من أين أنت؟ قبرص وجهة اللبنانيين والإسرائيليين للفرار من الزواج الديني

من أين أنت؟ قبرص وجهة اللبنانيين والإسرائيليين للفرار من الزواج الديني

في لارنكا يأكلون الفلافل، ويعيشون على ضفاف المدينة المطلة على البحر المتوسط، ويخشون أن تندلع حرب جديدة عبر الحدود المعادية الفاصلة، لكن العديد من الإسرائيليين واللبنانيين يتقاسمون هناك شيئًا آخر: الرغبة في التحايل على سلطاتهم الدينية عند الزواج.

هذا ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" في تقريرها عن كيف أصبحت قبرص جسرًا لسد الفجوة بين البلدين المعاديين، انطلاقاً من كونها وجهة دولية للزواج تشهد حوالى 7 آلاف زواج سنويًا، تحقق نحو 1.1 مليون دولار.

وتقول الصحيفة إنه في لبنان وإسرائيل لا يمكن لأحد إتمام الزيجات سوى الزعماء الدينيين، لذلك يسعى العشاق الراغبون في إبقاء الحاخامات والشيوخ والكهنة والقساوسة بعيدًا عن حياتهم العاطفية أن يتزوجوا في أماكن أخرى، مثل قبرص.

"هنا مدينة محايدة"

أصبحت لارنكا الشاطئية المُشمسة على الساحل الجنوبي لقبرص بمثابة واحة لهؤلاء الفارين من الأجواء العدائية، حيث توفر السلطات البلدية الزواج المدني السريع لأي شخص قادم بأوراقه المناسبة ويدفع الرسوم.

وبما أن معظم أولئك الذين يستفيدون من صناعة الزواج المدني المحلية هم من إسرائيل ولبنان، فإن مكتب الزواج - بطريقة متقطعة وعرضية - يربط ما بين أناس قادمين من إحدى بقاع الانقسامات العميقة في الشرق الأوسط.

في أي يوم من الأيام، يقف المحبون من لبنان وإسرائيل جنباً إلى جنب، ويتبادلون التهانىء لاحقاً، ويجتمعون أحياناً دون قصد في المقهى البلدي أثناء انتظار مواعيد الزواج.

أقوال جاهزة

شارك غرديقف الراغبون في الزواج من لبنان وإسرائيل جنباً إلى جنب، ويتبادلون التهانىء لاحقاً، ويجتمعون أحياناً دون قصد في المقهى البلدي أثناء انتظار مواعيد الزواج

شارك غرديدرك المسؤولون في لارنكا التوتر بين إسرائيل ولبنان، نتيجة حروب عديدة على مدى العقود الماضية، لكنهم يقولون إن ذلك لم يسبب مشكلات في مكاتب الزواج

"من أين أنت؟" سألت عروس لبنانية عروساً أخرى إلى طاولة مجاورة كانت تنتظر حفل زفافها أيضًا في صباح أحد الأيام.

"إسرائيل"، هكذا رد رجل كان في رفقة العروس الثانية. اتسعت عينا الفتاة اللبنانية وعلقت أنها من لبنان.

فقال الرجل الإسرائيلي باللغة العربية: "أهلاً وسهلاً.. مرحبًا".

"هل تتزوج اليوم؟" سألت العروس الإسرائيلية، فأومأت اللبنانية برأسها. فعلقت الأولى: "مبروك، حظ سعيد".

وقالت "نيويورك تايمز" إنه في وقت لاحق طلب الزوجان اللبنانيان عدم نشر اسميهما خوفا من المتاعب القانونية في بلادهما، خشية اعتبار حديثهما مع الإسرائيليين "جريمة".

وقالت العروس اللبنانية: "إن الإعلام المحيط بنا، يقول إنه يجب علي عدم التواجد في المكان نفسه، وأنهم أعداء العدو... لكنهم أناس أيضًا".

ويدرك المسؤولون في لارنكا التوتر بين إسرائيل ولبنان، نتيجة لحروب عديدة على مدى العقود الماضية، لكنهم يقولون إن ذلك لم يسبب مشكلات في مكاتب الزواج.

