البوشار العقلي: ما سرّ هوسنا بأفلام الأبطال الخارقين؟

البوشار العقلي: ما سرّ هوسنا بأفلام الأبطال الخارقين؟

لا شك أننا جميعاً شعرنا في مرحلةٍ من مراحل حياتنا بارتباطٍ عاطفيٍ غريبٍ بيننا وبين "سوبرمان"، "باتمان"، "هالك"، وغيرهم من الأبطال الذين سرعان ما تحولوا إلى أصدقائنا، نتابع مغامراتهم بشغف ونتعاطف معهم إلى أقصى حدّ، ونفرح لانتصاراتهم ولقدرتهم الخارقة على الإطاحة بالأعداء الأشرار، واللافت أنه رغم التقدم في العمر لم نتخلَّ عن عشقنا وتعلقنا بهؤلاء الأبطال الخارقين، مع علمنا بأن هذه الشخصيات لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

"سوبرمان"، "سبايدرمان"، "باتمان"، "المرأة القطة"، "روبوكوب"، "ديدبول"... كلها شخصياتٌ خيالية ترسخت في ذاكرة عشاق السينما، فما هو الجانب الخفي من هذه القصص الخيالية وما سرّ "الهوس" بقصص الأبطال الخارقين؟

via GIPHY

خرق إيرادات السينما

لا نبالغ إن قلنا إننا نعيش في عصر الأبطال الخارقين، فإذا راقبنا جيداً الإصدارات الحديثة نلاحظ أنها لا تخلو من وجود فيلمٍ أو فيلمين ينحدر أبطالها من عالم الخيال ويتابعها ملايين الأشخاص من حول العالم، بغض النظر عن عمرهم وجنسهم ومكانتهم الاجتماعية، مما جعل هذه القصص الخارقة تحتل السينما لكونها الأكثر استهلاكاً في تاريخ البشرية.

وانطلاقاً من هذا الشغف في متابعة مغامرات الأبطال الخارقين، يتسابق صنّاع السينما على إنتاج أفلام "الأكشن الخيالي" ذات الكلفة المالية الضخمةٍ بهدف تصدر مبيعات شباك التذاكر.

أقوال جاهزة

شارك غرديتم التركيز على الأجسام والعضلات القوية لشنّ قتال مصمم بشكلٍ جيدٍ في ظل مؤثراتٍ سمعيةٍ وبصريةٍ مبهرة، وذلك على حساب الحوار والنص الذي يكون في الغالب غير متماسك.

شارك غردصناع هوليوود يتقاضون رواتبهم، والملايين من الناس تحب هذه القصص وبالتالي ليس هناك من خاسرٍ في هذه المعادلة.. هذا هو مبدأ الخارقون الهوليووديون.

فإما يقررون إعادة "إحياء" بطلٍ خارقٍ مرّ عليه الزمن كسوبرمان، الذي يعتبر الأب الروحي للأبطال الخارقين، أو يخلقون بطلاً جديداً ذا مواصفات "خارقة" ويحوّلونه إلى أسطورةٍ على غرار Thor، بالإضافة إلى إتباع "تكتيكٍ" جديد يزيد من "جرعة الإثارة" والتشويق عن طريق دمج الأبطال الخارقين في فيلمٍ واحدٍ، على غرار فيلم Batman v Superman: Dawn of Justice الصادر في العام 2016، والذي يترجم الصراع بين البطلين باتمان وسوبرمان، الأكثر شعبيةً في العالم.

واللافت أن هذا الفيلم هو أول فيلم روائي طويل يجمع بين البطلين الخارقين اللذين أحبهما الجمهور منذ زمنٍ طويل، ورغم الجدل الدائر حوله خاصة لناحية تعزيز "روح المنافسة" بين الأسطورتين وانقسام آراء الجمهور بين هذا البطل أو ذاك، إلا أن الفيلم تصدر المركز الأول في قائمة الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في السينما الأميركية مع 872.7 مليون دولار.

الفشار العقلي

في مقال له في صحيفة "نيويورك تايمز"، تعتبر الكاتب "مارك بوودين" أن الأفلام تعكس أذواق وقيم الفترة الزمنية التي صنعت فيها، إذ يمكن متابعة تغيّر وضع المرأة، مسار تطور الأفكار المتعلقة بالذكورية، الحرب، الجريمة وأي موضوعٍ آخر من خلال معالجات هوليوود على مدى عقود، وبالتالي وجه الكاتب السؤال التالي: عندما ينظر المؤرخون إلى هذه التخمة من أفلام الأبطال الخارقين، فماذا سيكون رأيهم؟

في البداية، أوضح "بوودين" أنه ليس هناك من قاعدة تفرض على الأفلام حبكة معيّنة، فالقصص الهزلية هي كـ"الفشار العقلي"، الذي من المفترض أن يتم استهلاكه ونسيانه بسرعة، ولعل هذا السبب الذي يدفع الكثير من الناس إلى تفضيل مثل هذا النوع من القصص التي لا تحتاج لأي مجهودٍ فكري، إضافة إلى كونها تجارة مربحة: صناع هوليوود يتقاضون رواتبهم، والملايين من الناس تحب هذه القصص وبالتالي ليس هناك من خاسرٍ في هذه المعادلة.

via GIPHY

وأشار "مارك" إلى أن معظم أفلام الخيال تفشل في أن تكون منطقية ومقنعة حتى ضمن المنطق الخيالي، متسائلاً عن السبب الذي يدفع مثلاً الأبطال الخارقين والأشرار إلى رمي أشياءٍ معيّنة بعضهم على بعض لفترةٍ طويلة قبل أن يتضح أن هذه الحركة هي ببساطة من دون جدوى؟

كذلك أوضح أن الحسابات المالية هي التي تتحكم بصناعة هذه الأفلام، إذ يتم التركيز على الأجسام والعضلات القوية لشنّ قتال مصمم بشكلٍ جيدٍ في ظل مؤثراتٍ سمعيةٍ وبصريةٍ مبهرة، وذلك على حساب الحوار والنص الذي يكون في الغالب غير متماسك، مستثنياً بذلك فيلم Logan الذي بالرغم من كونه يدور حول الشخصيات الخارقة، إلا أنه أقرب إلى الواقعية، وفق رأيه، كونه يجسد قصة نضال أميركا المستمرّ بوجه العنصرية، بالإضافة إلى التطرق إلى مواضيع حياتية كحقوق مجتمع الميم.

أسباب التعلق بالشخصيات الخارقة

مع مرور الوقت تحولت ظاهرة "الشخصيات الخارقة" إلى سمةٍ شعبيةٍ تشكل ثقافة الترفيه، خاصة وأن هؤلاء الأبطال يحظون بشعبيةٍ واسعةٍ كما أن أفلامهم تحقق نسبة إيرادات هائلة، فمن بين أفضل 100 فيلم تم إصدارها منذ العام 1978 وتتضمن شخصية خارقة حقق 46 منها أكثر من 100 مليون دولار أميركي.

via GIPHY

وسواء فضل المرء متابعة مغامرات الشخصيات الخيالية عن طريق الغوص في الكتب أو أحب متابعة مجريات الأفلام في السينما، فإنه لا شك سيتخذ من بطلٍ معيّن "مثاله الأعلى" الذي لا يخيب آماله، خاصة وأن ذهنه اعتاد فكرة خلود الأبطال الخارقين: "البطل لا يموت".

فما هي الأسباب التي تقف وراء هذا الهوس بأفلام الخيال وبالشخصيات التي تتمتع بقدراتٍ خارقةٍ؟

مصدر إلهام: أوضح موقع "The artifice" أن الاهتمام بمغامرات الأبطال الخارقين قد يكون أعمق من مجرد التعطش للترفيه، إذ يتمتع هؤلاء الأبطال بمستوى مذهلٍ من الإنسانية، وبالتالي يرى المشاهدون من خلال أبطال الشاشة جزءاً من الواقع الذي يعيشونه، الأمر الذي يحوّل هذه الشخصيات الخارقة إلى مصدر إلهام أساسي.

via GIPHY

ففي نهاية المطاف، لكل شخصٍ منا قصته الخاصة، إذ يتمتع كل فرد بخبراتٍ وتجاربٍ تلوّن شخصيته الحالية وسلوكه، وفي مقال في مجلة "سميثسونيان"، اعتبر "روبن روزينبرغ" أن القصة الأصلية هي التي تجعل الأبطال الخارقين ملهمين، إضافةً إلى طريقة استجابة الشخصيات وتفاعلها مع التجارب التي تغيّر حياتها، مما يسمح للمشاهد بإيجاد أرضيةٍ مشتركةٍ مع الأبطال الخارقين والتمثل بهم، بمعنى آخر، فإن البطل الخارق بمعزل عن قدراته الا

ستثنائية فإنه لا يختلف كثيراً عن الإنسان العادي، إذ يصارع من أجل الأهداف الحياتية نفسها ويسعى جاهداً لإنقاذ العالم من الشر.

الهروب من الواقع: "إننا نعيش وقتاً عصيباً على هذه الأرض في ظل وجود الكثير من الأمور التي تخيفنا، وبالتالي سيكون من اللطيف الإاعتقاد أن هناك شخصاً ما يمكنه حمايتنا"، هذا ما قاله "مايكل شانون" الذي يلعب دور "الجنرال زود" في فيلم Man of steel.

ففي الأوقات العصيبة، يستمتع الناس بفكرة الهروب ويتمنون سراً وجود أبطال خارقين يدمرون كل العوائق، فقد ظهر سوبرمان لأول مرة في العام 1938، حين كانت أميركا تخرج من أزمتها الاقتصادية الكبرى، الأمر الذي يؤكد قول الكاتب مارك ميلر:"تعكس الأوقات الاقتصادية الجيدة موت الأبطال الخارقين، أما في الأوقات السيئة فنرى طفرة في شعبية هؤلاء الأبطال".

التعاطف: سواء كان هاجس موت والديه يطارد "بروس واين" وسواء عانى "سوبرمان" من الوحدة القاتلة، فإن قصص الأبطال الخارقين تدور في العادة حول الموت والخسارة، مما يخلق لدى الجمهور حالة من التعاطف، خاصة بعد أن يشعروا بأن أبطالهم المفضلين نجحوا بفضل قوة شخصيتهم وأخلاقهم، بالتغلب على مثل هذه التجارب الرهيبة لفعل الخير في العالم.

والمضحك أن الأبطال الخارقين لا يغادروا الولايات المتحدة بالإجمال، ويحصرون في كل حلقة على إنقاذ الناس والحياة من تلك البقعة من الأرض، ولكن الحلم الأميركي حتى ولو أنه يبدو أكثر وأكثر زائفاً، يدفع الكثيرين على الحلم والتفاؤل، وينسيهم أنهم خارج اللعبة الخارقة. فالمشاعر الإنسانية ليس لها جنسية معينة، ولكن هوليوود لم تدرك ذلك بعد.

التعليقات

المقال التالي