عن الجنية التي تقبع فوق صدوركم في الليل وتخنق أنفاسكم وأساطير أخرى حول شلل النوم

عن الجنية التي تقبع فوق صدوركم في الليل وتخنق أنفاسكم وأساطير أخرى حول شلل النوم

"تختبر إبنتنا تجارب غريبة أثناء النوم، إذ تشكو من وجود شيء يضغط على صدرها، يخنق أنفاسها ويشلّ جسدها حتى أنه يصبح من المستحيل أن تتفوه بكلمة، هذا الأمر يحدث بشكلٍ متكررٍ في الليل مما جعلها تتحول إلى شخصٍ مكتئب وسريع الغضب، نعتقد أن المسألة لها علاقة بالجن...".

هذا الكلام الذي ورد على صفحة "islamway"، يشير بشكلٍ ضمني إلى بعض المعتقدات الدينية بوجود رابطٍ وثيقٍ بين ظاهرة "شلل النوم" التي تعرف أيضاً بالجاثوم وبالجن وبتسلط الأرواح الخبيثة.

شلل تام

تخيلوا أنكم فجأة استيقظتم من نومكم على أصواتٍ غريبةٍ، وعندما فتحتم عيونكم لمعرفة ما يحدث تراءت لكم كائنات مرعبة تجول في غرفة نومكم، وبالرغم من محاولاتكم المتكررة للنهوض والتخلص من هذا "الكابوس المرعب"، إلا أنكم وجدتم أنفسكم عاجزين عن تحريك جسمكم الذي تحول إلى لوح خشبي جامد.

واللافت أن بعض الناس يختبرون في مرحلة "شلل النوم" حالات "هلوسة" غريبة، إذ يشرعون في رؤية وسماع والشعور بأشياءٍ خيالية لا تمت إلى الواقع بصلة: ففي العادة، أثناء النوم، يكون الجسم مشلولاً ولكن في حالة "شلل النوم" يستيقظ المرء في حين أن جسمه يكون مجمداً، ورغم أنه يكون في حالة وعي تامة، إلا أن هناك جزءاً من عقله يكون نائماً، مما يجعله يتخيل وجود أشياءٍ وأشكالٍ غامضة، ووحوش، وكائنات فضائية في غرفة نومه.

خرافات وأساطير

يعتبر الجاثوم هو الكابوس الذي يقع على الإنسان أثناء نومه، "عفريت النوم" الذي يعرف أيضاً بمتلازمة الجنية العجوز old hag syndrome ، استناداً إلى فولكلور شعبي يصور جنية طاعنة في السن تجلس فوق صدر النائم وتسبب له ضيقاً في التنفس وعدم القدرة على الحركة، كما أنها تجعله عرضة للكوابيس.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك الجاثوم الذي ينتج عن تسلط جني عاشق للفتاة أو الشباب، بحيث كلما يرغب المصاب في النوم يأتيه ويتسلط عليه.

شارك غردكلمة Nightmare مشتقة من كلمة mara وتعني "خارق للطبيعة"، وغالباً ما يتم تصوير الجن بصورة أنثى تقبع فوق صدور الناس في الليل وتخنق أنفاسهم.

يمكن التعرف على ظاهرة "شلل النوم" عبر ثقافات مختلفة، ولعلّ أهم قطعة فنية تترجم هذه الحالة التي يمر بها بعض البشر هي: لوحة "الكابوس" (1781) للرسام السويسري/الإنجليزي هنري فوسيلي، الذي عمد إلى إظهار امرأة نائمة بثوبها الأبيض، وفوقها شيطان رابض على صدرها وإلى جانبه رأس حصان مخيف في الغرفة.

يعتقد الكثيرون أن هذه اللوحة من أول الأعمال الفنية التي تترجم ظاهرة "الجاثوم" من خلال إظهار تعرض المرأة للجن أثناء نومها.

via GIPHY

ولكن ما دور الأساطير في ظاهرة "شلل النوم"؟

يوضح موقع the sleep paralysis project أن كلمة Nightmare مشتقة من كلمة mara وتعني "خارق للطبيعة"، واللافت أنه غالباً ما يتم تصوير الجن بصورة أنثى تقبع فوق صدور الناس في الليل وتخنق أنفاسهم، وبالتالي كان يتم تفسير "شلل النوم" على أنه مرتبط بالهجمات الليلية التي تقوم بها الساحرات أو الكائنات الغريبة:

"عندما استيقظت امرأة مختطفة من نومها العميق أيقنت أن جسدها أصبح مشلولاً بالكامل، إلا أنها كانت قادرة على فتح عينيها، وعندما فعلت ذلك رأت 3 كائنات غريبة تقف عند سريرها، أما المرأة الثانية فكانت بدورها مشلولة وتكافح من أجل التنفس وشعرت وكأن قلبها سينفجر من شدة الرعب وعندما فتحت عينيها رأت حشرة غريبة فوق سريرها، وبدوره استيقظ أحد المختطفين في منتصف الليل وقد أصابه الشلل التام وشعر بالكهرباء تسري في جميع أنحاء جسده، وكان بإمكانه رؤية العديد من الكائنات الغريبة التي تقف حول فراشه". (in McNally & Clancy, 2005).

وتعتبر هجمات شلل النوم والكائنات الغريبة التي تهاجم الغارقين في نومهم، جزءاً لا يتجزأ من ثقافة العديد من البلدان، ففي اليابان مثلاً يأتي مصطلح "kanashibari" الذي يعني "الربط بحبل من الحديد"، لأن فكرة الرط تأتي من الاعتقاد بأن الرهبان البوذيين القدماء كانوا يستخدمون السحر لشل الآخرين، وحتى اليوم لا يزال الكثير من اليابانيين الذين يعتقدون أن شلل النوم مرتبط بالأرواح الشريرة، أما في منطقة البحر الكاريبي فالمصطلح المحلي للتعريف بـ"شلل النوم" هو Kokma بحيث يعتقد البعض أن أرواح الأطفال غير المعمدين تأتي لخنق الضحايا أثناء نومهم.

الجاثوم في الإسلام

"الشيطان جاثوم على قلب ابن آدم، إن ذكر الله خناس وإذا لم يذكر وسوس".

في الإسلام، يعتبر الجاثوم أحد أنواع الجن، فهو الشيطان "الخانق" الذي يأتي في الليل ويقبع فوق قلب النائم/ة، خاصة بعد صلاة الفجر والوقت الذي بعد صلاة العصر، وهذا يرجع إلى انتشار الشياطين في هذه الأوقات، بحيث أن الرسول كان يقول إن هذه الأوقات تظهر على قرون الشيطان.

وكان العرب يعتقدون أن الجاثوم هو الجني الفاسق الذي يقوم بالاعتداء على البشر أثناء نومهم من خلال الضغط على صدورهم، وخنق أنفاسهم وجعلهم في حالة من الهلوسة والتخيلات التي لا صحة لها على الإطلاق: كسماع أصواتٍ غريبةٍ.

 

وقد قسّم موقع "الموسوعة العربية الشاملة" الجاثوم إلى 4 أنواع:

"في الغالب تكون حالات الجاثوم نتيجة لبس شيطاني، حيث أن الجاثوم يظهر من أجل إرهاب وتخويف الملبوس، معلناً له التحدي، وكي يثبت له بأنه هو القوة المسيطرة والمطلقة على هذا الشخص، وحتى مع استمرار الشخص على الرقية فإن النمرد يستمر على حاله، إلا أنه سرعان ما تنهار وتخنس قواه فيخرج مدحوراً مذموماً بأمر الله.

أما النوع الثاني وهو الجاثوم الذي ينتج عن تسلط جني عاشق للفتاة أو الشباب، بحيث كلما يرغب المصاب في النوم يأتيه ويتسلط عليه.

