"النظرة الهادئة": سرّ تغلب الرياضيين المهزومين على خصومهم في اللحظة الأخيرة

"النظرة الهادئة": سرّ تغلب الرياضيين المهزومين على خصومهم في اللحظة الأخيرة

إذا أردتم معرفة من سيفوز في مباريات كأس العالم لعام 2018 وغيرها من البطولات، يكفي أن تراقبوا عن كثب عيون اللاعبين الرياضيين، حتى في حال كانوا على وشك الخسارة. علماً أن أفضل اللاعبين يتمتعون بالقدرة العالية على التحكم في انتباههم البصري والتركيز قبل التصويب، مما قد يضمن فوزهم في المباريات المحتدمة.

إنتزاع النصر

إذا كان هناك شخص يعرف جيداً كيفية انتزاع النصر من بين فكي الهزيمة فهي لا شك اللاعبة المحترفة "سيرينا ويليامز".

ففي بطولة أستراليا المفتوحة للتنس عام 2003، لعبت "سيرينا" ضد منافستها كيم كلايسترز في الدور نصف النهائي، وبالرغم من أن "ويليامز" كانت على وشك الهزيمة، لم تستسلم بل اقتنصت نقطتين ثمينتين من "كلايسترز"، وهكذا تمكنت بطريقةٍ أو بأخرى من الفوز في المباريات الخمس اللاحقة وانتزاع لقب البطولة.

واللافت أن "ويليامز" لطالما حوّلت الهزيمة إلى فوز، ففي بطولة أستراليا المفتوحة للتنس في العام 2005، وويمبلدون 2009، والصين المفتوحة للتنس 2004، نجحت "سيرينا" في الأوقات الحاسمة في انتزاع الفوز من منافساتها، بحيث أنها، وعوضاً عن الاستسلام أمام الضغط الشديد، كانت تزيد من قوة تركيزها.

العين الهادئة

عمل علماء النفس والأعصاب على الغوص في بعض العمليات الذهنية التي تميز بعض الرياضيين المحترفين، وتوصلوا إلى ظاهرة تعرف باسم "النظرة الهادئة"، وهو نوع من الإدراك البصري الذي يسمح للاعبين بإزالة جميع المشتتات الأخرى عند التخطيط لخطوتهم التالية.

فما الذي يميّز "النظرة الهادئة" بالتحديد؟

تبدو "النظرة الهادئة" مهمة بشكلٍ خاص في أوقات التوتر، مما يجنب الرياضيين "الاختناق" عند اشتداد الضغوط النفسية، فمن خلال هذه النظرة المليئة بالتركيز، يتمكن اللاعب من الوصول إلى حالةٍ من الاستغراق الذهني وتحقيق الفوز.

أقوال جاهزة

شارك غرد"النظرة الهادئة" لا تطال الرياضيين والرياضيات وحدهم، إنما بإمكانها أن تساعد أيضاَ الأطباء في الحفاظ على تركيزهم أثناء قيامهم بعمليات جراحية، كما تشكل أهميةً متزايدة في قطاع الجيش.

شارك غرد كلما كان اللاعب أفضل طالت المدة التي يركز فيها نظره على الكرة قبل التصويب وأثناءه، في المقابل مال اللاعبون المبتدئون إلى تحويل تركيزهم بين جهات مختلفة من المشهد، وكانوا يركزون على كل هدف لفتراتٍ أقصر.

واللافت أن "النظرة الهادئة" لا تطال الرياضيين والرياضيات وحدهم، إنما بإمكانها أن تساعد أيضاَ الأطباء في الحفاظ على تركيزهم أثناء قيامهم بعمليات جراحية دقيقة. وتشكل هذه النظرة أهميةً متزايدة في قطاع الجيش.

وعن هذه النظرة، يقول سام فاين من جامعة إكستر: "هناك فرصة للنظام الحركي لتلقي المعلومات من العيون"، مشيراً إلى أن الخبراء وجدوا طريقة أفضل لإبقاء النافذة مفتوحة ولزيادة فرص انتقال المعلومات من العين إلى الجهاز الحركي، مما يساعد على أن تكون الحركات محسوبة ودقيقة.

إختلاف أداء الرياضيين

برز مصطلح "العين الهادئة" مع التجارب الخاصة التي قامت بها الخبيرة بعلم الحركة "جون فايكرز"، إذ حرصت فايكرز، كطالبة في علوم الرياضة والرياضية المحترفة، على معرفة كيفية اختلاف أداء الرياضيين ومهاراتهم من يوم لآخر.

من هنا تكشف "فايكرز" أنه في إحدى المرات، أثناء مباراة كرة السلة، سجلت 27 نقطة خلال الشوط الأول في المباراة، وفي وقتٍ لاحقٍ تمكنت من تحقيق سلسلة من الإنتصارات المذهلة في مباراة أخرى للكرة الطائرة، غير أن هذا الأداء الاستثنائي لم يتكرر لأنه في كل مرة كانت تزول لمستها السحرية في اليوم التالي.

