في الحب... هل نستطيع أن نرحل دون ألم؟

في الحب... هل نستطيع أن نرحل دون ألم؟

حان وقت الرحيل. لم تعد العلاقة بينكما مصدر سعادة وراحة بل تحوّلت حملاً ثقيلاً عليكما. غلب اختلافكما الحب فقرّر أحدكما ترك الآخر أو ربما كان الانفصال قراراً مشتركاً.لا فرق. فالشعور بالألم واحد. خسارة تشعرون بها وإن كان حبّكم قد انتهى قبل انتهاء العلاقة، وإن كنتم ترغبون ضمنيّاً في الانفصال أكثر من الشريك، وإن كنتم فقدتم أي رغبة في الاستثمار في تلك العلاقة. أو على العكس.

ربما ما زال الحب قويّاً لكن ظروف العلاقة لم تعد في صالحكما. يبقى ذلك الشعور الموجع: ألم الخسارة. هل سألتم أنفسكم من أي خسارة تشكون؟ العلاقة، أو حب الشريك أم أنفسكم؟ لماذا نشعر أن انتهاء العلاقة ينهينا، وأن الحياة انتهت هنا والآن؟

هل نريد علاقة فعليّة أو وهم العلاقة يكفينا لنشعر بالأمان؟

في الانفصال جلّاد وضحية

يميل معظم الأشخاص إلى تحويل فعل الانفصال إلى مسلسل درامي لا ينتهي يكونون هم أبطاله ويلعبون فيه دور الضحية. ضحية الشريك الذي أضاع وقتهم أو خيّب آمالهم أو تسبب لهم بألم كبير. ألم الفراق يجتاحهم بقوّة فيشعرون أن وجودهم تزعزع وفقدوا الأمان والحب ومعهما الفرح والاستقرار. من النادر أن تسمع شخصاً انفصل حديثاً عن شريكه يتحدّث عنه بطريقة حسنة. الشائع أن يتقمّص أحدهما أو الإثنان معاً دور الضحيّة ليبرّرا سبب انفصالهما ومعه شعورهما بألم الخسارة.

via GIPHY

لكن المنطق يقول أن لا علاقة تنتهي إلا إذا كان أحد الشريكين أو الإثنان معاً يواجهان مشاكل أو مشاعر سلبيّة تجعلهما غير قادرين على الاستمرار. وفقدان الراحة تلك يؤثر حتماً على الطرف الآخر وعلى العلاقة نفسها فلا يعود الطرفان مرتاحين فيها، لذلك يكون الانفصال هو الحلّ الأفضل. ورغم ذلك نجد أسباباً نتحسّر عليها ونلوم الآخر على ما آلت إليه الأمور.

أقوال جاهزة

شارك غردالشائع أن يتقمّص أحد الثنائي أو الإثنان معاً دور الضحيّة ليبرّرا سبب انفصالهما ومعه شعورهما بألم الخسارة.

شارك غردالخسارة التي تؤلمكم ليست خسارة شخص بل خسارة ذاتكم من دونه. وألم الشعور أنكم غير محبوبين أو غير مرغوبين إذا قرر هو الانفصال عنكم.

"أحزن على الوقت الذي أضعته معه" تقول فاتن التي انفصلت عن حبيبها بعد 4 سنوات من علاقة تصفها بالعاصفة. تقول إنها بذلت نفسها في تلك العلاقة بالكامل وتغيّرت كثيراً لتعجب شريكها.

الأمر الذي كان يرهقها لكنها على الرغم من ذلك بقيت وانفصل عنها هو لأنه بدأ يشعر بالضجر. تعتبر فاتن أنها ارتاحت من حمل العلاقة لكنها في الوقت ذاته تشعر بالضياع خارج علاقتها السابقة. تلومه لأنه أرغمها على الكثير من الأمور وتشعر أنها كانت ضحيّته.

يعتبر المحلّل النفسي روبيرت فايرستون أن هذا الشعور بالخسارة والألم الكبير سببه " الرابط الوهمي " مع الشريك. رابط غير حقيقي بناه الشخص من حاجته إلى أمان فقده هو، فراح يفتش عنه في علاقته بالشريك بعدما ألبسها ثوب الأمان ليشعر بالانتماء والراحة داخلها.

فسرعان ما ذاب فيها وفي الشريك حتى أصبح لا يرى حياة خارج العلاقة تلك، وتهدّمت في باله كل الاحتمالات بإمكانية الانفصال. لذلك أتى الانفصال ليكسر ذلك الرابط الوهمي ويكسر معه الشعور بالأمان ليعيد الشخص إلى ذاته الهشّة التي من دون وجود شريك – حتى ولو كان وجوده سلبياً – تتزعزع وتشعر بأنها تغرق.

الخسارة التي تؤلمكم ليست خسارة شخص بل خسارة ذاتكم من دونه. والذي قد يؤلمكم أيضاً هو الشعور أنكم غير محبوبين أو غير مرغوبين إذا قرر هو الانفصال عنكم.

via GIPHY

بماذا يشعرنا الانفصال في علاقة أساسها الوهم؟

عندما ينقطع الرابط الوهمي مع الشريك وحين لا تكون العلاقة مبنية على الصدق والتعامل العادل، تصحو فينا أصوات داخلية تهاجم الشريك وتحمّله وحده مسؤولية فشل العلاقة. عندما نستسلم لتلك الأصوات يغلب علينا الشعور بالذل والإهانة ممّا يمنعنا من الشعور بالحزن على انتهاء العلاقة.

وتصحو أيضاً أصوات تلومنا نحن على عدم إمكانيّتنا الاستمرار والشعور بالسعادة خارج العلاقة فتراودنا أسئلة مثل: " هل يأتي أحد يحبني من جديد؟ هل أحب شخصاً غيره؟ هل يرتبط بغيري؟ ماذا لو أصبحت وحيدة؟ ".

تساؤلات تسرقنا من واقعنا إلى مكان آخر، حيث دوامة الملامة والذنب التي لا تنتهي.

يصوّر فيلم When Harry meets Sally هذا الواقع. في اتصال بين سالي وصديقها هاري، تبكي سالي وهي تخبر هاري أن رجلاً أحبّته كثيراً وكانت معه في علاقة منذ فترة على وشك الزواج بشخص آخر. سالي حينذاك لم ترد الزواج منه وشعرت بالراحة بعد الانفصال.

سالي (وهي تبكي) : "كنت أظن كل ذلك الوقت أنه لا يريد الزواج، لكني فهمت الآن أنه لا يريد الزواج بي. لم يحبني"

هاري : إن أراد الرجوع إليك، هل تقبلين ؟

سالي : بالطبع لا. لكن لماذا لم يتزوجني؟ ماذا ينقصني؟

هذا الحوار يثبت أننا في معظم الأحيان نتعلّق بأفكار وهميّة نحمي أنفسنا بها فنعيش قبل الانفصال وبعده دور الضحية الجاهزة لكل شيء في سبيل الحفاظ على الشريك لأن فقدانه يفقدنا ذاتنا.

في تخلّينا عن ذلك الرابط الوهمي، سوف نحمي قلبنا من الشعور بالحسرة والتشتت، وسوف نسمح للحزن الطبيعي الحقيقي أن يسكننا فيرينا حقيقة ما حصل بعيداً عن قناعَيْ الجلاد والضحية. سوف نشعر بخسارة الشريك لا بخسارة ذواتنا وبعدها سوف نفتح لأنفسنا مجالاً لمعرفة ماذا نريد حقاً، ماذا يناسبنا... لماذا قبلنا أن نذوب من أجل علاقة، وما الذي خسرناه وقت الانفصال.

أسئلة تعيدنا إلى حاجاتنا الحقيقية وتفتح الباب لعلاقة جديدة تكون أسسها مبنيّة على الواقع الصادق والتفاهم المشترك لا على الوهم الذي لا يخسرنا إلّا ذاتنا. فالعلاقة المبنيّة على حب صادق عادل غير مدمّر تبقى فرصها في الاستمرار أكبر بكثير من تلك المبنيّة على الوهم.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي