انقراض مصطلح التواصل "ألو": لماذا لم يعد أحد يجيب على اتّصال هاتفي؟

انقراض مصطلح التواصل "ألو": لماذا لم يعد أحد يجيب على اتّصال هاتفي؟

رغم عصر التكنولوجيا الذي نعيش فيه، أصبح من الطبيعي جداً أن يمر يوم كامل من دون أن نسمع فيه رنين الهاتف أو حتى نستمع فيه إلى صوتنا ونحن نتحدث عبر السماعة مع شخصٍ آخر.

واللافت أن موت المكالمات الهاتفية مصحوب بخسارةٍ من نوع آخر: فقدان الإحساس بالانتماء إلى العالم بأسره.

ثقافة الهاتف

أكدت "زوي ويليامز"، في مقال في صحيفة "الغارديان" البريطانية، أننا توقفنا عن إستخدام الهواتف ليتحدث بعضنا مع بعض، إذ تبيّن أن عدد المكالمات التي تم إجراؤها في العام 2017 قد انخفض، كما أن 92% من الأشخاص (عينة من أشخاص بريطانيين) يستخدمون هاتفهم بشكل أساسي للوصول إلى الإنترنت وليس بهدف إجراء محادثات هاتفية.

via GIPHY

فكيف تغيّرت العادات الاجتماعية؟

يبدو أن ثقافة الهاتف تختفي بالفعل، وهذا ما حاول برهانه الكاتب "أليكسيس مادريغال" في مقال على موقع "أتلانتيك"، تحدث فيه عن الأسباب التي تجعل الناس لا تجيب على هاتفها بعد الآن.

فقد أوضح "مادريغال" أنه في السابق، وتحديداً في اللحظة التي كان يرن فيها الهاتف، كان يعتبر الرد أمراً حتمياً، إذ كان المرء يلتقط السماعة من دون تفكير.

أقوال جاهزة

شارك غردموت المكالمات الهاتفية مصحوب بخسارةٍ من نوع آخر: فقدان الإحساس بالانتماء إلى العالم بأسره.

شارك غردلم يكن بالإمكان معرفة "هوية المتصل" بشكل يسمح لكم بمعاودة الاتصال بالشخص الذي سبق أن اتّصل بكم، وبالتالي في حال لم تتمكنوا من الرد على الهاتف في الوقت المناسب، فهذا يعني أن فرصتكم قد ضاعت.

ولم يكن بالإمكان معرفة "هوية المتصل" بشكل يسمح لكم بمعاودة الاتصال بالشخص الذي سبق أن اتّصل بكم، وبالتالي في حال لم تتمكنوا من الرد على الهاتف في الوقت المناسب، فهذا يعني أن فرصتكم قد ضاعت وعليكم الانتظار إلى أن يتصل بكم الشخص مرة أخرى، ولا شك أنه في غضون ذلك الوقت تكثر التساؤلات والهواجس في ذهنكم: من المتصل؟ ماذا يريد؟ ماذا لو كان لديه أمر هام ليخبرني به؟

وقد شبّه الكاتب عدم الرد على الهاتف بشخصٍ يطرق على باب منزلكم، فيما أنتم تقفون وراء الباب من دون أن تفتحوا له، معتبراً أن الامتناع عن الرد كان يعتبر "أمر وقح وغريب".

من قال ألو؟

في كتابه Telephone Conversation يصف الباحث "روبرت هوبر" مسألة المحادثات الهاتفية بأنها كانت "مجرد روتين"، لأنه عندما كان يرن الهاتف يهرع جميع الأفراد للرد، خاصة أنهم كانوا يعرفون جيداً كيف يجيبون، إلا أنه في الوقت الراهن "نسي الناس كيف يلتقطون السماعة".

via GIPHY

ما هي العوامل التي ساهمت في التآكل البطيء لمثل هذه العادات الروتينية؟

هناك عدة أسباب تقف وراء توقف الناس عن الرد على هواتفهم، ولعل أهم سبب هو الهيكلية، إذ ببساطة باتت هناك خيارات أخرى للتواصل، فالرسائل النصية وخدمات الوسائط المتعددة مفيدة وغنية: كلمات مع رموز تعبيرية، صور، فيديوهات وروابط: "الرسائل النصية ممتعة، ويمكن القيام بها مع العديد من الناس في الوقت ذاته".

