سلطة وثقة بالنفس وإغراء... مَن بإمكانه ترويض امرأة ترتدي نقشة النمر؟

سلطة وثقة بالنفس وإغراء... مَن بإمكانه ترويض امرأة ترتدي نقشة النمر؟

انطلاقاً من صورةٍ أيقونيةٍ تعود إلى الخمسينات، تظهر فيها المغنية والممثلة "إيرثا كيت"، وهي ترتدي طبعة جلد النمر من رأسها حتى أخمص قدميها، قررت الكاتبة "جو ويلدون" البحث عن قصة وتاريخ طبعة النمر، وقد تمكنت في نهاية المطاف من جمع ما توصلت إليه من معلومات في كتابٍ يحمل عنوان: Fierce: The History of Leopard Print تتحدث فيه عن جذور وتطور وتبدل رمزية نقشة النمر التي تعدّ من بين أكثر أنماط الموضة انتشاراً.

فما علاقة النمور بالموضة؟

نقشة الفهد على مر التاريخ

لا شك أن النمر يرمز إلى التمرد والقوة والسيطرة، وتاريخياً لعبت "النمور" دوراً بارزاً في عالم الموضة، أما البحث عن أصول هذه الموضة فيتطلب الغوص في التاريخ القديم وفي العصر الحجري، خاصة بعد إدراج النمور بشكلٍ متكررٍ في الأيقونات الأسطورية والدينية والروحية.

يجسد تمثال من الطين يعود لحوالى 6000 عام قبل الميلاد، شخصية نسائية تستريح على مقعد وإلى جانبها رأس النمر، هذا التمثال الذي أطلق عليه اِسم "Seated Woman of Çatalhöyük"، موجود حالياً في متحف في أنقرة وينسبه البعض إلى فكرة دخول آلهة الأم في عملية الولادة وهي جالسة على عرشها.

كما كان يتم في الغالب تصوير "سيشت"، آلهة الحكمة، وهي ترتدي ثوباً مرقطاً بنقشة النمر، أما الإلهة "تشي وانغمو"، المعروفة في الأساطير الصينية باسم الملكة الأم للغرب، فيقال أنه كان لديها أسنان نمر وذيل فهد، واللافت كان هناك أرضية مشتركة بين القبائل القديمة وحيوان النمر، خاصة مع محاربي الزولو الذين كان يزينون أجسادهم بجلد النمر.

أقوال جاهزة

شارك غردكانت تعتبر موضة النمر مبتذلة وفيها مسحة استفزازية، خاصة أنها كانت تُصنف في خانة الملابس الرخيصة، لأنه في ثقافة البوب تم اعتبار النساء اللواتي يرتدين ملابس تحمل نقشة النمر على أنهن "سخيفات" ومبتذلات.

شارك غردهذه الموضة مرتبطة بالجاذبية الجنسية والأنوثة، والأمر يعود إلى الفرضية التالية:"من الصعب تدجين النمور، كما أنه بشكل عام هناك رابط بين القطط والجنس".

ومع الوقت حرص القادة الأفارقة على ارتداء جلود الحيوانات، وخاصة النمر، لاعتقادهم بأن جلد الحيوان من شأنه أن يكسبهم قوة ونفوذاً، ولعلّ هذا هو السبب نفسه الذي دفع قوات "نابليون" إلى قص الخوذات وتغطيتها في جلد النمر.

إلا أن نقشة النمر لم تدخل بشكلٍ فعلي عالم الموضة حتى العام 1947، حين قدمت مجموعة كريستيان ديور ثوباً من الحرير مرقطاً بنقشة النمر ومستوحى من "ميتزا بيكارد"، المرأة الأنيقة التي لعبت دوراً رئيسياً في كتابة تاريخ دار الأزياء الفرنسية العريقة.

وعليه، يمكن القول إن نقشة النمر تعد الأقوى في عالم الموضة، خاصة بعدما ارتداها الأغنياء، ومشاهير موسيقى البوب، والنجمات اللواتي يروجن لأزياء الشارع، وبالرغم من هذا التناقض في العوالم، فإن نقشة النمر أثارت الإعجاب، انطلاقاً من فكرة أن الإنسان يعّبر عن نفسه من خلال الطبيعة والتشبه بالنمر يعني التمثل بقدرته على التكيّف والسيطرة، إضافة إلى لمسة الأنوثة التي تضيفها هذه النقشة على المرأة التي ترتديها.

فقد جاء في كتاب The Little Dictionary of Fashion لكريستيان ديو الصادر في العام 1954:" لارتداء نقشة النمر يجب أن تكون لديك نوع من الأنوثة المتطورة قليلاً، إذا كنت عادلة وجميلة فلا تلبسيها".

ابتذال ورقي

رغم أن موضة نقشة النمر تعود لحقبةٍ زمنيةٍ قديمةٍ، فإن هذا الاتجاه لا يموت بل يشهد تحولات عديدة في دلالاته.

خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت الملابس التي عليها طبعة نقشة النمر تعكس المكانة الإجتماعية، وتشير بشكل واضح إلى الثراء، ومع الدخول في القرن العشرين والفورة التي شهدتها عملية إنتاج الأقمشة والملابس بكمياتٍ كبيرةٍ، اكتسبت طبعة النمر أهمية جديدة.

يوضح موقع "سي أن أن" أن "سمعة" نقشة النمر شهدت العديد من التقلبات، ففي البداية كانت تعتبر موضة مبتذلة وفيها مسحة استفزازية، خاصة أنها كانت تُصنف في خانة الملابس الرخيصة، لأنه في ثقافة البوب، سواء كان ذلك في الأفلام أو في الموسيقى، تم اعتبار النساء اللواتي يرتدين ملابس تحمل نقشة النمر على أنهن "سخيفات" ومبتذلات.

وبالرغم من هذه الصورة النمطية السلبية التي كانت تلاحق نقشة النمر، فإن العديد من دور الأزياء الراقية روجت لهذه الموضة، وساهمت أسماء لامعة مثل جوزفين بايكر، إليزابيث تايلور، جاكي كينيدي... في انتشارها وتوسيع رقعتها، وفي الفترة الماضية، روّجت المغنية العالمية "بيونسيه" بشكل علني لنقشة النمر، تماماً كما فعلت ميشيل أوباما... وهكذا موسماً تلو موسم، باتت مجلات الموضة تشيد بـ"عودة النمر" إلى منصات عرض الأزياء من توقيع أسماء عالمية: أرماني، كافالي، جيفانشي...

قوة وإثارة جنسية

سواء جاءت على شكل أحذية، حقائب، فساتين، لا يمكن تجاهل رمزية نقشة النمر وهذا ما يجعلها بارزة في الثقافة السائدة حالياً.

"لديّ طبعة نمر وأنا لا أخاف من ارتدائها..." هذه هي الرسالة التي يود أصحاب نقشات النمر إيصالها للجميع، فلعدة قرون، تم استخدام نقشات الفهد والنمر للدلالة على السلطة، والثقة بالنفس وحتى الإغراء (خاصة مع ملكة الغابة "شينا" في الخمسينات).

ففي الثقافة الغربية، لطالما عكست نقشة النمر المكانة الاجتماعية والوضع الجنسي، على حدّ قول موقع "Mentalfloss".

إلى ذلك، ينظر الناس إلى النمور على أنها حيوانات شرسة وقوية ويشعرون بوجود قواسم مشتركة بينهم وبينها، وفق ما توضحه "جو ويلدون": "أعتقد أن الناس يشعرون بوجود رابط بينهم وبين هذا النوع من الحيوانات"، خاصة أن اصطيادها هو مدعاة للفخر لدى الكثيرين، ف"تيدي روزفيلت"، مثلاً كان يتباهى بقتل العديد من النمور وكان يستعرضها "كجوائز" قيّمة في مكتبه للدلالة على مهارته في رحلات الصيد.

من ناحية أخرى، أشارت "ويلدون" إلى أن نقشة النمور تأثرت بالعديد من الاتجاهات كونها عرضة للتفسيرات المختلفة، إذ يمكن أن ينظر إلى هذه النقشة على أنها "محايدة" وبحاجة إلى ألوان جريئة لكي تتماشى معها، كما قد ينظر إلى نقشة النمور على أنها تسطع من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى أي إضافات.

via GIPHY

وبغض النظر عن تطور مفهوم نقشة النمور وتأرجحها بين الابتذال والرقي، فإن "ويلدون" تؤكد أن هذه الموضة مرتبطة بالجاذبية الجنسية والأنوثة، والأمر يعود وفق رأيها إلى الفرضية التالية:"من الصعب تدجين النمور، كما أنه بشكل عام هناك رابط بين القطط والجنس".

تعتبر "ويلدون" أن إعجابنا بنقشة النمر يعود بشكلٍ أساسي إلى علاقتنا بالحيوان نفسه: "إننا ننجذب إليه ونخاف منه ونجد أنه ليس بوسعنا مقاومته رغم علمنا بأنه خطير"، الأمر الذي قد يدل على طباع المرأة التي ترتدي ثياباً تحمل نقشة النمر: "في الوقت الذي يتم فيه تأكيد ما تعنيه المرأة القوية، فإن نقشة النمر تأتي لتقول:"أريد أن تتم رؤيتي".

وتشير "ويلدون" إلى أن القطط الكبيرة تشكل بحد ذاتها مصدر إلهام لبعض الأشخاص الذين يعبرون عن احترامهم الشديد لما يمثله النمر ويأملون في ترجمة هذه القيم على خير ما يرام، مضيفةً أن المرأة التي ترتدي نقشة النمر لا تقصد بالضرورة القول إنها مفترسة، ولكنها تحرص على أن تؤكد للجميع أنها ليست فريسة.

كلمات مفتاحية
الموضة نقشة النمر

التعليقات

المقال التالي