أساطير خيالية وتجارب علمية وحشية وجلسات تشريح نازية أحاطت بالتوائم منذ القدم

أساطير خيالية وتجارب علمية وحشية وجلسات تشريح نازية أحاطت بالتوائم منذ القدم

تشابه التوائم في الشكل وترابطهم أو اختلافهم سلوكياً، اعتبر ظاهرة غريبة وغير مفهومة منذ القدم. فالأسرار التي تخيم على ولادة طفلين في آن واحد، علاقة أحدهما بالآخر، تشابههما، تطابقهما جينياً، تنافرهما أو اختلافهما، وغيرها من الاستفسارات التي شغلت العلماء والفلاسفة وحتى الناس البسطاء على مر العصور، أسست لمجموعة من الأساطير والخرافات اختزنتها الذاكرة الشعبية للكثير من بلدان العالم. بعضها مجّد العلاقة بين التوائم ورأى فيهما رمزاً للتعاون والإخلاص والكمال، والبعض الآخر وسمهما بالغرابة والتنافس والاستقلال.

أساطير قديمة

وعلى اختلاف مكونات الأسطورة وفقاً لموروثات الشعوب المختلفة، اختلفت مكانة التوائم، فهم عنصر من عناصر الكمال الطبيعي، كتكامل الذكر والأنثى والليل والنهار والشمس والقمر في الأساطير التي يتناولها شعب الزينغو في البرازيل والتي تروي قصة الأخوين التوأم "كاووت" و"لي" اللذين اتسما بالشجاعة والنبل وواجها ملك الأوروبوستين، وبشجاعتهما أجبراه على منح الضوء للعالم المظلم، ومنذ ذلك الحين، أصبح "كوات" مسؤولاً عن الضوء و"لي" عن القمر.

وبتعاونهما راحا يتناوبان في تتالي الشمس والقمر باستثناء فترة وجيزة من كل شهر ينام فيها التوأمان ويعم الظلام.

وعلى خلاف الأسطورة السابقة، تصور الأساطير الميلانيزيانية التوائم على أنهما مختلفان كلياً، أحدهما يتسم بالذكاء والحكمة الفائقة التي تؤهله لحل المشاكل ونشر الخير على الأرض، في حين أن شقه التوأم يتسم بالغباء الشديد والحماقة التي هي سبب المشاكل، وهو عندما يفكر بحل مشكلة يتسبب بالوقوع في مشكلة أكبر منها.

أقوال جاهزة

شارك غردأشهر الأساطير المعروفة عن التوائم في العالم العربي تلك التي ترى فيهما قوى خفية، فهما قادران على التحول ليلاً إلى قطط بيضاء صغيرة لا تملك ذيلاً تجوب في الأحياء القريبة وتسأل الأهالي الطعام والشراب.

شارك غردحالما تقع عينا الطبيب النازي جوزيف مينغلي على توأم حتى يبحث عن شقيقه ويحولهما إلى مختبراته، ما دفع النسوة الأسرى لإخفاء توائمهن وتفضيلهن موت اطفالهن بالغاز على أن يعذبوا ويشرّحوا وهم أحياء.

ويعرف الحكيم في الأساطير باسم "كابينانا" أما الأحمق فيعرف بـاسم "كاروفو". وتروي إحدى تلك الأساطير أن أمهما اشتكت علامات الكبر إلى كاروفو وطلبت منه أن يعيد لها شبابها، ففعل ولكنه بعد ذلك قام بمغادرة منزلها لأنه لم يتعرف عليها بعد ذلك وأنكر أنها والدته.

ومن الأساطير التي ترويها الثقافة الهندية في جنوب أميركا، تلك التي تصف التوائم بالتضحية والوفاء أحدهما للآخر وتكشف عن علاقة سرية تربطهما، والتي تتحدث عن توأمين أحدهما لأب خالد والآخر لأب فانٍ، اتسما بشجاعتهما وخاضا الكثير من المعارك معاً. إلا أن التوأمين لم يتمكنا من معرفة من منهما الخالد ومن الفاني، ما دفعهما للتضحية بحماية بعضهما والموت معاً.

قطط بعد منتصف الليل

ولعل أشهر الأساطير المعروفة عن التوائم في العالم العربي تلك التي ترى فيهما قوى خفية، فهما قادران على التحول ليلاً إلى قطط بيضاء صغيرة لا تملك ذيلاً تجوب في الأحياء القريبة وتسأل الأهالي الطعام والشراب.

معتقد شعبي سائد يسيطر على عقول شريحة من الناس، مدعم بقصص غريبة يرويها أصحابها عن وقوع أذى لأطفالهم بعد تحولهم لقطط ليلاً، فأي أذى يصيب القطط يصيب التوائم بنفس الشدة. ما دفع الأهالي لحماية القطط وتقديم الطعام لها وتجنب إيذاءها خوفاً على أطفالهم. علامات استفهام وتعجب عديدة تحوم حول هذا التحول والترابط الغريب بين القطط والتوائم، فلماذا القطط البيضاء والعديمة الذيل؟ ولماذا تنتقل أرواح التوائم إليها بعد منتصف الليل؟ ولماذا بات هذا المعتقد شائعاً لدرجة خوف الناس من القطط على أطفالهم؟

خرافة لا يصدقها عقل ولم يعترف بها دين أو علم. حاكها الدجالون مستغلين بساطة الناس وخوفهم على أطفالهم لتحصيل مكاسب مادية من خلال تعاويذهم وأحجبتهم التي يسوقون لها كحل سحري لحماية الأطفال من الأذى.

ومن المعتقدات الأخرى الشائعة عن التوائم قدرتهم على قراءة أفكار متبادلة والشعور أحدهما بالآخر، فهل فعلاً يمكن للتوائم أن يشعروا بآلام بعضهم بعضاً حتى لو كانت آلاف الكيلومترات تفصل بينهم؟

معتقد شائع لدى الناس، لم تتمكن الأبحاث العلمية من إثبات صحته على مر السنين، ويعزو العلماء السبب في ذلك عند بعض التوائم إلى تقاربهم وتشاركهم الحياة الاجتماعية والأسرية ذاتها، فإن كنت قريباً جداً لشخص ما وإن لم يكن توأمك، فستكون قادراً على التنبؤ بأفكاره والإحساس به.

فئران تجارب بشرية

ولم يكن عالم التوائم غريباً ومثيراً للاهتمام من قبل مؤلفي الأساطير فقط، فالرغبة في الخوض في عالمهم وفك رموزه واكتشاف أسراره سيطرت على عقول الكثير من الأطباء والعلماء على مر العصور، ما جعلهم يقدمون على أنواع مختلفة من التجارب البشعة التي راح ضحيتها آلاف التوائم بغية كشف عناصرهم الجينية وعلامات التشابه والاختلاف بينهم وبين الآخرين.

ومن أشهر الجرائم التي ارتكبت بحق التوائم باسم العلم على مر التاريخ، كانت تلك الواقعة في معسكر أوشفيتز الألماني في جنوب بولندا، ذلك المعسكر الذي صنف على أنه أكبر معسكر للاعتقال والإبادة خلال فترة الحرب العالمية الثانية. كان كابوساً للأطفال التوائم حيث كانوا ضحية لهوس الطبيب النازي جوزيف مينغلي المعروف بملاك الموت، ذلك الرجل الذي كان يحدد مصير السجناء إما للعمل أو للقتل بالغاز، بإشارة من إصبعه، الموت إلى اليسار والحياة إلى اليمين.

وقد كان قناصاً للتوائم حالما تقع عيناه على توأم حتى يبحث عن شقيقه ويحولهما إلى مختبراته، ما دفع النسوة الأسرى لإخفاء توائمهن وتفضيلهن موت اطفالهن بالغاز على أن يعذبوا ويشرّحوا وهم أحياء.

ولأهميتهم كعينات حية لتجارب مينغلي، كان التوائم يعاملون معاملة خاصة، فبعد فصلهم عن أهاليهم يسمح لهم بالاستحمام ثم يعرضون على مينغلي الذي يخضعهم لفحوص أولية ثم يتم وضعهم  في غرف خاصة. وفي الصباح ُيخرج التوائم من غرفهم لعدهم وسحب عينات الدم من أيديهم وأعناقهم في حال كانت أيديهم صغيرة.

ثم يقدم لهم وجبة من الطعام لتبدأ بعدها التجارب الطبية عليهم. فيجري جمعهم عراة لفحص العلامات الجسدية الطبيعية والشاذة. وإن كان أحد التوائم قليل الحظ واختلف قليلاً عن توأمه، فإن مينغلي كان يقوم بتشريحه فوراً لاكتشاف العوامل غير الطبيعية فيه، كما كان يقوم بنقل الدم بشكل مباشر من توأم لآخر.

ومن أشهر تجاربه المريعة والبشعة، تلك التي عمل بها على تغيير لون قزحية العين، فلأجل تحويل لون القزحية للون الأزرق، كان الطبيب المختل يحقن موادَّ كيميائية وأصبغة تتسبب بآلام فظيعة في عيون الأطفال الصغار وتنتهي بهم إلى العمى والموت. كما كان ينقل الأمراض المختلفة لأحد التوأمين، وعند وفاته يقتل توأمه ويقارن الجسد المريض بالجسد السليم بعد تشريحه.

ومن تجاربه الغريبة والمجنونة كذلك، وصل جسدي توأمين متطابقين لتحويلهم لتوأم سيامي، وكانت النتيجة وفاة التوأم بعد عدة أيام نتيجة لتقرح الجروح وللالتهابات والآلام التي لا تطاق التي عانى منها الطفلان، فتلك العمليات كانت تجرى على الأطفال دون تخدير. وبعد وفاتهم يقوم بتقطيع أعضائهم وصنع عينات منها للدراسة.

التوأمين المتطابقين اللذين حاول تحويلهم لتوأم سيامي

ثلاثة آلاف توأم خضعوا لتجارب مينغلي الوحشية، لم ينجُ منهم سوى مئتين طفل، إلا أن النجاة من الموت لم تعنِ تخلصهم من آثار تلك التجارب التي تسببت بإصابتهم بالسرطانات والعقم والأمراض المختلفة نتيجة للمواد المجهولة التي كانوا يحقنون بها.

مدينة التوائم

وبعد سقوط النازية هرب الطبيب المجرم من العقاب واستقر في مدينة كانديدو جودوي البرازيلية متخفياً بهيئة مزارع وطبيب بيطري، مدينة تعرف اليوم  بمدينة التوائم، فواحد على الأقل من كل عشرة حالات حمل تقع في المدينة تكون لتوأم. أي أن نسبة التوائم في تلك المدينة الصغيرة تزيد بنسبة 1000% عن متوسط نسبة المواليد في العالم. فما هو السر وراء تلك الظاهرة الغريبة؟ وهل لمينغلي دور في ذلك؟

وفقاً للمحللين، يعود السبب في ذلك لخلطات الطبيب البيطري الألماني ولتجاربه الطبية التي لم تتوقف حتى بعد هربه من بلده وتخفيه في البرازيل حيث قام بإعطاء النساء في البلدة خليطاً من الهرمونات التي تحفزهن على ولادة التوائم والتي كانت خلاصة التجارب غير الإنسانية التي راح ضحيتها آلاف الأطفال والتوائم الأبرياء.

وبذلك يكون مينغلي قد حقق حلمه كطبيب في اكتشاف سر إنجاب التوائم من خلال تحفيز الجين المسؤول عن ذلك عند تلك النسوة، إلا أنه بالطبع خلد اسمه في تاريخ الإجرام ضد الطفولة والإنسانية.

ضحايا لتجارب اجتماعية

لا بد أنكم شعرتم بالاشمئزاز والأسف لمصير التوائم الذين وقعوا ضحية لهوس ذلك الطبيب السادي، ولكن هل كان جوزيف مينغلي هو الطبيب الوحيد الذي لديه هوس باكتشاف عالم التوائم وحل ألغازه؟

بالطبع لا. فقد شاركه الهوس عالم النفس الأميركي بيتر نويبار، الذي تجرد من إنسانيته وقام بفصل عدد من التوائم المتطابقة عند الولادة والسماح لأسر مختلفة بتبنيهم بغية دراسة تأثير البيئة على شخصيات التوائم وسلوكياتهم.

ومن التوائم التي قام العالم بفصل بعضها عن بعض ودراسة حياتها عن بعد، كل على حدة خلال مراحلهم الحياتية المختلفة، توأم أميركي ثلاثي متطابق، شاءت الأقدار أن يلتقوا عن طريق الصدفة خلال التحاقهم في الجامعة وهم في عمر 19 عاماً ليكتشفوا فيما بعد أنهم ثلاثة توائم تم حرمهم من أسرتهم الحقيقية والزج بهم في حياة مزيفة بغية إخضاعهم لدراسة نفسية اجتماعية لعالم مهووس.

ولم تقتصر تلك التجربة الاجتماعية على التوأم الثلاثي فقط، بل شاركهم المصير ذاته عدد من التوائم المتطابقة ممن اشتملت عليهم تلك الدراسة.

ثمة أسئلة تُطرح في هذا الإطار، هي: هل يحق لنا أن نتدخل في حياة أولئك الأطفال ونحدد مصيرهم ونسمهم بصفات ومعتقدات لا تمت لهم بصلة لمجرد اختلافهم وتميزهم؟ وهل يحلل الاختلاف تلك الجرائم التي ارتكبت في حقهم على مر السنين؟ وهل فعلاً تمكنت الدراسات والأبحاث من كشف تلك الأسرار؟  وإن لم تكن قد أثمرت، فهل يحترم العلماء خصوصية التوائم ويتوقفون عن الزج بهم في تجارب مختلفة لاكتشاف خفاياهم؟

كاتبة سورية تقيم حالياً في تركيا

كلمات مفتاحية
الأساطير التوائم

التعليقات

المقال التالي