سيكولوجيّة الحفلات الموسيقية: لماذا نهاجر من أرضٍ إلى أخرى لحضور حفل فِرقنا المفضلة؟

سيكولوجيّة الحفلات الموسيقية: لماذا نهاجر من أرضٍ إلى أخرى لحضور حفل فِرقنا المفضلة؟

في 20 و21 يوليو الماضي، وبعد غياب سنتين، وقفت جوليا بطرس على خشبة الملعب الروماني في صور، أمام 28 ألفاً أتوا من مختلف المناطق اللبنانية، غير آبهين بالحرارة المرتفعة وبزحمة السير الخانقة وبأسعار التذاكر التي وصلت إلى أرقامٍ "خيالية" بعد نفادها وبيعها في السوق السوداء.

من هنا يتبادر السؤال إلى ذهننا: ما الذي يجعل الأشخاص يتحملون التكاليف المرتفعة والوقوف ساعات بغية حضور حفل غنائي لنجمهم/تهم أو لفرقتهم المفضلة؟

سيكولوجية الحفلات الموسيقية

كشف علماء النفس عن بعض العوامل التي تدفع الناس إلى المشاركة في الحفلات الموسيقية الحية، لعلّ أبرزها: الحداثة والهروب من الواقع والتنشئة الاجتماعية.

فقد أوضح موقع edm أن الأشخاص يقصدون مثل هذه المهرجانات الحيّة من أجل الغوص في تجربةٍ جديدةٍ قد لا تتكرر في القريب العاجل، الأمر الذي يجعلهم ينتظرون هذه المناسبة بفارغ الصبر، خاصة أن الإنسان بطبعه يبحث عن كل ما هو جديد، وهذا ما يفسر سلوكه في العديد من الأمور: اقتناء سيارةٍ جديدةٍ، شراء ملابس جديدةٍ، البحث عن مطاعم جديدةٍ.

via GIPHY

من ناحية أخرى، لدى البشر نزعة دائمة للهروب من الواقع، بمعنى آخر فإن الأفراد، مدفوعين بالرغبة في الهروب من بيئتهم اليومية، يلجؤون إلى طرقٍ عديدةٍ من شأنها أن تساعدهم على التغلب على خوفهم ومحنهم ومشاغلهم اليومية، سواء كان ذلك عن طريق السفر، أو مشاهدة الأفلام أو حتى حضور المهرجانات الموسيقية التي تجعلهم يغرقون في عالمٍ بعيد عن الضغوط الاجتماعية، فهذه البيئات تعطي الأفراد فرصة الهروب من كل شيء بحيث أنها توفر لهم الحرية في التعبير عن أنفسهم وعن الأمور التي يحبونها من دون أن تلاحقهم العيون.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الحفلة الموسيقية يكون الجميع في صف واحد وليس هناك من طرف خاسر.

شارك غردعندما تشاهدون الفرقة الموسيقية المفضلة لديكم وهي تعزف، تشعرون بالموسيقى أكثر مما تفعلون حين تستمعون إليها على iTunes

بالإضافة إلى ذلك، فإن الدافع الأكثر شيوعاً لحضور المهرجانات الموسيقية هو الرغبة في التفاعل مع الأفراد، وهو سلوك فطري وصحي، لأن العزلة هي مسألة مخالفة للطبيعة البشرية.

via GIPHY

وعليه، فإن الذهاب إلى المهرجان الموسيقي برفقة الأصدقاء والتعرف هناك على أشخاص جدد بمعزل عن دينهم وجنسهم ومكانتهم الاجتماعية، هو جزء من الجانب الاجتماعي الذي يوفره المهرجان، بحيث يكون الحضور كله "على نفس الموجة" ويتشارك الجميع الرغبة نفسها في تمضية أوقاتٍ لا تنسى.

لذا يمكن تشبيه هذه التجربة بالحدث الرياضي إلا أن ما يميّز الحدث الفني هو غياب أي انقسام: ففي الحفلة الموسيقية يكون الجميع في صف واحد وليس هناك من طرف خاسر.

غذاء للأذن

تحدث موقع Odyssey عن أهمية اختبار الحفلات الغنائية الحية على الأقل لمرة واحدة في العمر.

فقد أوضح الموقع أن الموسيقى الحية تشكل "غذاء للأذن" خاصة أنها تعد بتجربة مختلفة تماماً، إذ تكشف الحفلات الموسيقية جانباً خفياً من الموسيقى التي كنتم تجهلونها في السابق، كما أنها تعطيكم فرصة ذهبية لرؤية الفنانين والفنانات الذين تحبونهم ضمن بيئةٍ خاصة تجعلكم تشعرون أن هناك رابطاً جوهرياً بينكم وبين النجم، رغم وجود آلاف الأشخاص من حولكم.

via GIPHY

كما ذكر الموقع: "عندما تشاهدون الفرقة الموسيقية المفضلة لديكم وهي تعزف، تشعرون بالموسيقى أكثر مما تفعلون حين تستمعون إليها على iTunes"، خاصة إذا قررت الفرقة وضع بصماتها الخاصة على الأغاني ولعبها بطريقة تختلف عن طريقة ظهورها في الألبوم الغنائي أو حتى العودة بالذاكرة إلى الوراء وتأدية أغنية قديمة تعود إلى أول ألبوم غنائي:" كل هذه التفاصيل الصغيرة تجعل المغامرة أفضل بكثير".

وبمعزل عن الموسيقى نفسها، فإن المسرح، المكان، الأضواء، كلها عناصر تلعب دوراً كبيراً في جعل العرض الموسيقي أكثر ضخامةً ولذةً، خاصة في ظل الوجود مع أشخاص آخرين يحبون النمط الغنائي نفسه ويتفاعلون مع النجم تماماً كما تفعلون، وكل هذه العوامل تستحق ربما هذا العناء:

"إذا كنتم تحبون الموسيقى بما فيه الكفاية، فإنكم لن تأبهوا لمسألة إنفاق المال لشراء التذكرة أو حتى السفر لرؤية فنانكم المفضل، وهو يغني مباشرة أمامكم على المسرح".

via GIPHY

وختم الموقع حديثه عن التجربة الممتعة وراء الحفلات الوسيقية الحية بالقول إنه في حال كنتم تشاهدون فرقة موسيقية أو فناناً/ة، أو منسقاً موسيقياً، يجب أن تعلموا أن الحدث الموسيقي أُعد بطريقةٍ إبداعيةٍ من أجلكم، فصحيح أن الجولات الغنائية مهمة للنجم إلا أنها مهمةٌ أيضاً لنا كجمهور، إذ من خلالها نتعرف على الفنان ورسالته المبطنة من وراء الأغنية وأهميتها بالنسبة إليه، وهذا بدوره يعني لنا الكثير.

لذة الموسيقى الحيّة

"إذا كنتم ترغبون في شدّ جسمكم، فما عليكم سوى التوجه إلى صالة الألعاب الرياضية، أما إذا أردتم تمرين عقلكم، فيجب أن تستمعوا إلى الموسيقى".

فقد أظهرت الأبحاث أن الاستماع إلى الموسيقى يمكن أن يقلل من القلق وضغط الدم بالإضافة إلى تحسين نوعية النوم والمزاج واليقظة الذهنية والذاكرة.

وكشفت دراسة أسترالية أن الأشخاص الذين يرقصون ويذهبون إلى الحفلات الموسيقية بانتظام هم أكثر سعادة من غيرهم، مما يؤكد مسألة التأثير النفسي للموسيقى على الأفراد، خاصة أنه تبين أن الاستماع إلى الموسيقى نفسها مع الآخرين مرتبط بتجارب إيجابية أقوى من الاستماع الفردي، خاصة مع موجة السوشال ميديا.

ففي ظل عصر التكنولوجيا، تحول الحدث الفني نفسه إلى المستوى الرقمي: أصبح الذهاب لحضور حفلةٍ موسيقيةٍ يحمل طابعاً مختلفاً، إذ يحرص الجمهور على التقاط صور الحفل ونشر مقاطع الفيديو على السوشال ميديا، وكأن حضور الحفل لم يعد محصوراً فقط بالمغني نفسه إنما من باب التباهي أمام الآخرين أو حتى مشاركتهم اللحظة بكل بساطة.

via GIPHY

بغض النظر عن "النيّات الدفينة" لكل شخص والأسباب التي تدفعه إلى الذهاب لحضور حفل غنائي معيّن، لا شك أن للحفلات الموسيقية طعماً خاصاً يراوح بين البكاء على بعض الأغاني والرقص على أغان أخرى، وهذه التجربة تختلف كثيراً عن مجرد الاستماع إلى الموسيقى في السيارة أو المنزل.

التعليقات

المقال التالي