بينما النوع الثالث، وهو ذاك النوع الذي ينتج عن الشياطين الموجودين بالبيت، بخاصة إن كان هذا البيت بؤرة للشيطان، حيث يكثر أهله من الموسيقى والغناء واللهو.

النوع الرابع ويكون لبعض الأسر التي يعاني أفرادها من الجاثوم شبه المستمر، حيث أن هذا النوع من الممكن أن يصيب أغلب أفراد العائلة، ويرجع سببه إلى وجود سحر موجود بالمنزل، فيقوم رفقاء الجن المتلبس بإيذاء هؤلاء الناس وذلك كنوع من الخدمة لمن بداخلهم.

ويعتبر بعض الشيوخ في الإسلام أن تفادي النوم على الظهر، يقلل كثيراً من حدوث نوبات "شلل النوم"، مستندين في رأيهم إلى قول يعود للنبي محمد: "إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك".

الناحية العلمية

"إستيقظ "براين شاربلس"، في منتصف الليل وهو يشعر بأنه ليس بمفرده في الغرفة، فشعر فجأة بأن باب الغرفة مفتوح، وبأن هناك يداً امتدت لتلامسه، للوهلة الأولى ظن أنه يتعرض للسرقة حتى اكتشف بأنه غير قادر على التحرك، وهكذا بقي مشلولاً وهو يشاهد وجهاً غامضاً يشبه قناع النينجا مع عيون حمراء".

لم يكن "شاربلس"، وهو الباحث المهتم بدراسة اضطرابات النوم، في خطرٍ فعلي بل وقع بدوره ضحية "شلل النوم"، الظاهرة التي تصيب حوالي 8% من سكان العالم.

via GIPHY

ويوضح الباحث لموقع "The cut"، أن العلماء لا يزالون عاجزين عن فك "شيفرة" هذه الظاهرة الغريبة والتوصل إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها، مكتفين بالقول إنه في طور الـREM (حركة العين السريعة) يحدث فصل بين الدماغ والعضلات، وذلك بغية تجنيب الجسم التفاعل فعلياً مع الأحلام، إلا أنه في بعض الأحيان يستيقظ المرء قبل نهاية مرحلة الـREM، فيجد أن عضلاته مشلولة وجسمه خارج عن نطاق السيطرة، فيكون واعياً لما يدور حوله إنما غير قادر على التحكم بجسده.

عند الاستيقاظ بحالة من الشلل الجسدي، وبينما يحاول دماغكم فهم ما يجري، يخلق حالة معينة لتفسير سبب شعوركم بعدم الارتياح، وقد يشوّه شخصية من خيالكم لتقف أمامكم وتراقبكم، غالباً ما تتناسب مع رؤيتكم للعالم. فإذا كنتم حالياً في أمريكا فقد ترون كائناً فضائياً على سريركم، وإذا كنتم في فرنسا في القرن الخامس عشر، فقد تلمحون ساحرة أو شيطاناً، وتشعرون بوجودهما.

ربما تتساءلون كيف بإمكانكم السيطرة على جسدكم ودماغكم لحظة تختبرون فيها شلل النوم، أو جعل التجربة أقل خوفاً. ببساطة إذا كنتم واعين ما يحصل لكم، وفاهمين أنكم تهلوسون ولا تواجهون أحد أشباحكم، فستشعرون بالأمان، حتى ولو قليلاً. بإمكانكم تجاهل الجن أو الساحرة التي تحدق بكم، فتشعرون أنكم تسيطرون على الوضع، نوعاً ما، وتتلاشى هذه التخيلات شيئاً فشيئاً، أو حتى بإمكانكم التحديق بعينَيْ هذا الكائن المنسوج من خيالكم لفهم ما يحاول أن يقول لكم، ربما مواجهة مخاوفكم هي التي قد تمدكم بالقوة.

التعليقات

المقال التالي