلام ورموزها، وتوحّدنا معها، يتحوّل الحلم لحالة وعي، وتستحيل الأنماط البدائية التي تسيطر على أحلامنا إلى معانٍ نمارسها يوميًا في حياتنا.

بل يذهب إلى أبعد من ذلك، أنّ هذه الرموز التي تعترضنا في أحلامنا، يمكن أن تظهر في يقظتنا على شكل مُنبّهات أو أطياف بصرية وسمعية، يسميها "الخيال الفعال"، ويتحول بعض ما نراه إلى "إشارات" تُنبهّنا على أفعالنا، أو تزيد من قدرة التكهن بمستقبلنا، حالة سمّاها "التزامن".

via GIPHY

كتبت ماري لويز فون فرانز، باحثة نفسية في مدرسة يونغ، أنّ الأحلام هي "صوت الطبيعة في داخلنا"، وقد تكون الأحلام هي المكان السّرّي الذي يتقابل فيه الإنسان والكون، ويتفاعلان في عملٍ جماعي.

وقد استردّ يونغ توازن شخصيته العاطفي عبر حوار مع صور الخيال والحلم كما لو كانت هذه الشخصيات موجودة في عالم اليقظة، اتخذ قرارًا واعيًا بالسقوط في الأعماق، هبط على قدميه، وبدأ في استكشاف المشهد الداخلي الغريب، حيث التقى أول سلسلة طويلة من الشخصيات الداخلية، شخصيات خيالية بدت وكأنّها تجسد مخاوفه، ومشاعره القوية، ومع مرور الوقت أدرك أنّه عندما تمكّن من ترجمة مشاعره إلى صور، شعر بهدوء داخلي، وطمأنينة، واكتشف حينها أنّ مهمته تتمثل في العثور على صور مختفية في العواطف.

بحسب "الكتاب الأحمر"، فقد اختبر يونغ عددًا من الهلوسات البصرية، وبدأ يستحضر الصور الخيالية إراديًا، وهو في الثانية عشرة اجتاز ساحة الكاتدرائية في بازل بسويسرا، وأعجب بالشمس المشرقة على سقف الكاتدرائية، وخطرت له فكرة، ولكنّه شعر أنّها خطيئة؛ فكبتها، وظلّ متضايقًا لأيام، ولكنّه عدل عن رأيه، واقتنع بأنّ الله أراد له أن يفكر بهذه الطريقة، حينها رأى الله على عرشه، يُطلِق روثًا ضخمًا على الكاتدرائية، ويُحطّم سقفها، ويُدمّرها.

via GIPHY

وفسّرها بعد ذلك بأنّها "تجربة الله الحي المباشر الذي يقف بكامل قدرته وحريته فوق الإنجيل والكنيسة".

يقول يونغ إنه رأى أثناء اليقظة رؤية لأوروبا وهي تتعرّض للتدمير بفيضان كارثي، وفي الرحلة نفسها تكرّرت الرؤيا مرتين، فخشي أن يُجنّ، وأنّه قد يتعرض لخطر الإصابة بالذهان، وذات ليلة شتوية وقف عند النافذة، ونظر إلى الشمال، ورأى تَوَهّجاً دموياً أحمر مثل وَهَج البحر، يَمتدّ من الشرق إلى الغرب عبر الأفق الشمالي، ثمّ سأله شخص عن رأيه في أحداث العالم بالمستقبل القريب، وقال "ليست لدي أفكار، بل رأيت أنهارًا من الدم".

يُعلّق يونغ على هلوساته: "السماح للأخيولة في داخلي بالخروج له التأثير نفسه الذي سيحدث عند إنسان إن دخل ورشته، ووجد أنّ كل أدواته تطير في المكان، وتقوم بأشياء مُستقلّة عن إرادته".

وحرّض يونغ على أن يتخيل الأفراد أشخاصًا خياليين، يتحدثون إليهم، وقد تجلّت له في حال اليقظة شخصية فيلمون الأسطورية، وقال إنّها تطوّر من شخصية إيليا، يُوضّح ملامحها أكثر: كان فيلمون وثنيًا، وأحضر معه جوًا مصريًا، هيلينيًا، مع ألوان غنوصية. علّمني الموضوعية الروحية، وواقع الوساطة الروحية، من خلال المحادثات مع فيلمون أصبح الفرق بيني وبين موضوع أفكاري واضحًا نفسيًا، كان فيلمون يُمثّل بصيرة سامية.

الأحلام هي "صوت الطبيعة في داخلنا"، المكان السّرّي الذي يتقابل فيه الإنسان والكون، ويتفاعلان في عملٍ جماعي

يقول عن أول مرّة رآه فيها: كانت هناك سماء زرقاء كالبحر، مُغَطّاة، ليس بالغيوم، بل بكتل بُنّية مُسَطّحَة من التراب، بدا كما لو أنّ الكتل تتصدّع، لتصبح مياه البحر الزرقاء مرئية بينها، لكن الماء كان بزرقة السماء، فجأة، ظهر من اليمين مخلوق مُجنّح، يُبحر عبر الأفق، رأيت رجلًا عجوزًا لديه قرنا ثور، يحمل مجموعة من 4 مفاتيح، تمسّك بأحدها كما لو أنّه على وشك فتح قفل، كان لديه جناحا سمكة رفراف بألوانها المميزة، وبما أنّني لم أفهم صورة الحلم، فقد رسمتُها كي أطبعَها في ذاكرتي، وبينما كان يرسم تلك الصورة، عثر على سمكة رفراف ميتة، في حديقته قرب شاطئ البحيرة، وهذا نادر جدًا في منطقته.

ما هو مطلوب منكم لتحفيز شخصيتكم الخيالية، أن تُسجّلوا أحلامكم أولّا بأوّل، حتى تظهر شخصية في أحلامكم، ويتكرّر ظهورها، ثمّ تستحضرونها في يقظتكم، تخيلوها، وتحدثوا إليها، وفجأة ستظهر أمام أعينكم واضحة، وسترشدكم إلى طرق الصواب.

أما آريك فروم، فيرفض وجود أساطير عامّة تظهر لكل الناس، كلّ شخص له لغته الحلمية الخاصة، وبمعرفة أحلام غيركم، واطلاعكم على تفسيرات نفسية لها، وبمواظبة تسجيل أحلامكم، سيتعرّف كل واحد منكم على لغته الخاصة، الأصلية، والمنسية.

نيك ساند: هلاوس مُبهِجة تستبدلُ الخوفَ بالحميمية

يشارك نيك ساند، سماه معلم التأمل أوشو "بارافاسي"، يونغ وفروم وآلان واتس انتصارهم للعالم الداخلي، وتحويل الواقع إلى رموز وأساطير لاختبارها نفسيًا ووجدانيًا.

فهو يعتبر هلوسات "دي إم تي" و "إل إس دي" ممثلة لحالة "الوحدة والشفاء من الانقسام والنزاع" وكل الحالات المرضية التي يأتي بها عالم اليقظة، ويرى أنّ السلام والطمأنينة والبصيرة التي تأتي بها تلك الرؤى أثناء "الترباية" يمكن استثمارها اجتماعيًا، وتحويل المجتمعات البشرية من كائنات تخشى بعضها بعضًا، وتحتاج لوجود الجيش والشرطة لحمايتها، إلى أفراد يتبادلون مشاعر السلام والحميمية.

وقد رأى ساند في ترباية له، وكان جالسًا كهيئة اللوتس أمام موقد نار من حطب، الفضاء الواسع، وبينما يسبح وجوده في الأفق بين الكواكب والنجوم، سمع صوتًا يناديه، ويأمره بأنّ دوره في الحياة أن ينشر هذه الرؤى في العالم.

ولكن يونغ حذّر في رسالة إلى أحد أصدقائه في 10 إبريل 1954 من اعتماد عقاقير الهلوسة لاكتشاف اللاوعي الجمعي، يقول إذا عرفت الكثير عن اللاوعي الجمعي أكثر عبر المسكالين، والـ"أل إس دي"، بدلًا من الأحلام والحدس، فسيتحول ما تعرفه إلى عبء أخلاقي عليك، لأنّ المحتوى اللاواعي سيحوّل نفسه إلى مهمات فردية، وواجبات، بمجرد أن يصبح وعيًا، "هل تريد أن تزيد من حالة الوحدة وعدم الفهم؟".

ويشرح يونغ أكثر: أنا غير واثق في المنح الإلهية الصافية، لأنك إذا عرفت الكثير عن لاوعيك فسيكون أمامك تحدٍّ، كيف توازن بين اللاوعي والوعي، لأنه سيصبح وعيًا.

يقول م.ر صحفي 29 عاما أنّه رأى في إحدى تريباته فتاة شقراء ذات شعر أصفر، وكأنّها جنية قادمة من أساطير يونانية، "بدت حقيقية حتى أكثر منّي"، وعندما نظر إلى يده، وجدها شفافة تظهر وتختفي، ولما رأى نفسه في مرآة المرآة شاهد طفلًا صغيرًا ذا خمس سنوات، يقول: "لقد تغيرتُ بعدها، بدأتُ أفقد ثقتي فيما أراه، كأنّ عقلي يعبث معي طوال حياتي".

وأنا جالس على الأريكة في منتصف الليل، رأيتني صباحًا وأنا في مكان صحراوي، وكهف أمامي، يخرج منه هندي أحمر، ثمّ يأمرني بأن أنظر إلى يساري، شعرت بخدَر لذيذ في دمي وعظمي، وتذكّر جسدي أول لمسة حميمية من صديقة في فترة الجامعة، ورأيتني طفلًا يركب حمارًا أبيضًا وسط حقول في قريتنا، حيث بدا الأفق أخضر، والحياة واعدة بمخاطر ومفاجآت لانهائية.

التعليقات

المقال التالي