يخبر "اليكسيس" بأنه في العامين الماضيين، كان هنالك سبب آخر أكثر تحديداً وراء التعامل مع الهاتف بحذر، إذ إن 80% أو حتى 90% من المكالمات الواردة إلى هاتفه كانت عبارة عن مكالمات غير مرغوب فيها: "إذا سمعت صوتاً ينطلق من هاتفي ويصدح في أرجاء المنزل، أتحمس في البداية لاعتقادي بأنها رسالة نصية، ولكن عندما يستمر الهاتف في الرنين وأدرك أنها مكالمة، لن أزعج نفسي بالرد".

متابعاً حديثه:"هاتفي يرن بمعدل مرة أو مرتين في اليوم فقط، مما يعني أنه يمكنني أن أمضي أسبوعاً كاملًا دون الرد على أي مكالمةٍ هاتفية، دون معرفة سبب المكالمة، أو حتى الرغبة في التقاط السماعة".

وإن عدم الرغبة في الرد على الهاتف، قد تعود إلى اعتبار البعض أن المكالمات الهاتفية "وقحة" و"متطفلة" و"غريبة": "لدى الهاتف نزعة قوية لمقاطعة الناس"، كأن المكالمة الهاتفية تطلب منهم أن يتوقفوا عن كل ما يقومون به ويستمعون إلى الطرف الآخر.

via GIPHY

من هنا يوضح دكتور "فيشر"، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا لصحيفة نيويورك تايمز، أنه عندما ظهر الهاتف لأول مرة كان هناك "إتيكيت" معيّن يرشدنا إلى كيفية الاتصال بالأشخاص، من يجيب على المكالمة وبأي طريقة.

فبين أوساط الطبقة الاجتماعية العليا، كان "الخادم" أو المساعد الشخصي هو الذي يتوجب عليه الرد على المكالمات، ولفترةٍ طويلةٍ كان يعتبر توجيه دعوة شخص ما عبر الهاتف لتناول العشاء، أمراً غير مقبول اجتماعياً، ولكن مع الوقت تم تبسيط قواعد المحادثة عبر الهاتف.

بالإضافة إلى ذلك، تم بيع الهواتف في البداية وبشكلٍ حصري لأغراضٍ مهنيةٍ صرفة وفي وقتٍ لاحقٍ كان يعتبر الهاتف جهازاً عملياً في المنزل، إذ كان يستخدمه الأزواج للاتصال بزوجاتهم أثناء سفرهم إلى الخارج، كما كانت ربات المنزل يتصلن بالبائع لتحضير طلبية، ولكن سرعان ما أصبح الناس يستخدمون الهاتف للتفاعل الاجتماعي:" طوال 30 عاماً، حاولت شركات الهاتف إيقاف ذلك بحجة أن استخدام الهاتف أصبح غير لائق".

فوبيا المكالمات

هل رنين الهاتف وحده كافٍ لبث الرعب في قلوبكم؟ هل تجعلكم فكرة إجراء محادثة هاتفية تتصببون عرقاً؟

يأتي الخوف على شكل مظاهر عديدة: الخوف من رؤية حبيبكم السابق في أحد الأماكن، الخوف من الحشرات، الخوف من التفوه بعباراتٍ تافهةٍ تحت تأثير الكحول... كما أن الخوف قد يكون من فكرة إجراء مكالماتٍ هاتفيةٍ والرد على التلفون.

via GIPHY

يعاني الكثير من الأشخاص من خوف حقيقي من مجرد إقدامهم على إجراء مكالمة هاتفية، في إطار ما يعرف بـtelephobia وهو نوع من اضطراب القلق الاجتماعي.

واللافت أن المصابين بهذا النوع من الرهاب لا يمانعون إلقاء محاضرة في غرفة ملأى بالغرباء، إلا أنهم يرتجفون لمجرد التحدث عبر الهاتف، خاصة أنه من دون تعابير الوجه فإن المحادثة مجرد لعبة تخمين:" كل ما لدينا هو الصوت على الجانب الآخر من الحديث... وليس من الصعب فقط فهم ما يقوله الشخص الآخر إنما التحدي الأكبر يكمن في معرفة رأيه فيما نقوله".

إن الخوف في هذه الحالة لا يكون من الهاتف نفسه إنما من فكرة التفاعل والخشية من الرفض، إضافة إلى أن بعض الأشخاص يخشون من التفوه بعبارات تجعلهم عرضة للانتقادات اللاذعة وللأحكام السلبية.

التعليقات

المقال التالي