هذا الموضوع استوقف "فايكرز"، التي بدأت تتساءل عن السبب الذي دفعها إلى تحقيق النجاح الساحق مع العلم أنها لم تتغير من الناحية البدنية، ومن ناحية أخرى تساءلت عن السبب الذي يجعل بعض اللاعبين النخبة من الحفاظ على أدائهم وعلى مستواهم.

وبعدما شرعت "فايكرز" في إعداد رسالة الدكتوراة في جامعة بريتيش كولومبيا، وجدت أن السرّ يكمن في الطريقة التي ينظر بها نخبة الرياضيين للعالم.

وفي التفاصيل، زودت "فايكرز" مجموعة من لاعبي الغولف المحترفين بجهاز لمراقبة بدقة حركة عيونهم عند ضرب الكرات.

واكتشفت أنه كلما كان اللاعب أفضل طالت المدة التي يركز فيها نظره على الكرة قبل التصويب وأثناءه، في المقابل مال اللاعبون المبتدئون إلى تحويل تركيزهم بين جهات مختلفة من المشهد، وكانوا يركزون على كل هدف لفتراتٍ أقصر.

via GIPHY

 

التروي في اللحظات الحاسمة

بخلاف الاعتقاد الشائع بأن خبرة اللاعب تتعلق بسرعته في معالجة المعلومات ذهنياً، فإن النتائج التي توصلت إليها "فايكرز" تشير إلى أنه كلما أبطأ الرياضي وتروى في اللحظة الحاسمة، كان النجاح حليفه.

وقد تم إجراء العديد من الدراسات التي شددت على "العين الهادئة" في مختلف الرياضات، بما في ذلك كرة السلة، الكرة الطائرة، كرة القدم، التنس، الرماية وهوكي الجليد، بحيث من الطبيعي أن يختلف اتجاه النظر بحسب الرياضات: فأثناء الرمية الحرة في لعبة كرة السلة، يجب على اللاعب التحديق في الحافة الأمامية من الحلقة المعدنية.

وعند تسديد ركلة الجزاء في كرة القدم، يجب على اللاعب أن يركز نظره على الزاوية العلية سواء كانت من ناحية الأيمن أو الأيسر من الشبكة. أما في لعبة هوكي الجليد، فينبغي لحارس المرمى أن يبقي نظره على الكرة المطاطية قبل أن تفارق مضرب لاعب الفريق الخصم.

وبالتالي مهما اختلفت زاوية النظر، فإن مدة الانتباه البصري قبل اللحظة الحاسمة هي التي تميّز بين اللاعب المحترف واللاعب المبتدئ، إذ تبيّن أن الأول في اللحظات الحاسمة، يركز بصره على الهدف أو الكرة قبل التصويب لمدة أطول بنسبة 62 في المئة مقارنة باللاعب المبتدئ.

مهارات فطرية أم مكتسبة؟

أجرى "كاميلو ساينز مونكاليانو" دراسة عن "النظرة الهادئة" لدى لاعبي التنس، ووجد أن معظمهم لم يتعمدوا تغيير حركة عيونهم بل اكتسبوا هذه السلوكيات بالفطرة: "صحيح أنهم لا يعرفون شيئاً عن هذه المصطلحات، ولكنهم يعرفون كيف يفعلون ذلك. إنه أمرٌ طبيعي".

في إحدى تجاربها على فريق كرة السلة بإحدى الجامعات، ثبتت "فايكرز" أجهزة متابعة حركة العين لمعرفة إتجاه نظرات اللاعبين ومدتها أثناء الرميات الحرة.

وقد تبيّن أن أداء اللاعبين قد تحسن بنسبة 22% في الموسمين اللاحقين، مقارنةً بمجموعة اللاعبين الآخرين الذين لم يتمرنوا على هذه المهارات ولم يتحسن أداؤهم إلا بنسبة 8%. واللافت أنه بحلول نهاية الموسم الثاني، كان الفريق قد وصل إلى مستوى دقة أعلى من دقة التصويب في الـNBA.

وتكررت النتائج نفسها في الكثير من الاختبارات، إذ ساعد التدريب على "النظرة الهادئة" الكثير من الرياضيين المحترفين والهواة على تحسين مهاراتهم.

الجدير بالذكر أنه في العام 2015، قالت "سيرينا ويليامز" لمجلة "Sports illustrated": "لقد فزت في معظم مبارياتي بسبب عقلي وليس نتيجة أي شيءٍ آخر"، وبالتالي قد يعود جزء كبير من نجاح "ويليامز" إلى التركيز والنظرة الهادئة التي تتمتع بها أثناء اللعب:

"إذا كنت تخسر في إحدى المباريات، فمن المهم جداً الاسترخاء، وهذا ما أفعله. فأنا أكون أكثر استرخاءً عندما يكون الخصم على وشك الفوز، إذ أقوم بالتركيز على نقطة واحدة فقط دون غيرها لبعض الوقت، ثم أنتقل إلى التركيز على النقطة التالية".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي