تكرهون الاحتفال بعيد مولدكم؟

تكرهون الاحتفال بعيد مولدكم؟

اليوم عيد مولدكم! الكل متحمّس إلّا أنتم. تنهال عليكم أسئلة سريالية لا تجدون لها جواباً، "ماذا ستفعلون في هذا اليوم المميّز ؟ ماذا سترتدون ؟ أين تريدون الاحتفال ؟ مع من ؟ من أهدى إليكم؟ وهل الهدايا قيمة ؟ في نظركم هو يوم عادي.

أسئلة تشعركم بضغط أنتم في الأساس غير راغبين في الاحتفال لعدّة أسباب.. كبرتم في السن.. ذكريات أليمة.. أو أكثر من ذلك. خلف تلك الأسئلة أسئلة أخرى أعمق عليكم مواجهتها كل عام في مثل هذا اليوم: ماذا أنجزتم لغاية اليوم ؟ راضون عن أنفسكم ؟ تشعرون أن لوجودكم معنى؟

ظاهرة الـ "Birthday Blues ": ما أسبابها ؟

يعرّف معجم علم النفس ال Birthday Blues  بأعراض كآبة تصيب صاحب العيد كالحزن العميق والرغبة في الانزواء أثناء فترة عيد مولده أو في اليوم نفسه. تدخل هذه الأعراض في الكآبة لكونها قويّة لدرجة أنها تسيطر على الشخص لتجعله غير مستمتع بالاحتفاء وغير راغب بأن يعايده أحد ولا أن يتذكر هذا اليوم في الأساس. وكأنه بالنسبة إليه يوم مشؤوم يريد التخلص منه.

وفي البحث عن أسباس تلك الظاهرة نظريات عديدة. منها يربطها بالضغط الاجتماعي الذي يجعل من الحواس الخمس للشخص المعني التأهب لمعاينة نسبة الأشخاص الذين سوف يتذكرون هذا اليوم والهدايا وقيمتها وربطها بمدى حبّهم له.

أقوال جاهزة

شارك غردمن الأسباب: الضغط الاجتماعي الذي يجعل من الحواس الخمس للشخص المعني التأهب لمعاينة نسبة الأشخاص الذين سوف يتذكرون هذا اليوم والهدايا وقيمتها وربطها بمدى حبّهم له.

شارك غردصاحب العيد مرغم على أن يفرح ويظهر حماساً مع المحيطين به الذيم هم ملزومون بدورهم في إثبات حبّهم واهتمامهم وأن يكونوا على قدر توقعات وهميّة بناها شخص عنهم.

يرسم الشخص حينها لوحة من التوقعات والآمال تتخطى الواقع وسرعان ما يأتي يوم مولده ليصاب بخيبة أمل حين يفشل المقربون في أن يكونوا على قدر تلك التوقعات، فيشعر أنه مهمل أو غير محبوب أو أنه يهتم لأمرهم أكثر منهم، فيبني ذكرى حزينة عن ذلك اليوم يتذكرها كل عام ليحوّل عيد مولده من عيد إلى ذكرى موجعة.

via GIPHY

يلعب المنطق الاجتماعي دوراً رئيساً في هذا الموضوع. فالضغط الاجتماعي الموجود في أعياد الميلاد والحماس المفروض يكونان مزدوجين. صاحب العيد مرغم على أن يفرح ويظهر حماساً مع المحيطين به الذيم هم ملزومون بدورهم في إثبات حبّهم واهتمامهم وأن يكونوا على قدر توقعات وهميّة بناها شخص عنهم.

هذا في البعد الاجتماعي، أما على الصعيد النفسي التحليلي فالأبحاث تتحدث عن أسباب أخرى لها علاقة بشعور الشخص تجاه فكرة العمر والتقدم في السن.

يشير علماء النفس إلى أن العمر هو أحد الأسباب التي تزعج الشخص وتجعله يشعر بالحزن يوم عيد مولده. فكلما تقدم في السن زادت حساسيته تجاه مسألة العمر والوقت، وزاد خوفه أن يصبح عاجزاً أو يغادر الحياة قبل أن يكون قد حقق ما يريد أو أن يفارق الأشخاص الذي يحب.

الخوف من المرض والموت يمكن أن يصبح خارج السيطرة حين يأتي ما يذكرنا بأننا خسرنا عاماً آخر. همّ آخر يصحو فينا كل عام. صوت داخلنا يذكرنا أننا لم نحقق الأهداف التي وضعناها عشية العام السابق وأن الأهداف تلك تأجلت عاماً آخر. ضغط التوقع يأتي ليرجعنا إلى ذاتنا فنصاب بوسواس التشبه بالآخر الذي تزوج أو استقلّ أو سافر أو حقق أي شيء قبلنا لتجعلنا ننظر إلى ذاتنا نظرة فشل.

أشخاص يحملون ثقل ولادتهم

"لو لم ألد لما أصيبت أمي بالمرض"، يقول هاني، 30 عاماً، متحدثاً عن أمه التي أخبرته أن الأطباء كانوا قد أنذروها بأن الإنجاب سوف يضعف مناعتها ويعرّضها للخطر، لكنها أصرّت أن تنجب طفلها الوحيد لكي تحافظ على زوجها. كلمات هاني عن أمّه مزيج من اللوم والذنب. هو يلومها لأنها أخبرته تلك القصة ويشعر بالذنب لأنه سبب مرضها. يكره يوم عيده ويحاول التهرب بأي شكل من الاحتفالات خصوصاً تلك الآتية من أهله لأنه يراها غير صادقة.

رنا ليست بعيدة عن ذلك الشعور فهي أيضاً عانت وتعاني من ذنب لم تقترفه وهو مجيئها إلى الحياة. "ولدت في عائلة متفككة ظنت أن طفلاً سوف يعيد اللحمة بين أفرادها." تقول رنا ان ذكرى ميلادها مُرّة لأنها لم تحتفل بها يوماً وسط عائلة متماسكة، فالأب والأم انفصلا عندما كانت في الثالثة من العمر.

أمّا بالنسبة لربيع، فأسبوع عيد مولده يصادف مع ذكرى وفاة والده، لذلك هو لا يحب الاحتفال بذلك اليوم لا بل أكثر من ذلك، هو يخاف التعرض لأزمة صحيّة في ذلك اليوم كما جرى لوالده.

via GIPHY

هؤلاء الأشخاص يتجنبون الاحتفال بأعياد ميلادهم ليس لأنهم لا يريدون ذلك بل لأنهم ولدوا في ظروف شعروا فيها أنهم غير مرغوبين أو حاملين أعباء نفسية وعاطفية واجتماعية تفوق قدرتهم أو أن الظروف التي أحاطت بتلك المناسبة كانت سلبية. أصبح صعباً بالنسبة لهم أن يتقيّدوا بالإرشادات الإجتماعية بضرورة الاحتفال والشعور بالفرح والبهجة في ذلك اليوم.

يوم عيد الميلاد أو جردة حساب؟

تكمن أهمية أعياد الميلاد، إن كانت ذكراها سلبية أم إيجابية، في قدرتها على إعادتنا إلى ذاتنا، وإلى سبب وجدوى وجودنا. إن كنتم من مشجعي الاحتفالات التي تمتد أحياناً أسابيع أو أنكم لا ترغبون في أن يعايدكم أحد، يجمعكم شعور مشترك أو فكرة تجتاح عقولكم تأتي على شكل سؤال " ماذا بعد ؟ "، أين أخفقتم وأن نجحتم.

متى شعرتم أن صورتكم الذاتية إيجابية وأنكم محبوبون ومرغوبون، ومتى أحسستم أنكم ناقصون. من هم الأشخاص الذين سمحتم لهم بدخول حياتكم خلال هذا العام؟ هل كان دورهم إيجابي أم أن الوقت قد حان لاستبدالهم بأشخاص أفضل؟

جردة الحساب تلك ضرورية وأساسية لتطوركم الذاتي حتى ولو كانت منسية بفعل تأثير ضغوط الحياة اليومية إلّا أنها تأتي في يوم ميلادكم بإصرار وإرادة لتجدوا لأنفسكم وقتاً للتبصّر والتفكير في كيفية استهلاككم للوقت الذي مُنحتم إيّاه في العام الماضي.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

كلمات مفتاحية
الحياة عيد الميلاد

التعليقات

المقال التالي