أنيسة حلو توثّق وصفات الطعام في العالم الإسلامي قبل أن تضيع تحت أنقاض الحروب

أنيسة حلو توثّق وصفات الطعام في العالم الإسلامي قبل أن تضيع تحت أنقاض الحروب

قبل أن يطغى مشهد الحرب على سوريا وقبل أن تسقط المدن القديمة الواحدة تلو الأخرى، كانت "أنيسة حلو" تسعى لإظهار الجانب المضيء من بلدها الأم من خلال القيام بجولةٍ سياحيةٍ على أبرز المواقع الجغرافية والتوقف عند مدينة حلب من أجل إبرازها كعاصمة الطعام في الشرق الأوسط.

وبالرغم من الأوضاع السياسية والظروف الاجتماعية الصعبة التي لا تزال تعيشها البلاد، فإن أنيسة بقيت متمسكة بحلمها، فبعد 7 سنوات طرحت كتابها الجديد Feast الذي يتضمن 300 وصفة خاصة بالمطبخ الإسلامي، كخطوة اعتبرتها "سياسية" لرفع القبعة إجلالاً لمدينة حلب وللإشادة بأهمية المطبخ الشرقي.

من العمل في مجال الفنون وجمع القطع الفنية كيف دخلت "أنيسة حلو" عالم الطبخ؟ وما الذي يميز كتابها الجديد عن سواه من كتب الطبخ التي طرحتها في السابق؟

من الفن إلى كتب الطهو

نشأت أنيسة حلو (66 عاماً)، وهي إبنة والد سوري وأم لبنانية، في بيروت، وبسبب طموحها الذي كان يفوق جدران المدينة، قررت وهي في الواحد والعشرين من عمرها أن تتفلت من القيود الاجتماعية الضيقة، فحزمت أمتعتها وانتقلت للعيش في لندن حيث عملت مستشارة فنية، إضافة إلى تعيينها ممثلة لـsotheby في الشرق الأوسط وامتلاكها متجراً لبيع التحف الفنية في باريس.

ومن العام 1978 حتى العام 1986، استقرت "أنيسة" في الكويت حيث عملت مستشارة لعددٍ من أفراد الأسرة الحاكمة الكويتية والذين كانوا يهتمون بالفن الإسلامي، ناهيك بتقديم النصائح لهواة جمع شراء اللوحات الفيكتورية والمجوهرات وأثاث الفنون والحرف اليدوية.

في الواقع لم عتكن تعلم هذه المرأة التي كانت منغمسة في عالم المزادات واقتناء القطع الفنية أنها ستتحول في يومٍ من الأيام إلى عالم المأكولات وتصبح كتبها الأكثر مبيعاً في هذا المجال.

أقوال جاهزة

شارك غرد"عندما انتقلت إلى لندن، أخبرت شريكي ألا يتوقع مني أن أعدّ الطعام، لأنني أصبحت متحررة جداً بعد أن قرأت أعمال الكتاب الوجوديين الفرنسيين... كنت ببساطة لا أريد أن يتم تدجيني"

شارك غردقررت أنيسة طرح كتاب طهو جديد بهدف تسليط الضوء على الجانب المضيء من العالم الإسلامي، لاسيما أنها لاحظت أن هناك نقصاً في إبراز وصفات المطبخ الإسلامي الذي تأثر بالفرس وبالعثمانيين وبالمغول.

فما الدافع إلى هذه النقلة النوعية في مسيرتها؟

لم يخطر على بال "أنيسة" أن يصبح إسمها على كتب الطهو قبل صيف 1992، خاصة أنها كانت تعتبر أن مشهد النساء في المطبخ يعزز من التمييز الجنسي، قائلة: "عندما انتقلت إلى لندن، أخبرت شريكي ألا يتوقع مني أن أعدّ الطعام، لأنني أصبحت متحررة جداً بعد أن قرأت أعمال الكتاب الوجوديين الفرنسيين... كنت ببساطة لا أريد أن يتم تدجيني"، إلا أنها سرعان ما تراجعت عن موقفها المناهض للطبخ.

ذات مرة، كانت في حفل عشاء في لندن بصحبة مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في لبنان وعاشوا بعيداً عن وطنهم، ولفتها حديثهم وهم يشتكون من ندرة كتب الطبخ اللبنانية، ومن هذا النقاش أدركت أن هناك جيلاً كاملاً من اللبنانيين الذين هاجروا بلادهم إثر الحرب الأهلية لم يحظوا بفرصة تجربة الطعام اللبناني، بخلاف تجربتها الخاصة إذ كانت "تنغمس في الطبخ مع والدتها وجدتها".

من هنا قررت "أنيسة" أن تنتقل من عالم الفنون إلى عالم الكتابة في مجال الطهو، فنشرت كتابها الأول "المطبخ اللبناني" عن سحر المطبخ اللبناني.

نجح هذا الكتاب، الذي تم ترشيحه لجائزة "أندريه سيمون"، في كسب شهرةٍ دوليةٍ من خلال تعريف الجمهور العالمي على الأطباق اللبنانية بنفس الطريقة التي فعلها "مادهور جافري" للطعام الهندي و"إدنا لويس" للطعام الأميركي-الجنوبي.

شغف الكتابة عن المأكولات العربية

ثم أصدرت كتاباً ثانياً حمل عنوان Street Café Morocco وفيه رفعت النقاب عن لذة المأكولات المغربية، في كتاب امتاز بطريقة إخراجه، اذ زيّنت كل صفحة بلون مختلف مستوحى من أجواء المغرب ومطبخه (ألوان النعناع والزعفران والليمون والطماطم...)، هذا بالإضافة إلى تضمنه صوراً فوتوغرافية تسيل اللعاب عند رؤية أطباقٍ من المطبخ المغربي، مثل الحمام بالكسكس.

وبعد النجاح الذي حققه هذا الكتاب، قامت "حلو" في العام 2002 بنشر كتاب Mediterranean StreetFood الذي تحدثت من خلاله عن مأكولات الشارع التي تمتاز بها منطقة الشرق الأوسط.

أما كتابها The Fifth Quarter الصادر في العام 2004، فهو كتاب رائد تحدثت فيه عن طريقة استخدام فضلات الطعام، تلاه كتاب Modern Mezze في العام 2007 وSavory Baking from the Mediterrean في العام نفسه، لتطرح في وقت لاحقٍ كتاب جديد بعنوان Levant, Recipes and Memories from the Middle East.

مطبخ العالم الإسلامي

"يتميز العالم الإسلامي بتاريخه الغني وقد أردت أن أفعل شيئاً لتصوير جانبه الإيجابي..." قالت أنيسة حلو على خلفية الحروب الدائرة في الشرق الأوسط.

بعد أن استفزتها الأوضاع السياسية وبروز الجماعات الإسلامية المتطرفة، قررت "أنيسة حلو" طرح كتاب طهو جديد بهدف تسليط الضوء على الجانب المضيء من العالم الإسلامي، لاسيما أنها لاحظت أن هناك نقصاً كبيراً في إبراز وصفات المطبخ الإسلامي الذي تأثر بالفرس وبالعثمانيين وبالمغول.

فبالرغم من أنها ترعرعت في عائلة مسيحية، فإن هذا الأمر لم يمنع أنيسة من أن تصبح مرجعاً موثوقاً به في "مطبخ العالم الإسلامي"، الذي ترك وراءه مجموعة متنوعة من الأطباق المتشابهة في جميع أنحاء العالم.

وهكذا قررت الكاتبة السفر والتنقل في العالم بحثاً عن الأسماك المشوية في زنزيبار، والكسكس حلو في المغرب وأفضل لحم الضأن في الأردن.

في كتابها الجديد Feast: Food of the Islamic World، ترسم "أنيسة"خطاً ينطلق من ظهور الإسلام على يد النبي محمد في 610 إلى أمجاد سلالة المغول، وعليه تحيك الكاتبة نسيجاً يصور المطبخ الإسلامي الذي بدأ تحت أشجار مكة وانتشر في العالم كله، نظراً لتميزه بالطعام الخاص والرائحة الزكية وحب استخدام الأعشاب والبهارات المختلفة.

وهكذا يمكن القول إنه من خلال كتاب Feast الذي يجسد رحلة طهو شاملة في جميع أنحاء العالم الإسلامي احتفالاً بوصفاته المميزة، ترفع "حلو" النقاب عن 300 وصفة شهية تخص أجزاء نائية في العالم انتشر فيها الإسلام، بدءاً من شينجيانغ وصولاً إلى زنزيبار.

واللافت أن هذا العمل أعد بعنايةٍ كبيرةٍ، إذ تم تقسيم الكتاب إلى فصولٍ ذكية: الخبز، اللحم، الأرز والحبوب الأخرى، الأسماك، المنتجات، التوابل وحلويات، وبالتالي كانت الكاتبة تنتقل مثلاً من الحديث عن أنواع الخبز كالبيتا والشاباتي والفطائر اللبنانية، للتحدث عن البقوليات المطهوة ببطء كالبرياني وطبق الكبسة السعودي وصولاً إلى إعطاء تعليمات قيمة لإعداد لحم الضأن أو لحم الجمل، جنباً إلى جنب مع وصفاتٍ تقليديةٍ وسلطات طازجة وطريقة إعداد أنواع عديدة من الحلويات الخاصة بالمناسبات.

إضافة إلى الغلاف المميز الذي يصور طبق الكباب بالكرز وهو وصفة حلبية، يتميز كتاب Feast في طريقة المعالجة، إذ حرصت حلو على المزج بين المنظور التاريخي والملاحظات الشخصية، من أجل الخروج بكتاب هو بمثابة "فسيفساء" يوثق الوصفات الإسلامية التي يمكن أن تضيع مع قرع طبول الحرب وانتشار الفوضى في العراق وأفغانستان وسوريا.

يذكر أنه في العام 2013، تم اختيار "أنيسة حلو" كواحدة من أقوى 100 إمرأة عربية من قبل مجلة "أرابيان بيزنيس"، كما أدرج إسمها ضمن أكثر 500 شخصية عربية مؤثرة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي