ما الذي يتطلبه الأمر للتصدي للسلطة؟

ما الذي يتطلبه الأمر للتصدي للسلطة؟

من منا لا يطمح إلى أن ينجح في اتخاذ الخيار الأنسب في المواقف الصعبة، كمواجهة رجال السلطة أو مساندة شخصٍ ما يتعرض للمضايقة أو التجرؤ على قول "لا" إذا كان طلب الآخرين غير مقنعٍ لنا؟

من الجيّد الاعتقاد بأن لدينا بوصلة أخلاقية فطرية توجه تصرفاتنا حتى في ظل قيام البعض بممارسة الضغوط من باب السلطة والمكانة الاجتماعية، ولكن ما الذي يدفعنا إلى اتخاذ مواقف لا تتماشى مع قناعاتنا دون التمكن من الوقوف في وجه صاحب السلطة ومواجهته؟

تدريب النفس

في مقال على موقع "بي بي سي" تم التطرق إلى الأسباب التي تدفع الإنسان إلى العجز عن الوقوف بوجه صاحب السلطة، ولعلّ السبب الأساسي مرتبط بالدماغ.

من أجل إلقاء نظرة ثاقبة على كيفية تعامل الدماغ مع المواقف الصعبة، أظهرت الأبحاث أن بالإمكان تدريب أنفسنا لكي نصبح أقوى من الناحية الفكرية واستخدام أسلحتنا "العقلية" عند الحاجة.

فكيف تمّ التوصل إلى هذه النتيجة؟

خلال التجارب التي أجرتها "إميلي كاسبار"، عالمة الأعصاب في المعهد الهولندي للعلوم العصبية، تم إخضاع المتطوعين لصدماتٍ كهربائيةٍ بطريقةٍ أخلاقيةٍ وعلميةٍ.

أقوال جاهزة

شارك غردالتعليم هو من أفضل الطرق لتحسين قدرتنا على الشك والمساءلة، بمعنى آخر التفكير والنقد بطريقةٍ بناءة في الأشياء التي قد يطلب منا القيام بها.

شارك غرد"هدفي جعل الناس قادرين على المقاومة... في الجيش، يتعين على الجنود الانصياع للأوامر، ولكن لديهم الحق أيضاً لرفضها في حال كانت غير قانونية وغير أخلاقية"

في البداية، طلب من المشتركين ممارسة تلك الصدمات على غيرهم مقابل مبلغٍ صغيرٍ من المال، وعندما أٌعطي للمشتركين 60 فرصة لصدم شريكهم، كان اللافت أنه لحوالي نصف الوقت امتنع هؤلاء عن القيام بذلك. وإختار حوالى 5-10% من الأشخاص عدم صدم الشريك في جميع الفرص المعطاة لهم.

وفي وقتٍ لاحقٍ تدخلت "كاسبار" وأعطت أوامرها المباشرة للمشتركين بتنفيذ الصدمة، وكان اللافت أن حتى المشترك الذي امتنع في السابق عن صدم الطرف الآخر، انصاع هذه المرة لأوامرها وبدأ بالضغط على الزر.

أما الشق المثير للجدل، فإنه في الوقت الذي أعطت "كاسبار" أوامرها، أظهرت عمليات المسح الكهربائي (EEG) أن هناك تغيّراً في نشاط الدماغ لدى المشتركين، إذ كشف البحث أن الدماغ أصبح أقل قدرةً على معالجة وإستيعاب ردود أفعال أولئك الذين تلقوا الصدمات الكهربائية، وبالتالي لوحظ أنه بالنسبة إلى الغالبية العظمى من المتطوعين فإن شعورهم بالمسؤولية بدأ يتلاشى.

وتعليقاً على هذا الاختبار، قالت "كاسبار":"أجريت الاختبار على أكثر من 450 مشتركاً، و3 أشخاص فقط رفضوا الانصياع للأوامر".

فما الذي يميّز هؤلاء الأشخاص عن البقية؟

لعلّ الأبحاث التي أجريت على المرضى المصابين بضرر الدماغ قد تكون مفيدة للإجابة عن هذا السؤال، إذ تبيّن أنه عندما يكون لدى الناس خلل معيّن في الطبقة الخارجية للجزء الأمامي من الدماغ، يبدو هؤلاء الأفراد أكثر عرضةً لتنفيذ الأوامر من غيرهم.

August-Landmesser,-refuses-to-give-the-Nazi-salute.

من هنا يوضح "إريك أسب"، الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة هاملاين في الولايات المتحدة الأميركية: "هؤلاء الأشخاص يستمعون إلى جهات السلطة وهم أقل قدرةً على الشك بها"، مما يعني إذا طلب منهم أحد ما، وهو في موقع السلطة، إلحاق الأذى بشخصٍ آخر، فمن المرجح أن ينفذوا طلبه من دون تفكير أو اعتراض.

التحايل على الدماغ

ماذا عن الجزء من الدماغ الذي يساعدنا على الوقوف في وجه السلطة؟

يوضح موقع "بي بي سي" أن هذا السؤال يدخل في موضوعات فلسفية، مثل الطبيعة، الأساس العصبي والمعتقدات، فبالرغم من عدم وجود إجماع علمي واضح فإن نموذج "سبينوزان" يلعب دوراً هاماً في هذا الخصوص، إذ يعتبر أنه من أجل فهم فكرة جديدة أو حقيقة معيّنة، يتعين على دماغنا أن يصدقها تماماً: "الفهم هو الاعتقاد" على حدّ تأكيد "أسب"، الذي يشير إلى أنه بعد مرور ثانية واحدة، يمكن الدخول في مرحلة الشك أو رفض هذه المعلومة الجديدة:" يمكنكم استخدام عملية نفسية عصبية منفصلة لعدم تصديق ذلك التمثيل العقلي"، أي بمعنى آخر "العودة  إلى الشك".

واللافت أنه بالنسبة إلى المصابين بخلل في القشرة الأمامية من الدماغ، فإن الجزء الثاني من العملية ضعيف، لذلك عوضاً عن التفكير ملياً فيما يقوله صاحب السلطة، فإن هؤلاء ينصاعون لما يطلبه منهم.

via GIPHY

ويوضح "اسب" أنه في حال سلمنا جدلاً أن القشرة الأمامية هي الجزء المرتبط بقدرتنا على الشك ومجابهة السلطة، فقد يكون هناك طريقة يستخدمها الأشخاص الأصحاء لتعزيز قدرتهم على القيام بذلك، خاصةً أن هذا الجزء من الدماغ يمتاز ببعض الليونة: "أعتقد أنه قابل للتعديل"، وفق قول "أسب"، الذي أكد أن التعليم هو من أفضل الطرق لتحسين قدرتنا على الشك والمساءلة، بمعنى آخر التفكير والنقد بطريقةٍ بناءة في الأشياء التي قد يطلب منا القيام بها.

المعتقدات والقيم الأخلاقية

في سياق آخر، بيّن موقع "بي بي سي" أن هناك عاملاً آخر يؤثر على الطريقة التي نتصرف بها.

فعندما يطلب منا شخص في موقع السلطة القيام بشيءٍ ما، فإننا في العادة نلبي رغباته لكوننا نؤمن بالسبب الكامن وراء مطلبه، هذا ما أكدته "ميغان بيرني"، الأخصائية في علم النفس.

في إحدى التجارب التي تهدف إلى الإطلاع على موقف الأشخاص الذين خرجوا من أزمة لناحية القيام بشيء يتعلق بالقيم الأخلاقية، طلبت "بيرني" من بعض المشتركين إرفاق مصطلحات سلبية على صور بعض الأشخاص والمجموعات، بدءاً من مجموعات يَسهُل كرهها مثل النازيين، مروراً بمجموعات أكثر حيادية وصولاً إلى صور عائلات وأطفال صغار.

وقد تبيّن أن نسب مصطلحات سلبية للمجموعات غير المؤذية من الناس جعل معظم المشتركين يشعرون بعدم الارتياح، وقد انسحب العديد من هذه التجربة، معتذرين عن قرارهم ومعربين عن شعورهم بالذنب لعدم إكمال التجربة:" عندما تجد نفسك في موقفٍ متضاربٍ، تسمع أصواتاً من كل حدبٍ وصوبٍ، واحد يقول لك نعم والآخر لا، وتسير بما يمليه الصوت الذي يحدد هويتك أكثر، ظناً منك أنه الصواب".

واللافت أن الوضع يصبح أكثر خطورة حين يتمسك الناس بقضيةٍ معيّنةٍ ويتبعونها من دون تفكير، معتقدين أنها من الناحية المنطقية، سوف تظهر لهم نقطة تحول تجعلهم يدركون في نهاية المطاف أن ما يفعلونه هو أمر خطير، لكن في حال كان هؤلاء يؤمنون بقوة بأنهم يفعلون شيئاً مهماً، انطلاقاً من المثل القائل: الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي تصبح نقطة التحول مظلمة أو حتى غير مرئية.

من ناحية أخرى، فإن القدرة على الوقوف في وجه السلطة لا يتوقف على الشجاعة أو الثقة أو العناد، بل على مقدار استثمارنا وانخراطنا في قضيةٍ معيّنةٍ، الأمر الذي يجعلنا قادرين على رسم خط في الرمال.

ويشير الموقع إلى أن مسألة إيجاد طريقةٍ معيّنةٍ لتدريب أنفسنا على مواجهة السلطة هو أمر صعب، خاصة أنه حتى الآن لا وجود لبرنامج تدريب محدد قائم على أدلة يمكن أن يساعدنا لنكون أفضل في المواقف الصعبة، وتقول كاسبار: "هدفي جعل الناس قادرين على المقاومة... في الجيش، يتعين على الجنود الانصياع للأوامر، ولكن لديهم الحق أيضاً لرفضها في حال كانت غير قانونية وغير أخلاقية"، مشيرةً إلى أن المسألة تتعلق أكثر بكيفية جعل الأشخاص يفكرون أكثر في مسؤولياتهم.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي