سمح لهن بالتدريس وأسند إليهنّ مناصب قيادية... فلماذا يحرم الأزهر النساء من عضوية المجالس العلمية؟

سمح لهن بالتدريس وأسند إليهنّ مناصب قيادية... فلماذا يحرم الأزهر النساء من عضوية المجالس العلمية؟

منذ نشأته، فتح الأزهر أبوابه للمرأة لتتعلم، وأشرف على مجلسين للنساء: واحد ينعقد في الجامع الأزهر بصفة منتظمة، وآخر لنساء الخليفة وقريباته وخواص نساء القصور ويجتمع في قصر الخليفة.

ومع تطور الزمن وازدياد عدد سكان مصر، اتجه الأزهر إلى افتتاح المعاهد الأزهرية، وبلغ عدد المعاهد الإعدادية للفتيات 1433 عام 2012. وكان أول معهد أزهري للفتيات هو معهد المعادي الذي تأسس عام 1962، كما تأسس عدد من الكليات الخاصة بالنساء.

وسمح الأزهر للمرأة بالتدريس في معاهده وكلياته، وولاها مناصب قيادية في بعضها، إلا أنه لا يزال إلى يومنا هذا يرفض ضم أية امرأة لإحدى هيئاته العلمية المتمثلة في مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء، وكأنه لا يملك كفاءات علمية نسائية.

ويضم الأزهر عدداً من المؤسسات التعليمية والعلمية، كقطاع المعاهد الأزهرية الذي يقتصر دوره على تنشئة الطلاب في مرحلة ما قبل الجامعة، وجامعة الأزهر التي يلتحق بها الطلاب فور انتهائهم من المرحلة الثانوية (التعليم الأساسي)، ومجمع البحوث الإسلامية الذي أنشئ عام 1961، كبديل لهيئة كبار العلماء التي حُلّت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بموجب قانون تطوير الأزهر.

ولكن هيئة كبار العلماء أعيد إحياؤها عام 2012 في عهد شيخ الأزهر أحمد الطيب لتكون أعلى مرجعية دينية تابعة للأزهر.

وأعلن الأزهر أن عام 2017 هو عام لتكريم المرأة وإنصافها، ورفض تهميشها، إيماناً منه بدورها الفاعل في المجتمع.

وفي مايو 2018، أعلن شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عزم الأزهر ومجلس حكماء المسلمين عقد مؤتمر عالمي حول التحديات المعاصرة التي تواجه المرأة في الفترة المقبلة. ولكن ما يُقال في المؤتمرات وأمام شاشات التلفزيون شيء والواقع شيء آخر.

مسألة قديمة

للإنصاف، كانت مسألة منح النساء عضوية مجمع البحوث الإسلامية مطروحة للنقاش داخل مشيخة الأزهر قبل وقت طويل، حتى قبل ولاية الدكتور محمد سيد طنطاوي (1996- 2010)، حين ترشحت الدكتورة سعاد صالح لعضوية مجمع البحوث.

وقتها، أعلن شيخ الأزهر الراحل أنه لا يوجد مانع شرعي أو قانوني من ترشح المرأة لعضوية المجمع، إلا أن المفاجأة كانت في الاتفاقات الذكورية المتعصبة التي جعلت كل أعضاء المجمع يرفضون انتخاب امرأة بمَن فيهم شيخ الأزهر نفسه، ولم يصوت لسعاد صالح سوى صوت واحد.

وبعد عدة شهور من توليه مشيخة الأزهر، أعلن الدكتور أحمد الطيب في مايو 2010، قبول ترشيح عالمات الدين لشغل عضوية مجمع البحوث الإسلامية، للمرة الأولى في تاريخ الأزهر.

وفسر الإمام الأكبر أسباب هذا التوجه بأن النساء يمثلن نصف المجتمع وراعيات للنصف الآخر منه، ولهذا لا يمكن تجاهل وجودهن في هيئة كبار العلماء المسماة "مجمع البحوث الإسلامية"، والتي تضم خيرة علماء الأمة، على حد قوله.

وحينها، أشار شيخ الأزهر إلى أن الترشح والاختيار سيجريان بشفافية مطلقة لاختيار الأفضل من أجل ضمان نحاج التجربة الفريدة، رافضاً اتهامات المعارضين له بأن توجهه يحمل مجاملة وخضوع للمنظمات النسائية.

وأكد الطيب أن توجهه نابع من داخله وعن اقتناع تام، بل أن قراره تأخر كثيراً، لأن الوضع السابق يتجاهل مَن وصفهن الرسول بشقائق الرجال، ولا يمكن أن يتجاهل الرجال شقيقاتهم في الحياة وينفردوا بمناقشة كل القضايا، حتى ما يتعلق منها بالنساء. فهل يعقل أن نناقش قضايا المرأة ونتخذ فيها قرارات وهي غائبة؟

قوبل قرار أحمد الطيب بتأييد البعض ومعارضة آخرين. المؤيدون اعتبروه خطوة جريئة وتصحيحاً لأوضاع خاطئة، وإنصافاً للمرأة التي شاركت الرجل في كل أمور الحياة. أما المعارضون الذين مثلتهم حينها "جبهة علماء الأزهر"، المنحلة حالياً، فبرروا رفضها بأن المصلحة العليا للأمة تستوجب إبعاد المرأة عن شغل هذا المنصب، بسبب ما قالوا إنه سيطرة العاطفة على عقول النساء، ما يجعل اعتلاءها مثل هذا المنصب المهم شديد الخطورة.

واستند المعارضون إلى حديث الرسول "كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".

أغلقت القضية بعد أيام من السجال على صفحات الجرائد المصرية، ومرت ثلاث سنوات قبل أن يلتقي الطيب مع رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي، في مقر مشيخة الأزهر في مارس 2013، فأبدى الأول استعداده لتفعيل دور المرأة الذي طرحه الثاني، ولاقتراح دعم مشاركتها في الإفتاء وعضويتها في مجمع البحوث في جلسات قادمة. بعدها أغلقت القضية وأصبحت في طي النسيان.

هل ظُلمت المرأة؟

عدم حسم قضية انضمام المرأة إلى مجالس الأزهر العلمية أثار قلق العديد من نساء المؤسسة الأزهرية، ومن بينهم الدكتورة عزيزة الصيفي، رئيسة قسم البلاغة والنقد في كلية الدراسات الإسلامية والعربية-بنات في جامعة الأزهر.

أكدت الصيفي لرصيف22 أن في الأزهر عدداً ليس بالقليل من السيدات صاحبات العلم الغزير والرأي السديد وفصاحة اللسان والقدرة على العمل الشاق وحل المعضلات وكسب ثقة الرجال وتحمل أعباء العمل، و"قد تكون بعض النساء أكثر حنكة ودراية وصبراً ومثابرة على قراءة الواقع الإسلامي والظروف الحياتية ومتطلباتها لمراعاة متغيرات المجتمع الإسلامي، بإعادة صياغة بعض التشريعات والقوانين لتتناسب مع العصر مع مراعاة عدم المساس بثوابت الدين بكل حزم".

أقوال جاهزة

شارك غردسمح الأزهر للمرأة بالتدريس في معاهده وكلياته، وولاها مناصب قيادية في بعضها، إلا أنه لا يزال إلى يومنا هذا يرفض ضم أية امرأة لإحدى هيئاته العلمية المتمثلة في مجمع البحوث الإسلامية أو هيئة كبار العلماء...

شارك غردفي مايو، أعلن شيخ الأزهر عزم الأزهر ومجلس حكماء المسلمين عقد مؤتمر عالمي حول التحديات المعاصرة التي تواجه المرأة في الفترة المقبلة. ولكن ما يُقال في المؤتمرات وأمام شاشات التلفزيون شيء والواقع شيء آخر

وبحسب الصيفي، فإن المرأة ظُلمت في الماضي لكنها الآن تسير بخطوات ثابتة وتحصل كل يوم على مكاسب جديدة، ما يمهد الطريق لإثبات قدراتها التي كانت معطلة.

أما الدكتورة آمنة نصير، عضوة مجلس النواب المصري وأستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر، فقالت لرصيف22 إنها لا تجد أي سبب منطقي لعدم ضم المرأة إلى مجمع البحوث حتى الآن.

وأضافت: "نساء الأزهر حصلن على أعلى الدرجات العلمية (ماجستير، دكتوراه، الأستاذية)، وتولين الكثير من المناصب داخل المؤسسة الدينية كرئيسة قسم، ووكيلة وعميدة كلية، ورئيسة قطاع، إلا أنها توقفت عند هذا الحد".

وترى نصير أن بعض النساء يمتلكن كفاءات علمية تفوق كثيراً كفاءات العلماء الرجال و"لكن التعصب الذكوري في الأزهر حال دون انضمامهن، إذ وضعوا أمامهن عوائق"، مضيفةً: "من غير المعقول أن يجتمع الرجال في مجلس علمي ليناقشوا قضايا تتعلق بالنساء ولا يوجد بينهم امرأة".

ووافقتهما الرأي الدكتورة فتحية الحنفي، أستاذة الفقه في جامعة الأزهر، وأشارت إلى أن لا فضل لذكر على أنثى إلا بالتقوى والعمل الصالح، "فالرجال والنساء سواء في أداء العبادات، إلا أن الله عز وجل جعل لكل منهما خصائص بحكم الخلقة والتكوين، وأصبح كل منهما مكملاً للطرف الآخر".

نماذج تاريخية

واستعرضت الحنفي بعض النماذج التاريخية، لتبرهن أن هناك نساء ذوات كفاءة علمية غزيرة تفوق الرجال، وقالت: "إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون إلى السيدة عائشة، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في ما أشكل عليهن من مسائل، وكذا أم سلمة كانت مستشارة للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وكذا حفصة بنت عمر وكل أمهات المؤمنين".

وأضافت: "تروي لنا كتب التاريخ أن أم عطية الأنصارية غزت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وكانت تقوم بصنع الطعام وتداوي الجرحى، والشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس كانت في عهدها بمثابة وزيرة الاقتصاد في يومنا هذا".

وتابعت: "لم يتوقف اشتغال النساء في الاجتهاد والفتوى في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، بل هناك من نساء التابعين مَن تتلمذن على يد فقيهات الصحابة منهن ابنة زيد بن ثابت الأنصارية، وزينب بنت أبي سلمة المخزومية، وحفصة بنت سرين، وأم الدرداء الصغرى".

وفي عصر الأئمة الأربعة، تكمل الحنفي، "اشتغلت المرأة بالاجتهاد والفتوى في كثير من المجالات مثل حالة أم المزني (إسماعيل بن يحيى المزني، صاحب الشافعي)، وأم عمر بنت أبي الغصن حسان بن زيد الثقفي، وأسماء بنت أسد بن الفرات، وفاطمة بنت الإمام مالك بن أنس، والخيرزان زوجة المهدي العباسي".

وأرجعت أستاذة الفقه سبب عدم وجود وجوه نسائية بين الوجوه البارزة في مجال الفقه والفكر الإسلاميين حالياً إلى تفضيل المؤسسة الأزهرية للرجال على النساء، وعدم تقديم الدعم اللازم لهن. وبرأيها، "لو أتيحت للمرأة الفرصة لأعطت الكثير خاصة في ما يخص قضايا الأسرة وغيرها".

وذكرت نماذج لنساء حققن طفرة في مجالي الفقه والفكر الإسلاميين، هنّ الدكتورة عبلة الكحلاوي والدكتورة سعاد صالح من داخل الأزهر، ومن خارجه عائشة عبد الرحمن المعروفة بـ"بنت الشاطئ"، وهي كاتبة ومفكرة وأستاذة وباحثة و"نموذج للمرأة المسلمة التي حررت نفسها بنفسها بالإسلام، وهي أول امرأة تحاضر بالأزهر، ومن أوليات مَن اشتغلن بالصحافة في مصر، وأول امرأة عربية تنال جائزة الملك فيصل في الآداب والدراسات الإسلامية"، حسبما عرّفتها.

المرأة قادمة... وهذا سبب تأخرها

يوافق الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، على أن بعض النساء فاق الرجال في مجال الفكر الإسلامي والأدبي، كعائشة عبد الرحمن والدكتورة سهير القلماوي.

ويؤكد لرصيف22 أن المرأة المسلمة قادمة لا محالة إلى عضوية المجامع العلمية في الأزهر، ولكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود نساء في دار الإفتاء المصرية يعملن كباحثات، وفي المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية.

ولكنه يعتبر أن سبب تأخر انضمام النساء إلى عضوية هذه المجامع ليس النظرة الذكورية أو التحيّز ضدهن، كما تدعي البعض، "فهذه المواقع تُنال عن طريق الانتخاب بالإضافة إلى الكفاءة، والسبب الحقيقي هو تأخر دخول المرأة في التخصصات الدينية، فالمؤهلون من الرجال كثيرون، لأن محصولهم أكثر من محصولها".

ويضيف: "ليس كل مَن حمل درجة علمية على كفاءة. المسألة تحتاج إلى تأهيل وتخصص أكثر وتجربة"، داعياً النساء إلى إثبات المزيد من القدرة والجدارة من خلال برامج التوعية التي يشاركن فيها.

وتواصل رصيف22 مع عدد من أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر ومنهم الدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور محمود مهني للاستفسار عن عدم حسم مسألة تولي المرأة عضوية المجامع العلمية بالأزهر حتى الآن، إلا أنهما رفضا الحديث، وأكد بعضهم أن سر هذه القضية عند الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وحده، وأنهم غير مفوّض لهم الحديث في مثل هذه الأمور الحساسة.


كلمات مفتاحية
الأزهر حقوق المرأة

التعليقات

المقال التالي