"هنا مدينة محايدة"، قالها جورجيوس لاكوتريبيس، عضو في المجلس البلدي في لارنكا، وهو أيضًا عاقد زواج متطوع. وتساءل: "هل الطقس هو السبب في ذلك؟ هل الشمس؟ ربما، لكنه يجعل الجميع سعداء".

هروب من الزواج الديني

قالت "نيويورك تايمز" إن رجال الدين في مختلف الطوائف الدينية في لبنان يتحكمون في مسارات الزواج، دون ترك أي خيار أمام اللبنانين للزواج من آخرين قد ينتمون إلى أديان أو طوائف أخرى.

وهو ما اعتبرته سببًا لاختيار بعض اللبنانين لقبرص مكانًا لإتمام الزواج بعيدًا عن الدين. وأشارت في الوقت ذاته إلى أن آخرين يفضلون البلد لأنها أسهل وأرخص من الزواج في وطنهم، بسبب الطقوس المرتبطة بالزواج وتكلفتها المرتفعة والضغوط الاجتماعية والدينية.

وتطرقت الصحيفة إلى قصة زواج داني نعيم وسابين كامل، وهما مسيحيان مارونيان، وبالتالي كانا يمكن أن يتزوجا في لبنان، لكنهما قررا الحصول على مساعدة في قبرص سيكون أسهل.

"إنه نوع بسيط من الزواج"، قالتها كامل.

واعتبرت الصحيفة أن وجود أزواج من بلدين معاديين في مكتب زواج واحد يعتبر أمرًا لافتًا.

وخلال حفل زفاف لبناني، انتظرت مجموعة إسرائيلية في الجزء الخلفي من القاعة، التي صفّقت عندما أُعلن إتمام الزواج، وتبادلوا التهانىء عندما غادروا.

"المهم بالنسبة لي أن ألتقي بجيراني وأن أتعرف عليهم، لأنني أشعر أنني جزء من المنطقة ولا أريد أن أكون غريبًا"، قالها العريس الإسرائيلي أفنير دفير بعد حفل زواجه.

في حين قال عريس لبناني اسمه كريم مقدسي: "نحن قريبون جداً ونأمل في السلام".

وذكرت "نيويورك تايمز" أن معظم الإسرائيليين الذين يتزوجون في قبرص يفعلون ذلك لتجنب المؤسسة الدينية اليهودية والأرثوذكسية في البلاد، إما لأنهم لا يريدون مراسم دينية أو لأنهم يتبعون ديانات مختلفة ولا يريدون أن يقوم أي من الشريكين بالتحول إلى ديانته.

مارسيا تيريزا باكوس جارسيا، وهي عروس من الفلبين كانت تتزوج من اليهودي الإسرائيلي، قالت: "بما أنه يهودي وأنا كاثوليكية، لا يمكننا أن نتزوج في إسرائيل".

قواعد وطقوس خالية من الدين

في أحد مكاتب الزواج بقبرص، تتولى امرأتان استقبال رسائل البريد الإلكتروني من المهتمين بالزواج، وتقومان بفحص أوراقهم وتحديد مواعيد الحفلات. ومكتبهما وحده تعامل مع 1110 حالة زواج في 2017.

ويجب على الراغبين في الزواج تقديم شهادات الميلاد وإثبات أنهم غير متزوجين من أي شخص آخر ودفع 281.90 يورو.

ولا يجري هذا المكتب زيجات بين أولاد عم أو قاصرين ممن هم دون السن القانونية، مثلما لا يتمم زيجات من نفس الجنس، على الرغم من وجود مكتب آخر في الجوار يقوم بذلك.

ويروي ميكالاكيس مالاس، عاقد زواج، قصة قصيرة من التاريخ القبرصي ويطلب من الزوجين الوقوف متقابلين.

في طقوس تستغرق 6 دقائق فقط، وبدون ذكر الله أو الدين، قال مالاس لهم أن يحبوا ويدعموا بعضهم بعضًا، وأن يربوا أولاداً جيدين وألا يتزوجوا من أي شخص آخر لئلا يكونوا مذنبين بتعدد الزوجات. فيردد وراءه العريس والعروس: "أنا أفعل"، ثم يقبل أحدهما الآخر، ويوقعان عقدهما.

وقال الرجل إن اللبنانيين يحبون الحفلات الصاخبة، في حين يفضل الروس الأجواء الكلاسيكية.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي