عندما تجدون أغراضكم المسروقة معروضة للبيع في السوق... هنا يباع كل ما هو حرام بالحلال

عندما تجدون أغراضكم المسروقة معروضة للبيع في السوق... هنا يباع كل ما هو حرام بالحلال

على هامش الفقر، يجد المحتالون أرضاً خصبة لخطف الأقوات والأرزاق بأكثر من وسيلة، وعلى نفس الهامش يجد البسطاء أنفسهم مرغمين على قبول تلك الحيل التي تقنعهم بقبول كل ما يمكن رفضه باعتبارات الأخلاق وعادات المجتمع وتقاليده.. والحجة دائماً جاهزة "المضطر يركب الصعب".

في أسواق عدة تنتشر بين أطراف المدن والقرى والنجوع في مصر، قد تلفت انتباهكم بضائع كثيرة، مختلفة، قد تدهشكم ألوانها، أسعارها، مدى توافرها أو نقصها، لكن ماذا ستفعلون إذا وقفتم أمام بائع تقلبون في بضاعته، تختلفون معه حول السعر، ثم تتفقون، ثم يأتي الدور على دفع الثمن وإذا بكم فجأة تعرفون أن تلك البضاعة مسروقة؟

كهدف يتلقى النيران من كل صوب وحدب، ستجدون أنفسكم محاصرين بآراء رجال الدين الذين يرددون على مسامعكم ويشددون على حرمانية شراء تلك البضاعة، بينما تتلقى أمواج من التبريرات بأن ارتفاع الأسعار وضيق ذات اليد غيرت ضمن ما غيرت من مفاهيم، مدى حرمانية الشيء أو حلاله، ليبقى في النهاية الصراع مشتعلاً، ينتظر، تماماً كما ينتظر البائع أن تمد يدك تصافح بالمال يده الممدودة بالبضاعة، أو تغادر إلى غير رجعة بعيداً عنه وعن كل ما هو "حرام".

بالحلال

يقول علماء الدين إنه لا يجوز شراء البضائع المسروقة ولو سُرقت من كفار، ويتوجب على من علم أن ما يشتريه مسروق أن يأمر السارق بالتوبة ورد البضاعة إلى أصحابها، وأن يحاول إعادة البضاعة إلى أصحابها إن تمكن من ذلك، أو يخبرهم بمكان بضاعتهم المسروقة، أو يخبر الجهات المسؤولة عن ذلك.

على أطراف سوق السيدة عائشة، ستجدون "عادل . س"، بائع، واقفاً يدقق نظراته جيداً في الزبائن، لا يهمه من يقلب في بضاعته، أو حتى يسرقها، المهم ألا يسأله أحد عن مصدرها.

في السوق يعرف بعض الباعة زميلهم عادل باسم "عادل الحرامي" فهو كما يقولون يعتمد على الملابس المسروقة من جمعيات وجهات خيرية لبيعها في السوق بأسعار رخيصة.

ينكر عادل هذا الكلام ويقول لرصيف22: "مش حقيقي طبعاً، البضاعة اللي هنا مستعملة بنجيبها من اللف على البيوت ونيجي نبيعها هنا، عشان اللي مش معاه فلوس يقدر يلبس ويعيش حياته، بدل ما يمشي بهدوم مقطعة، وبعدين حتى لو مسروقة، المهم أننا بنوفر احتياجات الناس، وبناكل لقمتنا بالحلال".

جمع عادل كل المفردات والمتناقضات اللغوية بطريقة يعجز سيبويه وأبو الأسود الدؤلي والجاحظ والأصمعي وكل علماء اللغة عن فهمها، وضعها في سلة واحدة لينتقي منها ما يريد وقتما يريد ليبرر ما يريد.

أقوال جاهزة

شارك غرد "عادل.س"، بائع، يدقق نظراته جيداً في الزبائن، لا يهمه من يقلب في بضاعته، أو حتى يسرقها، المهم ألا يسأله أحد عن مصدرها.

شارك غرد"وإحنا نعرف منين إنها مسروقة اللي يبيعها يشيل ذنبها، وإحنا كفاية علينا نشيل ذنب الفلوس اللي ندفعها.. مش كده ولا إيه؟"

أمام عادل يقف الناس غير مشغولين بأي تفاصيل، لا يشغلهم من هو هذا الرجل، ولماذا تباع بضاعته بأسعار رخيصة، لا يهمهم معرفة ما إذا كانوا سيشاركون للتو في جريمة سرقة دون وعي، المهم عندهم كم سيدفعون مقابل الحصول على البضاعة.

يقول "فرج. ع"، موظف سابق بمصنع منسوجات: "أنا باجي أشتري لبس لي ولأولادي من السوق من أكتر من 10 سنوات، زمان كنت بجيب من أحسن المحلات، لكن بما أني طلعت على المعاش وولادي محتاجين الفلوس في حاجات أهم، قررت أن أوفر في فلوس اللبس وبقينا بنشتري من هنا".

ويتابع: "وإحنا نعرف منين إنها مسروقة اللي يبيعها يشيل ذنبها، وإحنا كفاية علينا نشيل ذنب الفلوس اللي ندفعها.. مش كده ولا إيه؟".

وإلى سوق العتبة وسط القاهرة، حيث كل شيء مباح ومتاح، لكن المشهد الأبرز حضور الشرطة في مواجهة الباعة الجائلين، الذين يتفننون كل مرة في الهروب من قبضة الأمن، كونهم يشغلون الأرصفة ويشوهون المظهر الحضاري للشارع وللمنطقة.

هنا آلاف الأصناف، وآلاف الوجوه، هنا الزحام يكتسب صفة طبيعية، ويصبح عادياً بامتياز، هنا البعض يتحسس بين حين وآخر حافظات النقود خشية السرقة، وهنا أيضاً سارق جديد يبيع بضاعته على الملأ، إنه "سعيد. م".

تخصص سعيد في بيع اللمبات الموفرة للطاقة والتي بدأت مؤخراً تحظى برواج كبير بين عموم المصريين كونها لا تستهلك الكثير من الكهرباء.

الباعة هنا مقتنعون بل يقسمون بأغلظ الأيمان أن بضاعة سعيد مسروقة من العمارات والشقق التي تضع مثل تلك اللمبات على أبوابها ليلاً، بينما يقسم لك هو أنها ليست كذلك.

يقول لرصيف 22: "يعنى هي لو مسروقة هاجى أقف أبيعها هنا، طيب إزاي؟ الشرطة بتجري ورانا تقريبا كل يوم ولو أنا حرامي أكيد هكون أول واحد يقبضوا عليه".

ويقول الحج سامى أحد الباعة بالسوق: في فعلا بياعين هنا بيبيعوا بضاعة مسروقة، زي "أبو وائل"  اللي كل الأحذية عنده مسروقة من الجوامع ويبيع الواحدة بـ20 جنيها، وفي أوقات كتير بنشوف ناس بتيجى هنا وتعمل مشاكل لأنها بتلاقي الحاجات اللي انسرقت منها معروضة للبيع في السوق، وقتها في ناس بتدفع تمنها مرة تانية عشان تاخدها، وفي ناس بتلجأ للشرطة عشان تسترد بضاعتها".

ويضيف لرصيف 22: "إذا كان "أبو وائل" بيبيع بضاعته والجزم المسروقة زي ماهي بحالتها، ففي كمان "حسن.ر" وده بقى بياخد الجزمة من دول يلمعها ويوضبها ويخليها على سنجه عشرة ويغلفها فتشوفها كأنها جديدة وتلاقيه في الأخر يبيعها بأقل من تمنها 5 أضعاف على الأقل. وبالمناسبة زباينه كتير وأغلبهم عارف أن بضاعته مسروقة".

بعيدا عن العاصمة

في سوق الأحد بشبرا الخيمة في محافظة القليوبية شمال القاهرة، يحظى "عمرو. ك" بإقبال كبير خاصة وأن بضاعته من حافظات وجربات الموبايل الرخيصة للغاية، وتباع بأقل من سعرها بثلاثة أضعاف.

يقول أحد الزبائن رفض ذكر اسمه إنه يعرف جيداً أن البضاعة مسروقة.

ويضيف لرصيف 22: "الناس اللي بتيجي تشتري منه عارفه إنه حرامي، بس أسعاره رخيصة، وبعدين ما برا الناس في المحلات بتبقى جايبه الجراب من الصين بجنيه وتبيعه بعشرة جنيه، يبقوا حرامية ولا لا؟ طبعا حرامية، وبما أن ده حرامي واللي في المحل حرامي، يبقى أشترى من ده أحسن وأوفر فلوسي".

يتابع: "أنا مرة اتسرق مني تليفوني وأنا بتكلم فيه، واحد كان راكب موتوسيكل شده من إيدي وطلع يجري، ولما يئست من إني أرجعه تاني واحد ابن حلال نصحني، أروح أدور عليه في شارع عبد العزيز "أشهر شارع لبيع الهواتف في مصر"، وبعد لف ودوران في الشارع، لقيت تليفوني معروض في أحد المحلات، ولما قلت لصاحب المحل على مواصفاته وإنه ملكي، كان هيضربني وطلب مني 750 جنيه، عشان أسترده، وطبعا اضطريت أدفع لأن الموبايل كان غالي علي جداً".

لست وحدك

لا تتوقف الظاهرة عند حدود مصر فقط، فهي تمتد لأبعد من ذلك لتشمل دولا أخرى ربما تفاجئ الآن أن بها مثل تلك الأسواق.

ففي سوريا أفرز الفقر "أسواق الحرامية" وهو الاسم الدارج الذي أطلقه السوريون على أحد أسواق دمشق والذي يضم الكثير من البضائع المسروقة من الأحياء التي هجرها أهلها.

يقول "فراس. خ" طالب بالجامعة: "هذه الأسواق انتشرت بدرجة كبيرة في السنوات الثلاث الأخيرة، وأغلب الزبائن يعرفون أن البضائع هنا مسروقة من البيوت لكن ما بيدهم حيلة تجاه الأمر، الحاجة أقوى من التبرير".

ويضيف: "قرأت إحصائية منذ فترة تؤكد أن هناك 30 ألف حالة سرقة للمنازل سجلت في سبع محافظات على مدار الشهور الستة الأخيرة فقط، وفي حلب وحدها بلغ عدد حالات سرقة المنازل 12 ألف منزل وطبعاً بعض الجهات المسلحة تعتمد على سرقة البيوت وبيع المسروقات لجني الأرباح وشراء السلاح، كما أن البعض يجد في بيع المسروقات وسيلة للرزق بدلاً من التهجير أو الهروب إلى البحر الذي ابتلع الكثيرون ومازال مستعدا لتقبل المزيد.

وفي الكويت ستجدون أيضاً "سوق للحرامية" في منطقة جليب الشيوخ، وعنه يقول "ر. خلف" مهندس معماري لرصيف 22: "أغلب الباعة في السوق من العمالة الوافدة من جنوب وجنوب شرق آسيا، وبضاعتهم من الأجهزة الكهربائية والهواتف المحمولة".

ويضيف: "حين تقع المداهمات وتحضر قوات الأمن يفر الباعة تاركين البضاعة، ويعودون لنفس المكان فيما بعد، بعضهم يرى في بيع المسروقات مصدراً لدخل إضافي بحجة أن الدخل الرئيسي لعمله لا يكفي، وهو أيضاً المبرر الذي يُقنع بعض الوافدين ممن لا يجدون عملاً فيضطرون للحضور للسوق لشراء ما يحتاجونه، لحين تحسن الأحوال، فربما وقتها فقط يمكنهم الحديث عن الحرام والحلال.

وإذا كنت من سكان الخرطوم فأنت طبعاً سمعت عن سوق الكلاكلة. هنا الكثير من البضائع والماركات الشهيرة بأسعار منخفضة.

ورغم نفي الكثيرين من باعة السوق بأن البضاعة الموجودة بالسوق مسروقة، إلا أن "خالد . ط" طبيب أسنان يؤكد لنا أن الأمر غير ذلك.

وفي الجزائر وبحسب مواقع إخبارية ينشط بعض باعة السيارات المسروقة في أحياء العاصمة، وقد دلت تحريات الشرطة إلى أن تلك السرقات تتولاها عصابات دولية تهرب السيارات من إسبانيا وتتعاون مع عصابات محلية كبرى.

كيف وصلنا إلى هنا؟

الباحث الاجتماعى حسام زهران علق على تلك الظاهرة وقال لرصيف22 إن غياب الرقابة ساهم فى تنامي تلك الأسواق بعدد من المدن العربية، ورغم أن القليل منها معروف هناك كثيرون يخفون أمر السرقة ويؤكدون للزبائن أنها بضاعة مستعملة، وقد يصدق المشتري أو يوهم نفسه بذلك مبرراً ذلك بالحاجة والفقر وغيرهما من الحجج التي يتمسك بها هؤلاء بعيداً عن القيم وأعراف وتقاليد المجتمع.

واختتم: "لحل تلك الإشكالية فنحن بحاجة إلى مزيد من الإجراءات لضمان السيطرة على الأسواق، ومنع أي بائع من الوقوف بالأسواق ما دام لا يمتلك ترخيصاً، كما يجب أن تتم عمليات البيع والشراء بأوراق رسمية، وقبل كل هذا حث الناس على الإبلاغ عن تلك العمليات، ومراقبة الأسواق بصورة مستمرة، وأن تكون هناك عقوبات رادعة للبائع والمشتري حتى لا تتكرر مثل تلك الحوادث".

كلمات مفتاحية
السرقة السوق

التعليقات

المقال التالي